ربما لأنها منطقة نائية جدًا، بدا أن الجندي الذي وقف يحجب الطريق لا يعرف شعار دوقية دريك.
لكنه، ربّما بسبب ملابسهم التي كانت على الطراز الإمبراطوري، اعتقد أنهم نبلاء قادمون من الإمبراطورية في رحلة. و في الواقع، لم يكن ذلك خاطئًا تمامًا.
“أمامنا أراضي الماركيز دونست، أليس كذلك؟ لماذا تم إغلاق الطريق؟”
تقدمت فانيسا من خلف يورغن و سألت، فارتجف الجندي للحظة عندما رآها.
نظر إلى وجهها بعينين متسعتين، و كانت نظرته صريحة إلى درجة يمكن اعتبارها وقحة، رغم أنها لم تكن متعمدة تمامًا.
تردد الجندي بتعبيرٍ متردّد و أجاب.
“الأمر… أن وباءً ينتشر منذ أكثر من شهرين. لا يوجد علاج فعال، مَنٔ يقاومه يعيش ، و مَنٔ لا يقاومه يموت… الوضع خطير جدًا.”
“وباء؟ هنا أيضًا؟”
ارتجف الجندي عند سماع كلمة “هنا أيضًا” و مال برأسه مستغربًا. يبدو أن المعلومات لا تصل إلى هنا بسرعة. أو ربّما هذا الجندي لا يعرف شيئًا.
أضافت فانيسا بهدوء.
“انتشر الوباء في مناطق أخرى أيضًا. يبدو أنكَ لم تسمع عن ذلك.”
“آه… أنا مجرّد حارس لهذا الحاجز… و كذلك باقي الجنود مثلي ههه…”
بدا عليه الحرج من جهله، فحك مؤخرة عنقه و أدار وجهه.
نظرت فانيسا بعيدًا عنه للحظة، ثم تفحصت الجنود الآخرين الذين يحرسون الحاجز بعناية.
“…..”
كان الجنود جميعهم يبدون مرهقين بشكلٍ واضح، و يرتدون دروعًا جلدية قديمة.
الدروع الجلدية خفيفة و مريحة، لكن عيبها القاتل هو ضعف الحماية.
حتى الدروع المعدنية يمكن اختراقها بسهولة بسهم قوي، لكن الجودة تختلف كثيرًا حسب الحرفي و طريقة الصنع.
في الواقع، دروع دوقية دريك مصنوعة من الحديد الأزرق المستخرج من “المنجم المتجمد” في أعماق أرض الجليد، فلا تخترقها حتى سهام الرماة المهرة.
لكن في منطقة حدودية لدولة صغيرة مثل لوينغرين، من المستحيل الحصول على هذا الحديد، فالأفضل هو استخدام الفولاذ العادي.
حسب ما تتذكره فانيسا، في عهد والدها، كان يُزوَّد الجنود في كل الحدود بدروع فولاذية. حتى لو كانت دولة زراعية صغيرة لا تتعرض للحروب كثيرًا، كان مبدأ والدها هو عدم إهمال أمن الحدود.
فما الذي حدث هنا…؟
عبست فانيسا و هي تنظر إلى مظهر الجنود الرث.
لم يكتفوا بارتداء دروع رديئة، بل كانت وجوههم شاحبة كالمرضى، و كأن صحتهم متدهورة أيضًا.
هذا يعني أن هناك مشكلة في الإمدادات بشكلٍ عام.
‘الماركيز دونست ليس من النوع الذي يهمل واجباته. ما الذي حدث بالضبط؟’
بينما كانت فانيسا غارقة في أفكارها، اقترب يورغن منها و همس في أذنها.
“إذا لم نتمكن من المرور عبر أراضي الماركيز دونست، فلن نجد سوى الالتفاف. لكن إذا فعلنا ذلك…”
“…..”
سيزداد خطر اكتشاف ديكلان لنا.
الآن هم في لوينغرين بشكلٍ غير رسمي. لو اتبعوا الإجراءات الرسمية، كان يجب إبلاغ ديكلان بزيارتهم، لكن ما ينوون فعله يشبه هجومًا مفاجئًا، لذا جاؤوا سرًا.
المرور عبر أراضي الماركيز دونست هو أقصر طريق للوصول إلى العاصمة سورينت دون أن يلاحظهم ديكلان.
إذا التفوا إلى منطقة أخرى، سيضيع الوقت فقط، و سيزداد احتمال اكتشاف ديكلان لهم خلال ذلك.
لذلك، من الأفضل المرور من هنا…
‘في الواقع… لديّ حل، لكنني لم أفكر فيه تمامًا.’
لكن اختيار هذا الحل قد يسبّب بعض الضجة، و ربّما تنتشر القصة في أراضي الماركيز دونست قبل الوصول إلى العاصمة.
في هذه الحالة، سواء التفوا أو مروا من هنا، سيتم اكتشاف خطتهم من ديكلان قبل الأوان.
لكن هناك فارق واحد…
‘…قد يصبح الأمر ممتعًا قليلًا.’
رفعت فانيسا زاوية فمها بابتسامة و نظرت إلى يورغن. عندما رأى بريق عينيها الأزرق الداكن الماكر، ابتسم يورغن بطريقة غامضة.
“يبدو أنكِ تُعدين خطة شريرة.”
“هل تريد أن تعرف؟ هل أخبرك؟”
“بالطبع.”
ابتسمت فانيسا بلطف و قربت شفتيها من أذنه. ثم نفثت نفسها عمدًا لتدغدغه.
“خطتي هي…”
* * *
بعد أن شرحت الخطة ليورغن و لجميع أفراد المجموعة، تقدمت فانيسا مرة أخرى نحو الجنود الذين يحرسون الحاجز.
كانوا قد خففوا من حذرهم قليلًا مقارنة بالبداية، لكنهم ما زالوا ينظرون إليها كشيء غريب ومخيف.
الجمال المفرط غير البشري قد يثير الرهبة أكثر من الإعجاب أو الجاذبية أحيانًا. خاصة لمَن اعتادوا على رؤية الأشياء البسيطة و الخشنة.
نظرت فانيسا إلى الجنود الذين يتصلبون أمامها كأنهم معطلون، و هي معتادة على هذا الشعور. لم يكن من الجديد أن يخشى الناس منها.
“هل لا يزال لديكم أمر آخر؟ مهما سألتم، لن يكون جوابنا مختلفًا كثيرًا عما قلناه سابقًا…”
سأل جندي قصير القامة تقريبًا بطول فانيسا بتردد.
كان يتجنب النظر إلى وجهها مباشرة، لكنه يلقي نظرات خاطفة باستمرار، و يبدو أن السبب ليس جمالها المذهل فقط، بل شيء آخر.
مثلًا… أن ملامحها تشبه كثيرًا ملامح”الأميرة المشؤومة” التي تزوجت في الخارج، فكان يتساءل “هل هي حقًا…؟”
ابتسمت فانيسا بلطف و فتحت فمها.
“يبدو أنكم تخمنون مَنٔ أكون. ألا تزالون غير متأكدين؟”
“ماذا…؟ مـ.، ماذا تقصدين—”
ارتبك الجندي بشكلٍ واضح. رفعت فانيسا إصبعها و طرقت على صدغها برفق و هي تكمل.
“هذا الشعر، والعينان الزرقاوان الداكنتان، هذا المزيج ليس شائعا، أليس كذلك؟”
“مـ ، مستحيل، هل أنتِ حقًا…!”
بدت الصدمة شديدة لدرجة أنه كاد يختنق.
وضعت فانيسا الخاتمة.
“فانيسا لوينغرين. الاسم الذي أعطاه لي الملك السابق. هل أصبح الأمر واضحًا الآن؟”
اصفر وجه الجندي كأنه رأى شبحًا.
بمجرّد الكشف عن هوية فانيسا، لم يكن أمام الجنود سوى مرافقتها هي و المجموعة إلى قلعة الماركيز دونست.
عندما علموا أيضًا مَنٔ هو يورغن، بدوا مصدومين بنفس القدر الذي صُدموا به من عودة “الأميرة المشؤومة” إلى لوينغرين.
حذرتهم فانيسا بشدّة من نشر خبر زيارتهم للوينغرين.
على أي حال، سينتشر الخبر من مكانٍ ما، لكن تأخير انتشاره قدر الإمكان لن يضر.
“هل… هل أنتِ حقًا سمو الأميرة فانيسا؟”
عندما وصلوا إلى بوابة القلعة، خرج الماركيز دونست مهرولًا لاستقبالهم.
بدت صورته أصغر سنًا بكثير مما تتذكره فانيسا.
كانت تعتقد أن الماركيز دونست رجل مسن، لكن الرجل الذي أمامها لا يبدو أكبر من الثلاثين.
إذا لم يكن قد تجدد شبابه فجأة، فهذا يعني أن سيد الأسرة قد تغير…
‘إذا تغير… منذ متى؟ هل مشكلة إمدادات الجنود بسبب هذا الرجل؟’
بينما كانت فانيسا غارقة في أفكارها، كان الماركيز دونست يحيي يورغن.
بدا مرتبكًا و متوترًا بشكل مثير للشفقة، و هو يختلف تمامًا عن صورة الماركيز دونست في ذاكرة فانيسا.
بالفعل، قدم نفسه على أنه ابن أخ الماركيز السابق.
“قبل عام، توفي عمي، فورثتُ اللقب و الأراضي. لم يكن لعمي أبناء.”
استمر في سرد القصة و هو يرشدهم عبر السور الخارجي إلى القلعة.
في هذه الأثناء، كانت فانيسا تتفحص شوارع المدينة الحصينة بعناية. يبدو أن الوباء يقتصر على الأراضي الزراعية المجاورة، فلم تظهر علامات المرض على وجوه سكان المدينة.
“بسبب سوء المحاصيل المتكرر، أصبحت أحوال الإقليم سيئة… و الضرائب التي نجمعها قليلة أصلًا، و الآن مع الوباء المنتشر أصبح الوضع أسوأ. اضطررنا لبيع الفضة و الذهب، بل و حتى الفولاذ.”
لهذا السبب كانت تجهيزات الجنود رديئة.
أومأت فانيسا موافقة بعد فهم الوضع.
“تقدمتُ بعدة طلبات للدعم من جلالة الملك في العاصمة، لكن تم تجاهلها جميعًا. لم يبقَ أمامنا سوى الصبر حتى ينتهي الجفاف و الوباء.”
كانت أراضي لوينغرين خصبة، لكن ذلك لا يعني أن كل الحقول تحقق محصولًا وفيرًا دائمًا.
منذ القدم، كانت هناك أقاليم تعاني من الجفاف المفاجئ أو الوباء و تفقد قوتها العاملة.
كان الملوك السابقون قد أعدوا نظام إغاثة لهذه الأقاليم، و قام والد فانيسا بتحسينه ليكون أكثر كفاءة.
فأين ذهب كل ذلك؟
كان من المدهش أن يستمر الماركيز دونست في الصمود دون أي دعم من المركز.
‘كيف يدير ديكلان لوينغرين شؤون المملكة بالضبط… يا له من رجل بائس.’
عندما وصلوا أخيرًا إلى قلعة الماركيز، خصص لهم الماركيز جناحًا كاملًا للراحة.
بعد أن أمر التابعين بالراحة، غير يورغن و فانيسا ملابسهما إلى ملاس أكثر أناقة، ثم ذهبا للقاء الماركيز مرة أخرى.
كان الماركيز ينتظرهما في غرفة الاستقبال، و عندما رآهما، ابتسم كأن يرى بريق أمل.
التعليقات لهذا الفصل " 79"