فكرت فانيسا ببساطة.
‘حسنًا، لا داعي لإطالة الأمر.’
عائلة الماركيز دونست لا تملك أي نفوذ في صراعات السلطة في العاصمة، لكنها عائلة ماركيز حدودية على أي حال، فترك دين في عنقهم لن يضر.
حتى القطة المصابة تعود لتشكر مَنٔ عالجها، فمَن يدري متى و أين قد يصبح مفيدًا لهم.
و الأهم من ذلك، كان لدى فانيسا خطة. لم تكن صعبة التنفيذ. قد ينزعج يورغن إذا بذلت جهدًا زائدًا، لكن…
تكلمت فانيسا بجدية متظاهرة.
“لقد سمعتَ عني بالتأكيد، أليس كذلك ايها الماركيز دونست؟”
“نعم، آه… سمعتُ من تاجر زار المدينة قبل قليل. أنكِ حصلتِ على نعمة حاكمة الحياة…”
عادةً ما كانت الشائعات عن فانيسا لوينغرين سلبية، لكن بعد أزمة الوباء في أراضي دريك، انقلبت تمامًا.
لم تعد الآن ساحرة مشؤومة، بل قديسة مباركة يُنظر إليها بإجلال.
“حسنًا، إذا كنتَ تعرف فالأمر أسهل. بصفتي ‘مستخدمة قوى’ حصلت على نعمة حاكمة الحياة… أريد أن أمنح بركتي لهذه الأراضي أيضًا.”
شهق الماركيز دونست و كأنه اختنق، ثم سأل بصوت متردد.
“هـ ، هل تقصدين… البركة حقا؟!”
ما الذي قد تعنينه غير ذلك؟
ابتسمت فانيسا بثقة.
“أعني أنني سأشفي سكان الإقليم المصابين بالوباء.”
توجهت فانيسا و يورغن مع الماركيز دونست إلى القرى الريفية القريبة من السور الخارجي.
بما أن يورغن يساوي مئة رجل، و لا توجد وحوش في المنطقة، لم تكن الحماية ضرورية جدًا، لكن غارسيا و فيلهيلمينا و أندريا الثلاثة تبعوهم.
يبدو أنهم جاؤوا للمتعة أكثر من الحماية.
“قـ، قديسة…؟ هي؟”
“نعم، إنها أميرة لوينغرين أيضًا.”
كان الماركيز دونست يشرح لسكان الإقليم مَنٔ هي فانيسا دون توقف.
لقد تأثر كثيرًا بأنها جاءت لتقدم المساعدة التي تخلى عنها حتى المركز.
“يا إلهي…!”
“إنها قوة مقدّسة حقيقية!”
عندما رأى سكان الإقليم الضوء الأبيض الفضي المنبعث من أطراف أصابع فانيسا، ذهلوا.
شعرت فانيسا بالرهبة الشديدة في أنظارهم تلتصق بها ، و هي تشفيهم واحدًا تلو الآخر ببطء.
‘بما أنني أستطيع استخدام “القوة” مباشرةً دون الحاجة إلى “الكلام”… أشعر أن وعائي أصبح أكبر بكثير من قبل.’
و مع ذلك، كان يورغن قلقًا، فهمس في أذنها.
“إذا شعرتِ بالتعب، لا تُجهدي نفسكِ. يمكنني طلب أدوية من أراضي دريك.”
“حسنًا، سأفعل.”
من بين الأمور التي لاحظتها أثناء علاج الناس، كان أن أعراض الوباء هنا مشابهة جدًا لما حدث في أراضي دريك.
‘كنتُ أتساءل من أين حصل إيسكال على الفئران المصابة بالوباء…’
بالتأكيد جلبها من هنا. يا له من حقير. رغمَ أنه مات و ذهب إلى الجحيم.
استمرت في ركوب الخيل و التجول، فعالجت المرضى في خمس قرى.
كان الإقليم صغيرًا، فانتهت بسرعة. لكن الشمس كانت قد غربت عندما عادوا إلى القلعة.
“أشكركِ حقًا، سمو الأميرة! لا أعرف كيف أرد لكِ هذا الجميل…”
بعد انتهاء كل شيء، بكى الماركيز دونست و هو يشكرها مرارًا.
و عندما قال يورغن إنه سيطلب إرسال أدوية من أراضي دريك، بدا و كأنه على وشك السقوط أرضًا و هو يصرخ “شكرًا جزيلًا!”.
ضحكت فانيسا بخفة و تبادلت نظرة محرجة مع يورغن.
كانت لديها نية طيبة صافية بالطبع… لكن بما أنها ساعدتهم مع حساباتها، شعرت ببعض الحرج.
على أي حال، انتهت التمهيدات، و الآن حان وقت طرح الموضوع الرئيسي.
“الماركيز دونست. في الواقع، جئنا إلى لوينغرين سرًا هذه المرة.”
“ماذا…؟ حقًا؟”
“نعم. و لذلك… أريد أن يتأخر انتشار خبر إنقاذي لإقليم دونست قليلًا.”
“ماذا تقصدين….بقولكِ يتأخر؟”
“حتى يصل إلى العاصمة سورينت تقريبًا في الوقت الذي نصل فيه نحن.”
كانت قد سمعت من دوق إيفانوود مسبقًا، لكن بعد رؤية حال إقليم دونست، أصبحت فانيسا واثقة تمامًا.
الرأي العام تجاه ديكلان سيئ حاليًا.
عند التفكير في الأمر، كان ذلك الوغد دائمًا هكذا. يندفع وراء طموحاته و يفقد أهم الأشياء. لا يدرك أن ما تخلى عنه سيخنقه يومًا ما.
‘عندما ينتشر خبر أن الأميرة التي أصبحت قديسة فجأة أنقذت إقليمًا حدوديًا، في وقت يكون فيه الرأي العام سيئًا تجاه الملك…’
كم سيكون المشهد ممتعًا؟
شعرت بقلبها ينبض من الحماس عند تخيل وجه ديكلان المجعد من الغضب و الإذلال قريبًا.
يبدو أنها مجنونة مثل يورغن دريك تمامًا.
إن عض العدو ممتع إلى هذا الحد.
“فهمتُ ما تقصدين… سأضبط الناس جيدًا حتى يصل الخبر إلى العاصمة في الوقت المناسب الذي ترغبين فيه، سمو الأميرة.”
بدا الماركيز دونست غير ماهر في إدارة الإقليم، لكنه ليس شخصًا سيئًا، و لا أحمق.
نظرت إليه فانيسا بخفّة وهي تبتسم بلطف.
* * *
في تلك الليلة، أقام الماركيز دونست وليمة في القاعة الكبرى للمجموعة.
ربما بسبب سوء الأحوال في الإقليم، لم تكن الأطباق مميزة جدًا، لكن الطهاة بذلوا جهدًا واضحًا. و النبيذ كان رائعًا حقًا.
تشتهر لوينغرين بزراعة العنب بجانب الحبوب مثل القمح و الشعير و الشوفان.
بالطبع، المشروب المفضل للفرسان كان الإيل. كان بعضهم قد ثمل بالفعل و بدأوا يصرخون أنهم سيقدمون أغنية.
كانوا مجانين دائمًا، فاعتادت فانيسا و يورغن ذلك، لكن الماركيز دونست شحب وجهه.
من الطبيعي أن يصدم عندما يرى هؤلاء “الفرسان” المجانين.
كان معظم فرسان فرقة فلويغل من العبيد السابقين أو المرتزقة. لم تضف فانيسا أي تفسير و اكتفت بتناول طعامها بهدوء.
كانت تأكل لحم الضأن المسلوق في النبيذ مغموسًا بصلصة اللوز، عندما اقترب منها شخص ما بهدوء.
كان غارسيا.
كان يتباهى و هو يتحدى يورغن في الشرب.
‘مجنون…’
كان من الطبيعي أن يتصرف غارسيا كأن لديه عدة أرواح، لكن رؤيته يفعل ذلك في وليمة شخصٍ آخر جعلها تتساءل إن كان قد ثمل حتى فقدَ عقله.
هزت فانيسا رأسها مستنكرة و شربت رشفة من النبيذ.
صلصة اللوز كانت دسمة قليلًا.
“إذا فزتُ… ستمنحني فرصة الرقص مع الدوقة في هذه الوليمة.”
سمعت فانيسا كلامه فاندهشت.
‘و ماذا عن رأيي أنا؟’
وضعت الكأس الفضي و حدقت في وجه غارسيا الوقح.
“هل أخذتَ إذن فانيسا؟”
أشار يورغن إلى نفس النقطة فقال غارسيا
“آه، ليس بعد”
ثم التفت إلى فانيسا و اقترب قليلًا. ثم نظر إليها بعيون كلب صغير حزين و بدأ يتذمر.
“دوقة… هل يمكن لهذا العبد المتواضع أن يرقص معكِ رقصة واحدة؟”
“غارسيا، هل أنتَ ثمل؟”
“ثمل؟ لا أزال أستطيع الشرب أكثر!”
لا، من مظهره، كان ثملا بالفعل وأكثر. لهذا السّبب يقوم بمثل هذه الحماقات.
لم يفكر باقي الفرسان في إيقافه، بل كانوا يضحكون و يقولون “انظروا إلى هذا المجنون”.
“غارسيا، هكذا ستهلك.”
“هل تقلقين عليّ؟ أنا… أقسم الآن أنني سأعيش عمري كله دون زواج، و أخدم الدوقة فقط.”
ما هذا الهراء؟
لكن الجو بدا جديًا.
يبدو أنه يتحدث بصدق.
سمعت أن هناك فرسانًا كهؤلاء أحيانًا.
بسبب الولاء أو الإعجاب أو الحب للسيدة التي يخدمونها، يقسمون أن يظلوا بلا زواج طوال حياتهم و يكرسون أنفسهم لها.
بالنّسبة للفرسان، كان هذا نوعًا من الرومانسية. لكن السيدات اللواتي يلهمن مثل هذه المشاعر نادرات جدًا، فالأمر نادر فعليًا.
عند التفكير في الأمر.
هل يمكن لرجل وسيم و بصحة جيدة أن يقسم أن يظل بلا زوجة طوال حياته و ينظر إلى امرأة واحدة فقط؟
بل إنه لا يستطيع حتى الاقتراب منها.
لانه لو فعل ذلك، سيقطعه زوجها.
إذن، سيظل حبه نظريًا فقط.
قد يُعتبر ذلك حبًا نقيًا… لكن فانيسا أرادت أن تقول له ألا يفعل ذلك.
“غارسيا، هل أنتَ جاد؟”
“جاد تمامًا.”
“هل تحبّني غارسيا؟”
“أنا أحترمكِ.”
“إذن ليس حبًا رومانسيًا.”
“كيف يمكنني أن أحمل مشاعر حب تجاه سمو الأميرة…”
كان يناديها تارة سمو الأميرة و تارة الدوقة، و كان واضحًا أن عقله مشوش.
ربما نطق بالقسم في لحظة حماس، و سيندم عندما يستعيد وعيه.
وضعت فانيسا الماء البارد في كأس و قدمته له و قالت.
“عد إلى رشدكَ. أعرف أن لديكَ إعجابًا إنسانيًا بي، لكن التضحية بالعمر كله مبالغة. أنتَ تتحدث هكذا لأنكَ ثمل.”
أمسك غارسيا الكأس بكلتا يديه باحترام، ثم شرب الماء دفعة واحدة و مسح فمه.
نظر بعينيه الأرجوانيتين الضبابيتين من الثمالة إلى فانيسا التي تنظر إليه باستنكار.
توقف غارسيا و هو يحدق في فانيسا التي تبدو متعجرفة، ثم غرق في أفكاره.
التعليقات لهذا الفصل " 80"