ما إن صدر أمر ديكلان، حتّى تحرّك القتلة.
كانت حركاتهم سريعة إلى درجة لا تُرى بالعين، لكنّ الثلاثيّ من جانبهم كان كذلك أيضًا.
خاصّة يورغن.
دحر القتلة الذين اندفعوا نحوه بسهولة. ثمّ نشر سلطته على مساحة واسعة ليمنع القتلة من مهاجمة العربة.
تابعتْ فانيسا الوهج الذهبيّ الذي يدور حولها كأنّه يحميها. طارتْ عدّة أسلحة حادّة نحوها مرّات عديدة، لكنّها اصطدمتْ بالسلطة و سقطتْ على الأرض.
لم يواجه يورغن صعوبة تُذكر في التعامل مع القتلة، لكنّ غارسيا و رينيه بديا متعثّرين قليلاً.
تردّد جنود لوينغرين مذهولين من الحادث المفاجئ.
بالطبع، كان بينهم مَنٔ يقاتل إلى جانب القتلة. أدركتْ فانيسا أنّ هؤلاء هم أتباع ديكلان الحقيقيّون.
ضيّقتْ عينيها، و أخرجتْ الخنجر الذي أخفته في صدرها سرًّا.
في حال حدث شيء ما، كانت تنوي حمله على الأقلّ.
صدّ هجوم قاتل مشهور… بصراحة، أمر بعيد المنال.
“…..”
نظرتْ جانبًا فرأتْ غلينا ترتجف كورقة شجرة و وجهها شاحب كأنها شخص ميّت.
‘هذا بسبب ديكلان بالتأكيد…’
قال أنه بالإمكان قطع أطرافها.
إنه مجنون بلا شكّ.
منذ متى بدأ ديكلان يُولي غلينا هذا الاهتمام المرضيّ؟
بالنسبة إلى فانيسا، كان الأمر محيّرًا.
“غلينا.”
نادتها فانيسا بهدوء. كانت أفيلين أيضًا تتّكئ على حزمة قشّ، و هي تنظر إلى غلينا بعينين قلقتين.
لم تجب غلينا، كأنّها غارقة في نوبة هلع.
نظرتْ فانيسا إلى أختها الصغرى التي ابتلعها الخوف، تردّدتْ برهة، ثمّ مدّتْ الخنجر أمامها.
“خذيه، غلينا.”
انعكس نصل الفضّة في عينيّ غلينا الزجاجيّتين الخاليتين من التركيز. أغمضتْ عينيها مرّات عديدة، ثمّ أمسكتْ الخنجر دون وعي تقريبًا.
ارتجفتْ رموشها الورديّة الشبيهة بلون شعرها.
“احتفظي به في حال حدوث شيء ما. إذا حاول أحد إيذاءكِ، أيًّا كان، اطعنيه به.”
“…..”
“احمي نفسكِ بقصد قتل المهاجم. هل فهمتِ؟”
أمسكتْ فانيسا كتفيّ غلينا بقوّة، و تحدّثتْ بحزم.
سرعان ما انهمرتْ دموع غلينا.
سالتْ الدموع الشفّافة على خدّيها الشاحبين، متلألئة تحت ضوء الشمس.
مسحتْ فانيسا خدّي غلينا الرطبين بظهر يدها بلطف.
“فانيسا… أختي…”
“نعم، هكذا.”
احتضنتْ فانيسا غلينا الباكية و هدّأتها، لكنّ صوت ديكلان المكتوم بالغيظ وصل من قرب:
“اللعنة على يورغن دريك…”
بالتأكيد، كان الوضع يُغضب ديكلان.
لم تكن مهارة القتلة قليلة، لكنّ يورغن تجاوز مفهوم “القتال الجيّد” إلى الهيمنة التامّة.
كأنّ له عيون في كلّ الجهات. لم يمنح العدوّ أيّ ثغرة، و تعامل معهم براحة كأنّه يلعب.
الأكثر روعة كانت سلطة فيوس.
هو الذي كان قويًّا أصلاً، قامت قوة الحاكم برفعه إلى مستوى يتجاوز الإنسانيّ بكثير.
“كح!”
ضرب وهج ذهبيّ قاتلاً حاول مهاجمة يورغن من الخلف.
سقط بعيدًا و هو ينزف، حاول النهوض لكنّه جلس مجدّدًا.
بدا مصابًا بإصابة داخليّة خطيرة، إذ استمرّ في تقيّؤ الدم.
من هذا المشهد، أدركتْ فانيسا كيف تؤثّر سلطة فيوس جسديًّا على الهدف.
هي لا تُسبّب جروحًا خارجيّة، بل تمزّق الأعضاء الداخليّة.
ربّما هي أكثر رعبًا من الجروح الخارجيّة.
توقّف القتلة عن الهجوم السريع، و انتقلوا إلى الاستكشاف بطيء.
شعرتْ فانيسا أنّ تركيزهم كلّه على يورغن.
بدلاً من توزيع الهجمات، قرّروا أنّ التعامل مع الأقوى و الأكثر إزعاجًا أوّلاً أسهل.
لكن…
‘هل سيكون سهلاً حقًّا؟’
لم تظهر أيّ علامة على تراجع الوهج الذهبيّ العنيف لسلطة فيوس.
لم يجرؤ أيّ قاتل على الهجوم أوّلاً، و اكتفوا بترقّب الفرصة المناسبة.
في تلك اللحظة.
“…..!”
انحرف قاتل فجأة نحو العربة. ما إن رفع منجله الهلاليّ ليضرب فانيسا―
“كحح…!”
اندلع الوهج الذهبيّ بقوّة أكبر من أيّ وقت، و ضرب جسده بعنف.
كأنّ صخرة طائرة اصطدمت به، رنّ صوت تمزّق مريع.
سقط القاتل في الهواء، و تدحرج على الأرض.
تراجع الجنود المذهولون من حوله خوفًا من الجسد الدامي.
“آه…”
أصدر أحدهم أنينًا مذعورًا.
كان القاتل يتلوّى على الأرض دون أن يتمكن من النهوض.
كان الدم يتدفّق بكميّات هائلة من كلّ فتحات جسده.
“إذا أردتم الموت…”
حذّر يورغن القتلة بنبرة قاتمة.
“سأقتلكم. تعالوا كما تريدين.”
لمع الجنون الشرس في عينيه الذهبيّتين.
في تلك اللحظة، أدرك معظم الحاضرين.
نقطة ضعف يورغن دريك هي فانيسا لوينغرين.
قد يُقال إنّها نقطة ضعف، لكنْ لم يكن هناك مَنْ يجرؤ على لمس فانيسا أمام يورغن.
“اللعنة…”
عضّ ديكلان شفتيه بغيظ. كان يورغن دريك العائق الأكبر بالفعل.
لولاه… لولا تدخّله المفاجئ في حياة فانيسا… لكانتْ فانيسا الآن في قبضته.
كلّ ما خطّط له من أجل لوينغرين انهار بسببه. احترق الغضب و الكره في عينيّ ديكلان.
قبض يديه بقوّة، و صرخ كالمجنون:
“أترين، ساسكيا؟”
للتعامل مع شيطان، لا بدّ من استدعاء شيطان.
امتلأتْ حدقتا ديكلان بالسمّ.
“تعالي الآن و ساعديني! إذا أردتِ تحقيق أمنيتكِ، عليكِ أن تساعديني!”
في اللحظة التي رفع فيها رأسه نحو السماء و صرخ.
هبّتْ ريح باردة تحمل الشتاء من مكان ما بعنف.
رفرفة―
ظهر شخص دون صوت، و تمايلتْ أطراف ردائه الرماديّ الداكن كعلم في الهواء.
تطاير شعره الأبيض الرفيع كأنّه يذوب في الهواء مع الريح. عيناه العميقتان كقاع البحر راقبتا المشهد بهدوء فقط.
“… ساسكيا.”
خرج الاسم من فم فانيسا كتنهّد.
حدّق جنود لوينغرين و القتلة في ساسكيا، متسائلين عن هويتها.
هبطتْ من الهواء دون صوت قرب ديكلان، ثمّ حدّقتْ في يورغن بعينين خاليتين من العاطفة.
لم تكن نظرة عدائيّة.
بل مجرّد مراقبة باردة خالية من المشاعر.
لمستخدم آخر للسلطة غيرها.
“…..”
بعد لحظة، سحبتْ ساسكيا نظرها من يورغن، و نظرتْ إلى فانيسا.
رغم عدم تعبير وجهها، شعرتْ فانيسا أنّ عينيها السوداوين لمعتا قليلاً.
ثمّ حدث ذلك في لحظة___
كأنّ عاصفة هبتْ فجأة، ظهرتْ حدقتان سوداوان أمام عينيها.
أغمضتْ عينيها مرّة، فانقلب المشهد أمامها.
شعرتْ بأن قدميها ترتفعان عن الأرض، و عندما استعادت وعيها، كانتْ مع غلينا بجانب ديكلان.
“م، ماذا… كيف…”
برد الدم في عروقها من الصدمة. انتشرتْ القشعريرة في ظهرها، و سال عرق بارد.
اخترقتْ ساسكيا سلطة فيوس، اقتربتْ من العربة، و اخطفتها مع غلينا. دون أن يتمكّن يورغن من منعها.
ذلك كلّ ما استطاعتْ فانيسا فهمه.
اندفع يورغن فورًا بنشر سلطته بعنف.
احترقتْ عيناه الذهبيّتان كالنار و هو يركّز عليها فقط.
“فانيسا.”
كان صوته الذي ناداها يرتجف بالشوق و العجلة و الغضب. أرادتْ فانيسا الركض إليه فورًا، لكنّها لم تستطع الحركة بسبب ما فعلته ساسكيا.
تصدّتْ طاقة سوداء بعنف لسلطة فيوس العاصفة. كانت سلطة الموت التي تمتلكها ساسكيا.
قوّة موريسينا كانت قويّة مثل قوّة فيوس. عندما تصادمتا في الهواء، رنّ صوت تمزّق كأنّ الفضاء يُشقّ.
كأنّ العالم نفسه يهتزّ.
الناس العاديّون الذين لا يملكون سلطة مقدّسة وقفوا مرتعشين خوفًا، و هم يشاهدون هذا المشهد الكارثيّ.
“…..”
ابتسمتْ ساسكيا ابتسامة ذات معنى و هي تصدّ هجمات يورغن براحة.
ألقتْ غلينا، التي كانتْ مقيّدة بسحرها، في حضن ديكلان، ثمّ التفتتْ إلى فانيسا و قالتْ بهدوء:
“جلالة الملكة.”
“… ماذا…”
“من الآن فصاعدًا، ستبقين معي.”
فجأة، أظلمتْ رؤيتها.
ابتعد العالم ، و صوت يورغن الذي يناديها بيأس رنّ في أذنيها كطنين.
كان ذلك آخر ما تذكّرته قبل فقدان الوعي.
التعليقات لهذا الفصل " 90"