تحطم كأس الزجاج الذي ألقاه ديكلان بقوة على أرضية الرخام، مُصدرًا صوتًا مدويًا.
كان ديكلان يلهث بعنف و هو يتنفس بصعوبة. شظايا الزجاج تناثرت ، فخدش خدّه بخط رفيع.
مسح الدم الذي سال على خده بظهر يده. كانت عيناه الزرقاوان تحدقان في الفراغ ببريق أشد حدة من المعتاد.
“فانيسا… فانيسا، فانيسا!”
صرخ اسمها كأنه لعنة، ثم أمسك كأسًا زجاجيًا آخر و ألقاه بقوة نحو الجدار.
تشاانغ!
تحطم الكأس إلى شظايا حادة سقطت على الأرض بصوت خفيف.
“فانيسا… كيف تجرئين على تدمير سمعتي بهذه الطريقة؟ حتى آخر ذرة من عاطفة العائلة التي كانت متبقية، أزلتِها.”
لم يبقَ في قلب ديكلان تجاه فانيسا سوى الكراهية الخالصة.
كان ينوي قتلها بأقل ألم ممكن لأنها من دمه، لكن هي مَنٔ عضته أولًا، فلم يعد هناك مجال للرحمة.
سيجعلها تموت ببطء، بألم رهيب. ابتسم ديكلان ابتسامة كريهة، و تدفقت في ذهنه تخيلات قذرة و مخططات شريرة.
تلك الفتاة، تملك قوة فينيا فقط، لكنها لا تملك حتى القدرة على حماية جسدها. بمجرد قطع يورغن دريك و حاشيته الذين يحمونها، ستقع بين يديه بسهولة.
عندما يضع يده على تلك المتعجرفة… أولًا سيقتلع عينيها، ثم يقطع لسانها. ثم يلقيها في أوكار المجرمين.
ماذا لو تُركت هناك تُعذَّب حتى تتمنى الموت، ثم يُعذّبها ببطء حتى تموت؟
تراكمت في ذهن ديكلان خطط وحشية. لم يشعر بأي شعور بالذنب. طالما أغضبته، يجب أن يرد عليها بعشرة أضعاف، هذا كان مبدأه.
أمر الخدم بتنظيف الغرفة المدمرة، ثم توجه ديكلان إلى أنقاض قصر فيلغريم المدفون في أعماق القصر الملكي.
كان هذا المكان المقدس الذي تلقى فيه أول ملك لـلوينغرين تنبؤًا من الحكام السبعة. لكن ديكلان لم يشعر بأي إحساس خاص هنا.
‘آثار الماضي، و المقدسات، كلها مجرّد أعباء. لا تساعد في تعزيز قوة لوينغرين.’
أخرج المفتاح من جيبه و فتح الباب الحديدي الذي يحجب المدخل دون تردد.
صرير.
دوى صوت مفصلات قديمة صدئة، و انفتح الباب. وضع ديكلان المفتاح في جيبه و دخل بخطوات متكاسلة.
لم يتم الاهتمام بالأنقاض القديمة منذ توليه العرش، فنمى العشب و الأعشاب الضارة حتى الركبة.
مشى ديكلان بلا مبالاة وسط الأعشاب الطويلة.
سرعان ما ظهرت أنقاض القصر التي لم يبقَ منها سوى الهيكل الخارجي.
رغم أنها لم تبدُ مقدسة على الإطلاق بمظهرها المهترئ، إلا أن هناك دائمًا طاقة غريبة تحيط بالمكان.
كان والده الملك السّابق يقول إن أرواح الأسلاف تسكن هنا. لم يصدق ديكلان ذلك. كل ذلك محض خرافات.
في طفولته، كان يخاف المجيء إلى هنا. أما فانيسا، تلك الفتاة… كانت تلعب هنا أو تأخذ قيلولة دون خوف.
كان ذلك يُظهر فرقًا لا يُفسر بينه و بينها، فيشعر دائمًا بالضيق. لاحقًا، أدرك أن اسم هذا الشعور هو النقص.
لكن في النهاية، هو مَنٔ صعد إلى عرش لوينغرين.
كانت فانيسا ذكية جدًا و مميزة فقط، لكنها لم تملك طموحًا أو رغبة في الحكم.
في النهاية، هو مَنٔ سيفوز.
دخل ديكلان أعمق و هو يبتسم ابتسامة منحرفة.
سرعان ما ظهر قلب الأنقاض.
على مذبح حجري، كان هناك هيكل عظمي يرتدي ثياب ملكية ملطخة بالدماء.
بجانبه كان خنجر فيلغريم الفضي، و عندما نقل نظره قليلًا إلى الجانب، رأى رجلًا معلقًا في الهواء.
كان إرنو تيريفرون. كان يتنفس و عيناه مفتوحتان، لكنه لم يتحرك و لو قليلًا، كأنه نبات.
سلاسل زرقاء مصنوعة من الطاقة السحرية كانت تلفه بإحكام، تُثبته في الهواء بوضع مستقيم.
إنه عمل ساسكيا.
و هذا الهيكل العظمي…
اقترب ديكلان من المذبح و نظر إلى تجاويف العينين الغائرتين في الجمجمة.
ليروي تيريفرون.
الآن لم يبقَ منه سوى العظام، لكنه قريبًا سيقوم من جديد بصفته ملك ساسكيا.
حسنًا، بدقة أكبر، لن يعود من جديد بل سيكون عبارة عن جثّة تمشي__
لكن ساسكيا قالت إنها ستجعله “أقرب ما يمكن للحياة”. كان ذلك جزءًا من هوسها المجنون.
“…متى جئت؟”
جاء صوت من الخلف دون أي إنذار. استدار ديكلان ببطء. التقت عيناه بعينيّ المرأة السوداوين. كانتا سوداوين مخيفتين كالعادة.
“لقد وصلتُ للتو. أين كنتِ؟”
سأل ديكلان، فتجاوزته ساسكيا و ذهبت إلى جانب ليروي، ثم أجابت بعد لحظة تأخير.
“كنتُ أراقب تحركات الملكة و مجموعتها. وصلوا إلى سورينت قبل أيام، و أنتَ تعرف ذلك بالتأكيد.”
“…..”
كان أسلوب ساسكيا غير المبالي يُغيظ ديكلان دائمًا. كان يريد قطع رقبتها، لكنه تحمّل من أجل المكاسب المستقبلية.
بمجرّد تحقيق رغبة ساسكيا في إحياء ليروي تيريفرون، سيستطيع استخدام قوة الموت لتحقيق ما يريد.
“ما زلتِ تسمينها الملكة؟”
عند تعليق ديكلان، رمشت ساسكيا بهدوء. ثم قالت بنبرةٍ جافة لكنها مليئة بيقين قاطع.
“لأنها رفيقة ليروي. هذا أمر طبيعي.”
“ههه…”
ضحك ديكلان ساخرًا. كانت ساسكيا تؤمن بثبات أن فانيسا ملك لـليروي، رغمَ أن يورغن دريك انتزعها مؤقتًا.
كأنها كلب وفيّ يبحث عن ممتلكات سيده.
“لو علمت فانيسا بهذا، لأرادت تمزيقكِ. إنها تكره ليروي.”
لم ترد ساسكيا على كلامه، بل جلست على المذبح و حدقت في هيكل ليروي العظمي بلا توقف.
كانت عيناها السوداوان الشبيهتان بالظلام الدامس مليئتين بالهوس و الحب.
عبس ديكلان و أدار وجهه، ثم بدأ يمشي مبتعدًا.
‘مجنونة.’
تمتم باحتقار داخليًا و نظر خلفه.
كانت ساسكيا لا تزال جالسة في مكانها دون حراك.
رغم أنهما تحالفا من أجل مصالحهما، إلا أنها كانت امرأة مخيفة مهما نظر إليها.
* * *
كان عدد المتسللين إلى قصر لوينغرين الملكي أربعة: فانيسا، يورغن، غارسيا، و رينيه.
أكثر من ذلك سيبدو مريبًا، فكان هذا الأفضل.
فكرت فانيسا في طريقتين للتسلل: إحداهما من خلال الفتحة الصغيرة، و الأخرى التظاهر بأنهم تجار و الدخول من الباب الجانبي.
الشخص الذي أخبرها بموقع الفتحة كان غلينا.
قبل ست سنوات تقريبًا، عندما كانت فانيسا تشعر بالاختناق داخل القصر، أخبرتها غلينا سرًا عن فتحة لا يعرفها أحد.
لكن فانيسا تسللت منها و تسببت في مشكلة في السوق، فاكتشف والدها و والدتها و ديكلان أمر تلك الفتحة.
لم تعد سرًا بين فانيسا و غلينا فقط، فربما يحرسها جندي الآن. أو ربما قام ديكلان بسدّها.
‘الفتحة عرضة للاكتشاف، فهي مرفوضة.’
في النهاية، الطريقة الأكثر أمانًا هي التظاهر بأنهم التجار، لكن ذلك يتطلب تنكرًا. كما يحتاجون إلى تصريح دخول خاص بالتجار الذين يوردون للقصر.
هذا التصريح يجب سرقته أو استعارته أو تزويره.
‘في السوق أو شارع المتاجر، يمكن العثور بسهولة على تجار يوردون للقصر…’
شعرت بالذنب من فكرة السرقة.
لكن ماذا لو سرقته لفترةٍ قصيرة ثم أعادته سرًا؟ إنه
مجرّد لوحة معدنية، لن يسبب ضررًا على التاجر.
لكن… الدخول من الباب الرئيسي بشكلٍ علني لم يكن خيارًا أصلًا. لو فعلوا ذلك، لأرسل ديكلان أكثر من عشرة جواسيس، و من المستحيل التجسس مع هذا العدد.
للعثور على مكان حبس والدتها، يجب أن يتحركوا بحرية أكبر.
‘في النهاية…’
لا مفر من السرقة.
شعرت فانيسا بالإحباط، لكنها سرعان ما بررت الأمر بأنها لا تمتلك خيارًا آخر.
ندمت أيضًا لعدم اصطحاب جينيلي. لو كانت الساحرة العبقرية جينيلي لوفان هنا، لوجدت حلاً.
بعد ساعتين تقريبًا، عاد غارسيا بعد سرقة التصريح من تاجر يورد للقصر، و هز اللوحة المعدنية الرفيعة بفخر.
أخذت فانيسا التصريح و سألت بتردّد.
“…كيف سرقته؟”
“ذهبت إلى حانة تبيع خمورًا باهظة. تاجر يورد للقصر بالتأكيد لديه مال كثير. اشتريت له الخمر باستمرار حتى سكر تمامًا، ثم سرقته. الطابق الثاني من الحانة عبارة فندق، فقمت باستئجار غرفة و تركته ينام هناك. بعد انتهاء الأمر، سأعيده إليه.”
“حسنًا… أحسنت.”
كان غارسيا سعيدًا جدًا بهذه الخطة، فأخد يبتسم باستمرار. لو اختار مهنة النصب بدل فارس، لكان قد حقق نجاحًا باهرًا.
على أي حال، لقد حصلوا على التصريح بسلام، الآن حان وقت التنكر.
التعليقات لهذا الفصل " 83"