في الوقت نفسه، سحب يورغن و غارسيا و رينيه سيوفهم المخفيّة في العربة، و بدأ الأعداء يهاجمون جميعًا.
تحوّل المكان إلى فوضى تامّة.
في خضمّ الاضطراب، صعدت فانيسا إلى العربة بسرعة للاحتماء.
هدّأت أنفاسها المتسارعة، جمعت يديها ، و ركّزت. سرعان ما ظهرت وصمة فينيا على ظهر يدها اليمنى، وامتلأت عيناها باللّون الأبيض النّقيّ.
هبط ضوء أبيض نقيّ كالرّيش على يورغن و غارسيا و رينيه.
كانت بركة فينيا التي تمنح الحيويّة.
“مـ، ما هذا؟”
“ما الّذي حدث للتوّ…”
تردّد الأعداء عند رؤية قوّة مقدّسة. كان ديكلان يحدّق نحوهم بوجه مرعب.
بدا غاضبًا، و بدا كأنّه يغلي من الغيرة و الحرمان.
بعض المهاجمين سقطوا بالفعل على الأرض بفعل يورغن.
غارسيا و رينيه كانا يتعاملان معهم برحمة نسبيّة، أمّا يورغن فلم يُظهر أيّ رحمة.
رغم رذاذ الدّماء أمامه، ظلّ وجهه باردًا و هو يذبح الأعداء، ممّا أثار فيهم الرعب.
بفضل ذلك، تردّد الأعداء في الهجوم، فأصبحت فانيسا في العربة أكثر أمانًا.
نفض يورغن الدّماء عن قفّازيه، و أمسك سيفه بإحكام أكبر.
ظهرت وصمة بيوس في عينيه، و تجمّعت حوله هالة ذهبيّة.
عندما غطّى سيفه ضوء ذهبيّ، لم يجرؤ أحد على الاقتراب، و اكتفوا بالحذر الشّديد. أدركوا أخيرًا أنّه ليس خصمًا يمكن هزيمته.
بما أنّ فانيسا و.يورغن استخدما قوّتهما المقدسة علنًا، فقد كُشفت هويّتهما تمامًا.
فكّرت فانيسا أنّ الأمر أصبح الآن مسألة كلّ شيء أو لا شيء، فخلعت قناعها و شعرها المستعار.
فتح بعض الحرّاس و الفرسان أعينهم بدهشة عندما تعرّفوا عليها.
في اللحظة الّتي كانت على وشكِ الكلام لإرباكهم، حدث شيء مفاجئ.
انزاح الغطاء فجأة، و خرجت غلينا.
عند رؤيتها، ظهر على وجه ديكلان تعبير عدم تصديق.
تساءلت فانيسا أيضًا لماذا كشفت غلينا نفسها فجأة.
ساد صمت قصير، و ارتبك جنود ديكلان. بدوا مذهولين من ظهور غلينا المفاجئ.
في وسط الفوضى، تردّد صوت غلينا الواضح. نظرت إلى ديكلان مباشرة و قالت بثبات:
“هؤلاء ليسوا متسلّلين. أنا مَنٔ أدخلتهم إلى القصر. إنّهم ضيوفي.”
“ماذا…؟”
“ما هذا…؟”
انتشر الاضطراب بين جنود ديكلان. في الهواء المشحون، تحولت عينا ديكلان تدريجيًا إلى لون بارد.
استطاعت فانيسا قراءة العاطفة في عينيه بسهولة. كان شعورًا واضحًا بالخيانة.
نظرت فانيسا جانبًا، فرأت أطراف غلينا ترتجف بشدّة رغمَ وقوفها على العربة. مع ذلك، لم تتراجع غلينا عن شجاعتها. أشارت إلى فانيسا و صاحت بصوت عالٍ:
“هذه هي صاحبة السموّ الملكيّ فانيسا! أنزلوا أسلحتكم و قدّموا التحيّة!”
“الأميرة فانيسا…؟”
“حقًّا؟”
“يا إلهي، إنّها فعلًا صاحبة السموّ فانيسا!”
كان معظم هؤلاء الجنود من رجال ديكلان، لكنّ ثلثهم تقريبًا خدموا منذُ عهد الملك السابق.
رغم أنّهم أقسموا الولاء للملك الجديد، إلّا أنّ قلوبهم احتفظت بحنين للسّابق.
و كانت فانيسا جوهرة المملكة التي أحبّها الملك السابق كثيرًا.
بسبب معرفتهم بمدى حبّ الملك الراحل لابنته الوحيدة، انتشر الاضطراب بين جنود لوينغرين.
بينما كانوا متردّدين، مسحت غلينا شفتيها الجافتين، و فتحت فمها مرّة أخرى:
“السبب في زيارة صاحبة السموّ الملكيّ فانيسا لقصر لوينغرين اليوم هو…”
توقّفت غلينا فجأة كأنّها شعرت ببرد قارس. نظرت إلى ديكلان.
كان يحدّق بها بعينين باردتين كالثّلج. لكنّه لم يبدُ أنّه ينوي إيقافها. كأنّه يقول “دعيني أرى إلى أين ستصلين”.
ارتجف جسد غلينا النحيل كورقة يابسة في ريح الشّتاء القارسة.
كانت غلينا تخاف ديكلان. كان الرجل الذي روّضها ببطء و سيطر عليها. لكنّها لم تعد تريد الخضوع له.
إذا فعلت، ستتحطّم روحها التي تحاول التمسّك بها إلى غبار.
جمعت غلينا شجاعتها مرّة أخرى و تابعت:
“…لإنقاذ الملكة الأرملة التي يحتجزها ديكلان!”
انتشرت موجة صدمة أكبر بين الجنود عند هذا الإعلان غير المتوقّع.
احتجاز؟ ما معنى هذا؟ ألم تكن الملكة الأرملة و تتعالج؟
اختلطت الأصوات و التساؤلات في فوضى.
كان عدد الذين يعرفون حقيقة أفيلين قليلًا هنا، و كانوا يتبادلون النّظرات بصمت. كانوا مخلصين تمامًا لديكلان، يفعلون ما يأمرهم به. لكن في هذه اللحظة، لمست كلمة “الأخلاق” ضمائرهم بضعف.
أمّا الشّخص المعنيّ – ديكلان – الذي يجب أن يدافع عن نفسه أو يفسّر ما يحدث، كان يحدّق في غلينا بهدوء فقط.
شعرت غلينا بالاختناق تحت تلك النّظرة. كأنّ يد ديكلان ستخنقها في أيّ لحظة.
في تلك اللحظة، انزاح الغطاء مرّة أخرى، و ظهرت أفيلين.
بسبب الاختباء في العربة غير المريحة، كان وجهها شاحبًا جدًّا. لكنّ كرامتها الملكيّة كانت لا تُخفى، و عيناها صافيتان و واضحتان رغم مرضها.
في تلك اللحظة، صمت الجنود المتحدّثون، وانجذبت أنظارهم إليها تمامًا.
تبادلت أفيلين نظرة قصيرة مع فانيسا، ثمّ نظرت إلى الجميع و قالت بصوت مهيب:
“هذا صحيح. احتجزني ديكلان في البرج الغربيّ. و أنقذتني فانيسا بمساعدة غلينا.”
سُمع أنين من أحدهم.
انتشر الاضطراب بين الجنود الصّادمين، ثمّ تردّد ضحك منخفض و مظلم.
كان صوتًا خافتًا كأنّه يتسلّل على الأرض، مخيفًا بطريقة غريبة. تبع الجميع الصّوت، فوجدوا أنه يصدر من ديكلان.
كان يصفق ببطء كأنّه لا يصدّق، ثمّ تقدّم خطوات. نظر مباشرة إلى أفيلين على العربة.
بابتسامة منحرفة، و بصوت مهذّب جدًّا – تحدث ديكلان بسخرية:
“يبدو أنّكِ اخترتِ ركوب السفينة نفسها مع الأميرة الخائنة التي تبيع البلاد، أمّي.”
كانت تهمة سخيفة.
كان ديكلان يحاول إلصاق التهمة بفانيسا و أفيلين ليغطّي عيوبه.
أرادت أفيلين الردّ بغضب، لكنّها شعرت بدوار فجأة فسقطت جالسة. سارعت غلينا لدعمها، و نظر ديكلان إليهما بوجه بارد.
خيانة للبلاد؟ ما هذا الكلام؟
انتشرت التساؤلات بين الجنود.
في تلك اللحظة، اخترق صوت فانيسا القويّ الفوضى:
“توقّف عن حيلكَ الدنيئة، أخي.”
سخر ديكلان و قال:
“لم أكن أتوقّع أنكِ لا زلتِ تعتبرينني أخًا.”
“أنتَ مَنٔ لم يعد يراني أختًا، ديكلان.”
“كيف تجرئين…”
ارتجفت رموش ديكلان. قبض يديه بقوّة ليكبح غضبه.
ثمّ نظر إلى الجنود نظرة سريعة. أكثر من نصفهم بدوا مرتبكين جدًّا من مواجهة أفراد العائلة الملكيّة.
التعليقات لهذا الفصل " 89"