بالنسبة إلى أفيلين، كان يورغن دريك عدوًّا لا يُطاق، بل هو السبب الرئيسيّ في جعل ابنتها البائسة أكثر تعاسة.
لذلك كانت أفيلين تشعر نحوه بغضب شديد و اشمئزاز عميق. أن يساعد هذا الرجل فانيسا التي جاءت لإنقاذها… كان أمرًا غير متوقّع، لكنّه حدث.
‘فانيسا فتاة ذكيّة… بالتأكيد نجحت في استمالته.’
لكنّ ذلك كلّ شيء. لم تكن أفيلين تؤمن بأنّ ليورغن أيّ مشاعر صادقة تجاه فانيسا.
في الأصل، علاقتهما كانت علاقة لصّ و أسيرة.
لا مكان للرومانسية هنا.
في النهاية، سيريد هذا الرجل جمال فانيسا فقط…دون أن يرى جوهرها أو روحها.
‘ابنتي المسكينة.’
كانت أفيلين تشفق على فانيسا التي وُلدت بجمال مفرط جعل حياتها مليئة بالمصائب.
عندما كانت فانيسا طفلة، ذهبت أفيلين معها إلى معبد بانثيون في سورينت لمعرفة مصير الطفلة.
كان الكاهن الأعلى في معبد سورينت آنذاك يمتلك بصيرة خاصّة.
عندما رأى الطفلة فانيسا، قال و كأنّه يرى مصيرها بوضوح:
[يا لها من مسكينة. صاحبة السموّ الملكيّ وُلدت بجمال يثير غيرة نجوم السّماء، و مصيرها أن تكون بائسة.]
قال إنّه لتحمّل هذا المصير، يجب أن يكون بجانبها شخص يفدي حياته كلّها من أجل فانيسا وحدها.
و أنّ ذلك الشخص سيكون نصفها الآخر المرتبط بها روحيًّا.
لهذا السبب، سافر زوجها – والد فانيسا – معها و هي في الحادية عشرة في جميع أنحاء العالم. ليجد لفانيسا رفيقها، نصفها الروحيّ.
لكنّ فانيسا، عندما عادت إلى لوينغرين في الثانية عشرة، لم تتذكّر جيّدًا رحلة العام تلك.
كان ذلك أمرًا غريبًا. لكنّها بدت طبيعيّة في كلّ شيء آخر، فتجاهلت أفيلين الأمر. ربّما لم يكن هناك مكان يذكر في الرّحلة، هكذا كانت تفكر.
لم تُثمر الرّحلة بشيء، و لم يتمكّن زوجها من حماية فانيسا حتّى النهاية، و توفّي.
بدا و كأنّه يشعر بالندم على شيء كبير في لحظاته الأخيرة. لكنّ أفيلين لم تعرف أبدًا ما هو.
بعد وفاة زوجها، اعتلى ديكلان العرش، و منذ حوالي عام، أُجبرت فانيسا على الزواج من ليروي تيريفرون.
و في ذلك الوقت، نقل الكاهن الأعلى نفس النبوءة إلى ليروي.
[كاهن معبد بانثيون في هذه البلاد قال إنّ فانيسا لوينغرين وُلدت بجمال يثير غيرة السماء، لهذا فهي تجلب الوباء أينما ذهبت… ما رأي والدتها، الملكة السابقة لـلوينغرين؟]
رغم أنه كان يسأل عن ذلك، إلا أن ليروي لم يبدُ قلقًا.
بل كان متحمّسًا.
في عينيه الخضراوين كالغابة الرطبة، كان هناك جنون و تملّك.
من بين العديد من الرجال الذين يشتهون فانيسا، كان الأسوأ نوعيًّا.
كان ذلك آخر حديث بين أفيلين و ليروي.
بعد عام، سقطت تيريفرون، و قُطع رأس ليروي، و أصبحت فانيسا أسيرة جلّادها.
“……”
نفضت أفيلين أفكارها و نظرت إلى يورغن.
كان متنكّرًا كرجل عاديّ، لكنّ ملامحه الوسيمة، طول قامته، و جسده المدرّب كانا واضحين.
ما أرعبها أكثر كان الجوّ البارد الّذي يحيط به، كأنّ نية القتل تتسرّب منه.
كيف لم تلاحظ ذلك من قبل؟
كانت تنبعث منه هالة مخيفة تجعل الإنسان يرتعد خوفًا.
كيف استطاعت فانيسا استمالة رجل خطر كهذا و جعله في صفّها؟
كانت فخورة بابنتها الذكيّة و القويّة، لكنّها قلقة جدًّا.
هل تستطيع فانيسا الصمود بسلام بجانب رجل خطير كهذا؟
كانت قلقة… و خائفة.
هرع الجميع خارج البرج و ابتعدوا عن محيطه.
الخطّة التالية كانت وضع أفيلين و غلينا في العربة، تغطيتهما ببطانية، ثمّ المرور من البوّابة.
لكنّ المشكلة حدثت قبل الوصول إلى البوّابة.
كان هناك عشرات الجنود يتجوّلون في دوريّة و يراقبون جدران القلعة، و الفرسان الملكيّون في حالة تأهّب للقتال.
“هذا… صعب حقًّا…”
تمتم غارسيا بصوتٍ منخفض يسمعه الفريق فقط و هو يجرّ العربة.
حتّى يورغن لا يستطيع إحداث اضطراب عقليّ لكلّ هؤلاء الناس. للخروج من هنا، هناك طريقتان فقط:
إمّا خداع الفرسان الملكيّين و الجنود الدوريّين، أو خوض معركة حتّى لو سالت الدماء.
بالطّبع، الدّماء الّتي ستسيل ستكون دماء جنود ديكلان. لكن لتجنّب القتال قدر الإمكان، فتحت فانيسا فمها:
“لنستمرّ في التظاهر بأنّنا تجّار. لم نُكتشف حتّى الآن.”
صحيح.
بعد إنقاذ أفيلين، و بينما كانوا يخفونها هي و غلينا في العربة و يتحرّكون داخل القصر، التقوا بعدّة حرّاس لكنّهم لم يُكتشفوا.
إذا رفع حرّاس البوّابة البطانية للتفتيش، سيكون الأمر كارثيًّا… لكنّهم وضعوا بعض حزم القش فوقها احتياطًا، فربّما يمرّون دون اكتشاف.
إذا نجحوا في عبور البوّابة، يمكنهم الانضمام إلى فرسان يورغن المنتظرين خارجًا.
يكفي الصمود حتّى ذلك الحين.
تقدّم الفريق بسرعة معتدلة نحو البوّابة، متظاهرين بالخوف كعامّة الناس من كثرة الجنود. كان يورغن الاستثناء، إذ ظلّ وجهه جامدًا.
عندما وصلوا أمام البوّابة و جاء دورهم في التفتيش.
“توقّفوا!”
توقّف الجميع فجأة عند صيحة فرسان الحرس الملكيّ الذين ظهروا فجأة.
تبادلت فانيسا و يورغن نظرة هادئة.
الوضع أصبح خطيرًا.
صاح الجنديّ الأماميّ:
“جلالة الملك قادم! فليقدّم الجميع التحيّة!”
“……!”
أدركت الآن ما يحدث.
ديكلان نفسه كان يفتّش القصر.
هل اكتشف اختفاء والدته من البرج بهذه السرعة؟ أم أنه شعر بشيءٍ ما؟
أو ربّما ساعدته ساسكيا.
تلك المرأة، قبل أن تكون محميّة بالموت، هي ساحرة موهوبة… يمكنها مساعدة ديكلان بطريقةٍ ما.
‘اللعنة…’
عضّت فانيسا شفتها بقوّة.
بهذا الشكل، سيُكتشف أمرهم بالتأكيد. يجب فعل شيء قبل ذلك___
“توقّفي عن العضّ. الدّم يخرج.”
في تلك اللحظة، قال يورغن بهدوء و مسح شفتيها بإبهامه.
كانت قد انشقّت قليلًا من كثرة العضّ، فشعرت بلسعة خفيفة. لعق يورغن الدّم الملتصق بإبهامه.
رغم الوضع اليائس، بدا يورغن هادئًا جدًّا، فشعرت فانيسا بالذهول التامّ.
حسنًا، يورغن دريك ليس من النوع الذي يخاف في وسط معسكر العدوّ، بل من النوع الذي يثير الفوضى…
انشقّ الحرس كالموجة، و ظهر من بينهم رجل يرتدي حريرًا قرمزيًّا و ذهبًا.
كان ديكلان، أكثر تألّقًا ممّا رأته في العاصمة.
عند رؤيته هكذا، كادت فانيسا تضحك بصوت عالٍ.
إقليم الحدود الذي يدافع عنه الدوق إيفانوود يعاني من الوباء و يتدهور يومًا بعد يوم… و هو يتباهى بهذا الإسراف؟
كان الأمر مثيرًا للسخرية إلى درجة عدم القدرة على الكلام.
لو كان والدها، لما أقدم على مثل هذا الإسراف أبدًا.
كان ديكلان يبدو و كأنّه يفعل كل شيء عكس والدها.
كان والدها يبني لوينغرين ببطء على أساس الزّراعة، دون طمع كبير، مع الاهتمام باستقرار و رعاية للشعب.
أمّا ديكلان… فيقوم بمشاريع تفوق قدرة لوينغرين، و يجمع استثمارات من الدول المجاورة.
أكثرها جنونًا هو حفر قناة مستقيمة من البحر الشرقي إلى مملكة فلويون في الغرب.
لذلك، لا بدّ من المساس بالأنهار الرئيسيّة في لوينغرين، ممّا سيدمّر المناطق الزراعيّة الخصبة.
بالإضافة إلى أنّ بناء قناة ليس أمرًا يتمّ في يوم و ليلة. إنه يحتاج على الأقلّ إلى ثلاثين عامًا من العمل الدؤوب.
كم من الضرائب ستُهدر خلال هذه الثلاثين عامًا…؟
يبدو أنّ ديكلان يؤمن أنّ القناة ستجلب فائدة كبيرة لمستقبل لوينغرين، لكن فانيسا كانت متشكّكة جدًّا.
كان المشروع أكبر من قدرتهم. إذا تدهورت المالية إلى درجة لا تُطاق، قد تستهدف الدول المجاورة المناطق الزراعيّة و تأخذها تدريجيًّا.
‘دوق إيفانوود و قوّاته يعرفون ذلك، لذلك يحاولون إسقاط ديكلان بأيّ طريقة…’
وصل ديكلان أخيرًا قرب البوّابة، على مسافة ليست بعيدة من مكان الفريق.
تفحّص التجّار المتوقّفين واحدًا تلو الآخر، ثمّ وقف أمام مجموعتهم.
“……”
سرعان ما لمعت عينا ديكلان.
رغم التنكّر، من المستحيل
ألّا يتعرّف على يورغن و فانيسا.
أطلق ضحكة ساخرة قصيرة، و مدّ يده فجأة لنزع قناع فانيسا.
“……!”
أمسك يورغن بمعصمه بقوّة.
كانت عيناه الذهبيّتان تلمعان بوضوح، دون أيّ محاولة لإخفاء هويّته.
التعليقات لهذا الفصل " 88"