تدريجيًّا، تبدّد الضباب في ذهنها، و أدركتْ فانيسا أنّها استيقظتْ.
فجأة، أصبح ذهنها صافيا كأنّ ماءً باردًا صُبّ عليه. فتحتْ عينيها بسرعة. امتلأتْ رؤيتها بمنظر المكان الذي تستلقي فيه مذهولة.
سماء زرقاء في النهار، أوراق خضراء داكنة كثيفة، أغصان طويلة ممدودة…
مدّتْ يدها ببطء، فلمستْ الأرض الرطبة الخشنة المتناثر عليها بعض الأعشاب.
نهضتْ فانيسا بسرعة، و نظرتْ حولها. أدركتْ أخيرًا أنّها في غابة.
‘ماذا… كيف حدث هذا…؟’
آخر ما تذكّرته كان صوت يورغن و هو يناديها. شعرتْ بقلبها يرتجف من صراخه اليائس، ثمّ فقدتْ الوعي.
و عندما استيقظتْ، وجدتْ نفسها في هذه الغابة.
وقفتْ فانيسا على قدميها، و دارتْ بعينيها في المكان.
المنظر يبدو مألوفًا…
‘هل هذه… غابة المتاهة قرب القصر الملكيّ؟’
رغمَ مرور وقت طويل منذ آخر زيارة لها، لم يكن بإمكانها نسيان هذه الغابة. إنّها مكان ذكريات طفولتها.
‘إذا كانت غابة المتاهة…’
في اللحظة التي همّتْ فيها بالسير،
خشخشة―
سمعتْ صوت احتكاك أوراق بعباءتها. استدارتْ بسرعة، فرأتْ شخصيّة مألوفة تدخل مجال رؤيتها.
الثوب الرماديّ الداكن المعتاد، الشعر الأبيض، العيون السوداء. بشرة شاحبة كأنّها لم ترَ الشمس أبدًا.
كانت ساسكيا تقف هناك.
“لقد استيقظتِ، جلالة الملكة.”
“مَنٔ قال إنّني ملكة؟”
زمجرَتْ فانيسا في وجه ساسكيا التي تحدّثتْ بهدوء.
أغمضتْ ساسكيا عينيها بحزن، ثمّ قالتْ بصوت خالٍ من العاطفة:
“أنتِ رفيقة ليروي. لذا، اللقب المناسب لكِ هو ‘جلالة الملكة’.”
“ليروي مات، و أنا متزوّجة من رجل آخر.”
“ليروي لم يمـتْ. طالما أنا حيّة.”
أطلقتْ فانيسا ضحكة ساخرة مذهولة.
“كنتُ أعرف أنّكِ لستِ في وعيكِ منذُ زمن، لكنّ الأمر أسوأ ممّا توقّعتُ.”
“حالتي العقلية لا تهمّ طالما أخدم ليروي.”
“بالتأكيد. أنتما الاثنان مجنونان معًا.”
“هل تشعرين بالعطش؟ أم تريدين تناول الطعام؟”
تجاهلتْ ساسكيا كلماتها اللاذعة دون أيّ انفعال. أطلقتْ فانيسا ضحكة أخرى من الذهول الشديد.
حدّقتْ في ساسكيا بعينين حادتين، و سألتْ بنبرة قاسية:
“ما الذي تنوين فعله بعد أن أحضرتني إلى هنا؟ هل تريدين لعب الأطفال؟”
“كان من الأفضل أن آخذكِ إلى قصر لوينغرين…لكنّ الملك ديكلان أفعى. لا أعرف متى قد يحاول قتلكِ بعيدًا عن عينيّ، لذا المكان خارج نطره أكثر أمانًا. ابقي مختبئة في هذه الغابة مؤقّتًا، و سأعدّ لكِ مكانًا قريبًا.”
“ماذا حدث لديكلان؟ و غلينا؟ و يورغن و الباقين؟”
كانت قلقة جدًّا عمّا حدث بعد فقدانها الوعي.
خاصّة على غلينا.
كانت تخاف ديكلان إلى هذا الحدّ… و والدتها أيضًا… أتمنّى أن يكون يورغن و الاثنان الآخران يحميانها.
“نقلتُ الملك ديكلان مع الأميرة غلينا إلى داخل القصر للاختباء، و انسحب يورغن دريك و رفاقه بسبب تعرّض الملكة الأرملة لنوبة. هم الآن في بانثيون سورينت.”
أجابتْ ساسكيا بصراحة غير متوقّعة. شحب وجه فانيسا عند سماع أنّ والدتها أصيبتْ بنوبة.
قيل إنّ مرضها خطير و لا يُشفى… كانت تشعر بالخوف من أن تكون والدتها قد فارقتْ الحياة في غيابها.
ارتخت ساقا فانيسا، فجلستْ على الأرض مذهولة تنظر إلى الأرض.
حدّقتْ ساسكيا فيها بعينين خاليتين من العاطفة، و أكملتْ بهدوء:
“اتّخذتُ تدابير لمنع الحيوانات البريّة الخطرة من الاقتراب. سيكون البرد شديدًا ليلاً، لذا سأعدّ كوخًا بسيطًا و نارًا. الخيمة ستكون صعبة، لكن انتظري يومين فقط و سأعدّ لكِ مكانًا…”
“هل… تتذكّرين اسمكِ الحقيقيّ؟”
قاطعتْ فانيسا كلامها و سألتْ. كأنّها تتشبّث بأمل أخير في موقف يائس. لكنْ ساسكيا اكتفتْ بالرمش بعينيها كأنّها لا تفهم السؤال.
نهضتْ فانيسا و واجهتْ ساسكيا مباشرة. ثمّ أمطرتْها بالأسئلة، آملة أن تستعيد و لو ذكرى واحدة من ماضيها المنسيّ.
“هل تعرفين أنّ اسمكِ الأصليّ ‘فيني’؟ هل تعرفين كيف أصبحتِ خادمة ليروي؟ لديكِ أخ أيضًا، ألستِ تعلمين؟ أنّ أخاكِ يبحث عنكِ بيأس…”
“…”
لم تُقرأ أفكار ساسكيا في عينيها السوداوين. نظرتْ إلى فانيسا بهدوء فقط.
وجه غامض لا يُعرف ما يدور في داخله.
“أنا موجودة من أجل ليروي فقط.”
“هاه….”
“أيّ شيء آخر لا معنى له بالنسبة إليّ.”
مع هذه الكلمات، استدارتْ ساسكيا قائلة “إذن سأذهب.” لكنْ فانيسا لم تكن لتدعها تذهب بهذه السهولة. إذا لم تنجح الإقناع، فعليها إلحاق ضرر بها و لو كان مؤقّتًا.
لو أعاقت حركة ساسكيا لبضعة أيّام، أو حتّى ساعات… يمكن أن تمنح يورغن وقتًا للتخطيط للخطوة التالية.
“انتظري.”
توقّفتْ ساسكيا و استدارتْ. في تلك اللحظة، أطلقتْ فانيسا سلطة فينيا التي كانتْ تكبحها سرًّا نحو ساسكيا.
“…!”
سلطة الحياة التي تشفي لا يمكنها إيذاء الهدف عادة.
لكنّها أصابتْ ساسكيا، حاملة سلطة الموت المضادّة، بضرر مؤقّت.
كان ذلك هجومًا مفاجئًا نجح لأنّ ساسكيا كانتْ غير حذرة تمامًا تجاه فانيسا.
“آه…”
ترنّحتْ ساسكيا، و انحنتْ، ثمّ جلستْ على الأرض. بدا أنّها أصيبتْ بإصابة داخليّة.
الآن فرصتها للهروب.
تركتْ فانيسا ساسكيا و استدارتْ و أخت تركض.
إذا كانتْ هذه غابة المتاهة… يمكنها اتباع الخريطة في ذاكرتها للوصول إلى “كوخ الساحرة”.
[يا أميرة، إذا شككتِ يومًا…]
[اتبعي هذا الطريق و ابحثي عني. إلى كوخ العجوز الساحرة…]
ربّما أخبرتها العجوز بالطريق إلى الكوخ استعدادًا لهذه اللحظة.
كانت العجوز تمتلك بصيرة غريبة بصفتها شخصًا عاش طويلاً، فربّما تنبّأتْ أنّ فانيسا ستتمنّى استعادة ذكرياتها يومًا.
“هاه، هاه…”
ركضتْ فانيسا حتّى نفد أنفاسها، ثمّ التفتتْ خلفها. لم تظهر ساسكيا التي توقّعتْ مطاردتها سريعًا.
يبدو أنّ سلطة الحياة ألحقتْ ضررًا أكبر ممّا توقّعتْ، فأطلقت ضحكة خالية من الروح.
في تلك اللحظة.
“…!”
فجأة، انهارت الأرض تحت قدميها. تمسّكتْ فانيسا مذعورة بأيّ شيء تصل إليه يدها.
أمسكتْ بغصن صغير رقيق نبت من الأرض كحبل نجاة.
“آه…”
نظرتْ إلى الأسفل فرأتْ هاوية كانتْ مخفيّة بالأعشاب.
تنهّدتْ فانيسا يائسة.
السقوط من هنا يعني الموت.
‘اللعنة…’
نسيتْ أنّ غابة المتاهة تقتل المتسلّلين بهذه الطريقة.
عضّتْ فانيسا على أسنانها و حاولتْ الصعود بجهد. لكنْ كلّما تحرّكتْ، أصدر الغصن الرقيق صوتًا ينذر بالانكسار.
‘لا يمكن أن أموت هكذا…!’
كيف نجوتُ حتّى الآن…!
اجتاحها شعور بالظلم يملأ قلبها. سلطة الحياة تشفي الآخرين ، لكنّها لا تستطيع حماية نفسها… أمر ساخر جدًّا.
كالنبتة التي تنبت و تزهر في أرض جافّة، لكنّ كارثة طبيعيّة واحدة تجرفها بلا رحمة… هكذا هي طبيعة الحياة.
طق―
انكسر الغصن أخيرًا.
“آه…”
خرج تنهّد خافت من بين شفتيها المفتوحتين قليلاً.
بدأ جسدها يسقط بفعل الجاذبيّة. إلى الأسفل، أكثر فأكثر…
التعليقات لهذا الفصل " 91"