تربت على حب وطنها و شعبها بصفتها أميرة، فكانت تحاول دائمًا أداء واجبها، لكن ليس كل الشعب كان يكن الود لـ”الأميرة التي تجلب الحظ السيئ”.
مهما فعلت فانيسا ، كانت الشائعات الخبيثة تلاحقها كذيلها.
و مع ذلك، كانت فانيسا جوهرة لوينغرين. رغمَ أن الشعب كان يخشاها، إلا أنهم كانوا يوقرونها. حتى مع الحظ السيئ الغريب الذي يحيط بها، كان جمالها ينال حبًا كبيرًا.
ربّما لهذا السبب كانت لوينغرين بالنّسبة لفانيسا مزيجًا من الحب و الكراهية. وطن يجب أن تحبه، لكنه مليء أيضًا بالذكريات المؤلمة…
و مع ذلك، عندما وصلت فعليًا إلى سورينت، شعرت بالألفة تجاه القلعة و الشوارع المألوفة.
المكان الذي نشأت فيه يترك أثرًا لا يُمحى في الروح، سواء كان جيدًا أو سيئًا.
“واو، الدّوقة تحظى بشعبية كبيرة، أليس كذلك؟”
كان غارسيا، الذي استقر على تسميتها “الدوقة”، ينظر من النافذة و يسخر.
كما قال، كانت الحشود تتجمع خارجًا لرؤية فانيسا.
اختبأت فانيسا خلف ستارة النافذة في الطابق الثالث و تفحصت كل شخص بعناية. استطاعت قراءة الأمل المألوف في عيون بعضهم. كان الأمر مشابهًا لما حدث في فالنسيا أثناء أزمة الوباء. يريد مواطنو سورينت أن تمارس فانيسا قوة الحياة عليهم أيضًا.
‘حتى لو أصبحتُ “قديسة” في أعينهم، فهذا هو كل ما في الأمر.’
ابتسمت فانيسا بمرارة و ابتعدت عن النافذة.
النزل الذي يقيمون فيه الآن هو بانثيون كنيسة لافينسيا القريب من القصر الملكي.
لعدم وجود منزل خاص بعائلة دريك في سورينت، اضطروا للإقامة هنا. و كان قرارًا سياسيًا ممتازًا أيضًا.
رحب كهنة كنيسة لافينسيا في بانثيون سورينت بزيارة فانيسا بحرارة، و وعدوا بدعمهم الكامل طوال إقامتها.
بهذا، أعلنت فانيسا للجميع أن كنيسة لافينسيا تدعمها بقوة.
و بوجود حماية الكنيسة، لن يستطيع ديكلان تمديد مخالبه بسهولة.
قد يحيك المكائد الخفية كيفما شاء__
‘كان قرار الإقامة في بانثيون بدل القصر الملكي صائبًا بالفعل.’
حتى بعد وصولها إلى سورينت، لم يصل أي اتصال من ديكلان.
ربّما يتجاهلها عمدًا ليظهر عدم ترحيبه بها. لكن ذلك سيؤدي إلى نتائج عكسية.
حسنًا، إن حفر قبره بنفسه، فسأكون سعيدة.
‘…حان الوقت للنزول. لا يمكنني أن أثير كراهية الناس حتى في وطني.’
تنهدت فانيسا بعمق، ثم التفتت إلى غارسيا و رينيه، و إلى يورغن الذي كان يحدق بها من الأريكة منذ قليل.
“هل أذهب لألعب دور القديسة قليلًا؟ لن أجهد نفسي، فلا تقلق.”
كانت الكلمات الأخيرة موجهة إلى يورغن. بدا واضحًا أنه غير راضٍ، لكنه استسلم بعد تنهيدة طويلة، ثم نهض و اقترب منها.
“لا تُجهدي نفسكِ حتى الإرهاق، و تظاهري بالتعب و انسحبي في الوقت المناسب.”
“سأفعل.”
شعرت فانيسا أن كلامه ليس نصيحة بل تحذيرًا. لو أجهدت نفسها قليلًا، سيحملها و يحبسها في الغرفة.
بعد أن وصلوا إلى هنا، لن يكون الحبس مفيدًا بأي شكل.
للسيطرة على الحشود، خرجت فانيسا مع بقية الفرسان. بالطبع، كان فرسان الكنيسة المقدسة في بانثيون يسيطرون على الجموع بالفعل.
عندما رأوها، انحنوا احترامًا، ثم اقترب أحد كبار الفرسان و قال:
“سمو القديسة، إذا أردتِ الخروج، من الأفضل تأجيله. كما ترين، الوضع مضطرب… نخشى أن يصيبكِ ضرر، و إن كان ذلك مستبعدًا.”
كانت كنيسة لافينسيا تعامل “المباركين” باحترام كبير. و بما أن فانيسا مباركة بنعمة الحياة و تُعتبر قديسة، فإن احترام الفرسان كان متوقعًا.
ابتسمت فانيسا بلطف و قالت:
“أفهم سبب قلقكَ. لكن لا داعي للخوف. هؤلاء مجرّد حشد يحتاج إلى مساعدتي.”
“سمو القديسة…”
بدت عينا الفارس تترقرقان من التأثر.
شعرت فانيسا بالإحراج فأدارت وجهها قليلًا. كانت تتظاهر بدور القديسة من أجل المصلحة فقط، لكن عندما يوقرها أحدهم حقًا، تشعر بوخز في ضميرها.
“سمو الأميرة!”
“الأميرة فانيسا!”
“انظري إليّ من فضلك!”
“أيتها القديسة، أنقذي طفلي من فضلك!”
“القديسة!”
ما إن ظهرت حتى ارتفعت الأصوات أكثر. كانوا على وشكِ إثارة الفوضى إن لم تستجب سريعًا.
كما فعلت في فالنسيا، أظهرت فانيسا هيبتها لتهدئتهم، و أكدت أن قوة الحاكم ليست مطلقة.
ثم بدأت تشفي الأكثر إلحاحًا بقوة فينيا. كان معظمهم بحاجة حقيقية، لكن بعضهم كان يتظاهر بالمرض أو يأتي بدافع الفضول.
أمسك فرسان الكنيسة بمثل هؤلاء و سحبوهم بعيدًا وسط توبيخ شديد.
كان المسنون العاجزون و الأطفال المرضى يُحملون على عربات محملة بالقش و البطانيات، لكن فانيسا واجهت أيضًا حالات لا تستطيع شفاءها.
كانت تشعر و كأن “القدر يرفض” أو “هناك جدار هائل يحجب قوتها”، و كان شيئًا صادمًا لها أيضًا لأنها لم تواجهه من قبل.
“…للأسف، يبدو أن ابنتكِ قد نفد عمرها الذي منحته إياها الحاكمة فينيا.”
“ماذا؟ لا يمكن…”
قالت ذلك محاولة تلطيف كلامها، لكن فمها كان مريرًا. انفجرت الأم في البكاء و غادرت حاملة ابنتها. لم تستطع فانيسا رفع عينيها عنهما لفترة.
مرت أربع ساعات منذُ أن بدأت منح قوة الحياة لمواطني سورينت.
مع استمرار تدفق الحشود، شعرت بالتعب فعلًا، فتظاهرت بالترنح و اتكأت على صدر يورغن.
أخذ يورغن ذلك كإشارة، فحملها بين ذراعيه و نظر إلى الحشود أمام بانثيون بنظرةٍ حادة.
ثم خرج صوته المهيب بشكل كافٍ لإسكات المواطنين العاديين.
“انتهى منح قوة الشفاء هنا. إذا أردتم ألا ترهق القديسة برغباتكم حتى تنفد حياتها، فارحلوا الآن.”
ساد الصمت التام بعد هذا التحذير الجاد و المهدد.
لم يجرؤ أحد على التمرد أمام دوق دريك الذي ينشر الرعب. قد يطير رأسه على سيفه إن فعل.
نظر يورغن إلى الحشود نظرة خاطفة، ثم استدار حاملًا فانيسا و صعد السلالم البيضاء لبانثيون دون تردّد.
عندما اختفى هو و الفرسان خلف الباب، أُغلق الباب الحديدي الثقيل بصوت مدوٍ.
و هكذا انتهت الجلبة التي أحدثتها ظهور القديسة.
* * *
مرت ثلاثة أيام بعد ذلك. بقيت فانيسا في بانثيون، تستقبل الزوار أو تتجول في أنحاء سورينت لبناء سمعتها.
كانت تؤدي دور القديسة بامتياز. خلال ذلك الوقت، لم يصل أي اتصال من ديكلان.
يبدو أنه قرر تجاهلها تمامًا مهما فعلت في سورينت، فشعرت فانيسا بالغيظ.
‘لكنه بالتأكيد يغلي من الداخل.’
عدو يعبث في فناء منزله، كم سيكون غاضبًا…
كان كل شيء يسير حسب خطة فانيسا.
بدأ الجميع، رجالًا و نساءً و صغارًا و كبارًا، بغض النظر عن الطبقة، يحبون و يوقرون “قديسة الحياة” بصدق، و حتى بدأت تُسمع منهم عبارات قد تُعتبر خيانة.
[لو أصبحت الأميرة فانيسا ملكة لكان أفضل.]
[كانت أميرتنا بالأصل… لكنها الآن زوجة دوق إمبراطوري. كل ذلك بسبب الملك ديكلان. لماذا أرسلها إلى تيريفرون؟]
[لم يكن ديكلان يعرف أن الأميرة فانيسا ستصبح “مباركة”. بل و مستخدمة قوة… لو بقيت أميرة لوينغرين فقط، لكان ذلك رائعًا.]
كلما ازداد حب شعب لوينغرين لفانيسا التي تملك قوة فينيا، ازداد لومهم لديكلان.
كم سيكون وجه ديكلان مضحكًا و هو يرى هذا؟
كانت فانيسا تشعر بالمرح الشديد و الفضول حتى كادت تجن.
لكن الثمرة النهائية يجب أن تنضج تمامًا قبل قطفها.
الخطوة التالية لفانيسا و مجموعتها هي التسلل إلى قصر لوينغرين الملكي في هذه الفرصة.
التعليقات لهذا الفصل " 82"