كانت تشبه الخزانة العادية، لكنّ الجزء العلويّ مقسّم إلى رفوف مليئة بالنّوتات، أمّا الجزء السّفليّ الفسيح فكان فارغًا.
تسلّلت فانيسا إلى الدّاخل و أغلقت الباب.
من خلال الشّبكة الدّقيقة، كان بإمكانها رؤية الخارج قليلاً.
رغمَ أنّ الرّؤية لم تتجاوز الجزء العلويّ من الجسد.
“غلينا، ألن تفتحي؟”
“سأفتح الآن ، أخي.”
ركضت غلينا بسرعة و فتحت الباب، فدخل ديكلان.
لم ترَ فانيسا وجهه، لكنّ الجوّ المحيط به كان هادئًا و مرتاحًا.
‘ظننتُ أنّه سيكون قلقًا بسببي… غريب.’
هل لديه ما يطمئنه؟ أم أنّه يتظاهر بالهدوء فقط؟
حبست فانيسا أنفاسها و استمعت إلى حديثهما.
وقفا متقابلين قرب القيثارة.
“ما الذي كنتِ تفعلينه، غلينا؟”
“كنتُ… أكتب يوميّاتي.”
“يوميّات؟”
“يوميّات سرّيّة.”
بالفعل، كان هناك دفتر صغير على الطّاولة بجانب النّافذة.
يبدو أنّ غلينا لا تعزف القيثارة أو البيانو فقط، بل تكتب يوميّات سرية أيضًا.
ربّما استخدمت ذلك كذريعة لتجنّب شكوكه.
“هل هناك شيء عنّي في تلك اليوميّات؟”
“نـ… نعم، بالطّبع.”
“أتساءل ماذا كتبتِ عنّي.”
كان صوته ناعمًا بشكل مثير للرّعب.
عبست فانيسا بشدّة.
كيف يمكن لهذا الشّيطان أن يكون لطيفًا مع غلينا إلى هذا الحدّ؟
“لا شيء مهمّ. فقط… كم أنتَ لطيف معي.”
“حقًّا؟”
أضاف ديكلان تعليقًا خفيفًا و ضحك بارتياح. مدّ يده بلطف و داعب شعر غلينا.
كان صوته مليئًا بالحنان.
“اجعلي وقتكِ شاغرًا بعد السابعة مساءً. أريد أن نتناول العشاء معًا و نقضي اللّيل سويًّا”
‘……ماذا؟’
رمشت فانيسا بعينيها بسرعة، غير مصدّقة لما سمعته.
يقضيان اللّيل معًا؟
‘ما هذا الكلام…’
هل يعني قضاء اللّيل معًا بالمعنى الحرفيّ؟… أم أنّه… المعنى الذي تفكّر فيه؟
‘……مستحيل.’
بينما كانت فانيسا في حالة ارتباك، جاء صوت غلينا الرّقيق و الخاضع.
“نعم… سأفعل.”
“تبدين نحيفة أكثر يومًا بعد يوم، غلينا. يجب أن تأكلي جيّدًا . قالت الخادمة التي تخدمكِ إنّكِ لم تتناولي الإفطار اليوم أيضًا.”
“ليس لديّ شهيّة…”
“أحبّ رؤيتكِ ممتلئة الجسم بشكلٍ جميل. من الآن فصاعداً، تأكدي من تناول الإفطار يوميًّا.”
“نعم، أخي.”
انزلقت يد ديكلان بلطف على خطّ جسد غلينا. كانت لمسة تحمل نوايا واضحة من أيّ زاوية.
تجمّدت فانيسا في مكانها.
لم تستطع تصديق ما رأته للتوّ.
“إذن سأذهب الآن. تناولي الغداء جيّدًا. نلتقي مساءً.”
“حسنًا. إلى اللّقاء.”
اقترب ديكلان من غلينا التي كانت تودّعه.
سُمع صوت قبلة على الشّفاه.
“……!”
شعرت فانيسا بغثيان شديد.
اضطرت إلى تغطية فمها لتمنع التقيّؤ.
كان قلبها يدقّ بعنف كأنّه يُضرب بالطّبل.
بعد قليل، غادر ديكلان الغرفة.
بقيت فانيسا متجمّدة داخل خزانة النّوتات، غير قادرة حتّى على التّفكير في الخروج.
اقتربت غلينا ببطء من الخزانة.
سُمع صوت نقرة خفيفة، ثمّ فُتح الباب.
تسلّل الضّوء إلى الظّلام، فظهر وجه غلينا من الخلف مع ضوء خلفيّ.
نظرت إليها فانسيا بذهول.
ذلكَ الوجه الخالي من التّعبير، المستسلم، اليائس.
“……اخرجي، أختي.”
أمسكت غلينا بذراع فانيسا و سحبتها.
لم تكن قوّتها كبيرة، لكنّ فانيسا خرجت بلا مقاومة. تشابكت أفكارها، و تدفّقت الأسئلة ثمّ اختفت.
ما الذي رأيته و سمعته للتوّ؟
هل ما أفكّر فيه صحيح؟
منذ متى…؟
“……غلينا.”
“……”
نادتها بصوتٍ مخنوق.
امتدّ بينهما صمت لا يُطاق.
بدأ وجه غلينا المتجمد يتشقّق تدريجيًّا.
عندما بدأ وجهها يتقلّص كأنّها على وشكِ البكاء، وجدت فانيسا إجابة أسئلتها.
“ديكلان… هو… معكِ…”
“……”
“منذ متى…؟”
شعرت أنّها على وشكِ الإغماء من الصّدمة. أظلمت الرّؤية أمام عينيها.
كانت غلينا التي اعتبرها والدها ابنة حقيقيّة. لقد تربّت مع ديكلان و مع فانيسا نفسها كأنّهم إخوة من دم واحد.
كانت من العائلة.
لذلك كان هذا الوضع خارج نطاق فهم فانيسا تمامًا.
مسحت غلينا دموعها بهدوء بظهر يدها.
عند رؤية وجه أختها المفعم بالخجل و الإذلال، لم تستطع فانيسا مواصلة الكلام.
ابتسمت غلينا ابتسامة متكلّفة.
حدّقت في الفراغ ثمّ نظرت إلى فانيسا.
ثمّ بدأت تحكي بصوتٍ متعب.
“كنتُ خائفة… و متألمة. لكنّني فكّرتُ أنّ الأمر سينتهي إن تحمّلتُ وحدي. لن أزعج أحدًا بهذه الطّريقة. على أيّ حال… أنا لستُ شخصًا قادرًا على فعل شيء بمفرده، و ليس لديّ قوّة، و أنا دائمًا في قبضة أخي ديكلان…”
أرادت فانيسا أن تسأل: ما هذا الكلام؟ لماذا لم تطلبي المساعدة من أحد و تحمّلتِ وحدكِ؟…..
كادت توبّخ غلينا.
لكن ذلك لم يكن خطأ غلينا.
ديكلان… ربّما دمّر عقلها أوّلاً.
جعلها تؤمن أنّها لا تستطيع فعل شيء بمفردها. بأنّ لا مكان لتطلب منه المساعدة.
بهذه الطّريقة سيطر عليها .
“لكنّني الآن… لا أستطيع تحمّل المزيد… أختي، أنا خائفة جدًّا… أخي ديكلان… يريد أن يفعل معي أكثر فأكثر. في الأيّام التي أفكّر فيها أنّه اللّيلة سيصل إلى النّهاية، أشعر أنّني سأجنّ. من فضلكِ… أرجوكِ ساعديني. أنتِ الوحيدة التي تستطيعين إنقاذي.”
تشبّثت غلينا بها و هي تبكي.
بدأت عينا فانيسا تمتلئان بالدّموع أيضًا.
عانقتها بقوّة.
كانت تشعر بالأسف الشّديد تجاه أختها.
رغم أنّهما تربّتا معًا ، لم تكن علاقتهما وثيقة كالأخوات، و كانت تحافظ على مسافة رغمَ اعتبارها أختًا.
‘لو اهتممتُ بها أكثر… لما اضطرت أن تتحمّل هذا الرّعب وحدها’
قالت فانيسا بصوتٍ مختنق بالبكاء.
“أنا….كنتُ أظنّ أنّ ديكلان يحبّكِ كثيرًا لأنّه يراكِ أختًا حقيقيّة. أنتِ على عكسي، رقيقة… و تثيرين غريزة الحماية.”
“……”
“لكنّ ديكلان… هذا الوغد اللّعين…!”
انفجرت فانسيا غضبًا و لعنته ، ثمّ عضّت أسنانها.
ارتجفت الذّراعان اللّتان كانتا تعانقان غلينا.
كان ديكلان مقرفًا إلى حدّ لا يوصف.
اندلع غضب عارم لا يمكن وصفه.
كيف يفعل هذا بغلينا… بأخته؟
حتّى لو لم يكونا أشقّاء من نفس الدم…
“……تعالي معي، غلينا.”
“أخـ… ـتي… هيئ…”
“سأخرجكِ من هنا. لن أدع ديكلان يؤذيكِ أبدًا.”
“هيئ… هيئئئئ…”
بدأت غلينا تبكي بشدّة، و أخذت دموعها تتساقط كقطرات.
ربتّت فانيسا على كتفيها حتّى هدأت.
كأنّها تتخلّص من هموم قديمة، بكت غلينا طويلاً في حضن فانيسا.
* * *
عاد كل من فانيسا و غلينا إلى المكان الذي يختبئ فيه الآخرون.
كانت غلينا بمظهرها الحقيقيّ دون تنكّر.
في البداية فكّرت أن تتنكّر كخادمة هي أيضًا.
لكنّهما قرّرتا أنّه إن تـمّ رؤيتها مع الآخرين، فيمكنها أن تقول “هؤلاء خدمي” ، فيكون الأمر أسهل، لهذا لم تتنكّر.
لكنّ عليهما الحذر من مقابلة ديكلان فقط.
سيتعرّف عليهما فورًا.
“من الآن سأرشدكم إلى البرج الغربيّ حيث تُحتجز الملكة الأرملة. إنه ليس بعيدًا ، فإن مشينا بسرعة سنصل سريعًا”
كانت غلينا تمتلك المفتاح الرّئيسيّ للباب، لذا كانت مساعدتها ضروريّة.
هذا ما كان يعنيه الرّمز المخفيّ في رسالة الأمّ.
تبعت فانيسا و الآخرون غلينا نحو البرج الغربيّ.
اختاروا طريقًا جانبيًّا لا يمرّ به الخدم كثيرًا، و لحسن الحظّ لم يقابلوا أحدًا.
المشكلة حدثت عند اقترابهم من البرج الغربيّ.
ارتجف صوت غلينا مع الرّيح.
“لا… هذا مستحيل… منذ متى…؟”
كان هناك حوالي عشرة جنود يحرسون مدخل البرج كحصن منيع.
التعليقات لهذا الفصل " 86"