و بعد أن هدأت نسبيًا، بدأت تفكر في معنى الكلمات الثلاث.
‘الحبس ، المساعدة… يبدو أنها تعني أنها محبوسة و تطلب المساعدة.’
السؤال هو: مَنٔ المحبوس؟ والدتها؟ أم غليينا؟ لماذا تنتهي الكلمات باسم غليينا؟
‘إذا كانت والدتي محبوسة… فهل تعني أن غليينا يمكنها تقديم المساعدة؟’
الشخص الوحيد الذي يمكنه حبس والدتها هو ديكلان.
‘السبب واضح. لمنع عائلة البارون بارثيني ، عائلة والدتي، من التحالف مع دوق إيفانوود، فهو يحتجزها كرهينة.’
عائلة البارون بارثيني ليست قوية سياسيًا، لكنها تمتلك واحدة من أكبر مناطق الزراعة الثلاث في لوينغرين، فهي عائلة لا يمكن تجاهلها.
إذا انحازت هذه العائلة ضد ديكلان، سيكون الضرر هائلًا.
إذا كان قد حبس والدتها فعلًا، فهذه خطوة محسوبة من ديكلان…
‘أن يعامل والدته بهذه الطريقة… إذا انتشر الخبر، سيزداد الرأي العام ضده سوءًا.’
يبدو أن دوق إيفانوود لا يعرف بعد أن والدتها محبوسة. و عائلة بارثيني على الأرجح كذلك.
لكن والدتي تقاوم بطريقتها الخاصة، لذا انتشار الخبر مسألة وقت فقط.
‘حتى لو انتشر الخبر، سيستمر ديكلان في احتجازها كرهينة…’
لو استطعتُ أنا___
إنقاذ والدتي__
“…..”
لمعت عينا فانيسا اللتين تنظران إلى الرسالة كنجمتين ساطعتين.
سرعان ما التفتت إلى يورغن و سألته بصوتٍ عاجل لكنه جاد.
“هل يمكننا الذهاب إلى لوينغرين في أقرب وقت ممكن؟”
* * *
قصر لوينغرين الملكي، قمة البرج الغربي.
كانت الملكة الأرملة أفيلين، المحبوسة في غرفة انفرادية، تنظر إلى العالم من خلال النافذة الصغيرة.
من هنا يمكن رؤية العاصمة بأكملها. كما يمكن مشاهدة الغابات و الحقول في الضواحي بوضوح.
ومع ذلك، لم يخفف ذلك من ضيق صدر أفيلين.
تنهدت بعمق، و راقبت سرب طيور تطير في السماء الزرقاء نحو مكان ما. الطيور التي تنشر أجنحتها بحرية بدت أكثر حرية من أي شخص في العالم.
فكرت أفيلين كم سيكون رائعًا لو كانت مثل تلك الطيور. لو تحولت إلى طائر و طارت في السماء… لو استطاعت الهرب من هنا…
لو طارت مباشرة إلى شمال الإمبراطورية، و لو رأت وجه ابنتها للمرة الأخيرة فقط.
فانيسا.
عندما نطقت اسم ابنتها بهمس، انفجرت الدّموع فجأة.
منذُ أن فشلت في منع زواج ابنتها من طاغية تيريفرون، عاشت أفيلين في مستنقع من الندم الرهيب.
بطبيعتها الضعيفة و الخجولة، كانت دائمًا تتجنب التقدم أمام الآخرين. كان من الصعب عليها التعبير عن رأيها أو المشاركة حتى في الأمور البسيطة.
عاشت حياتها كلها بهذه الطريقة دون محاولة تغييرها، فأصبح ضعف شخصيتها جزءًا من طبعها.
ربما لهذا السبب.
لم تستطع الاعتراض بقوة على قرار ديكلان بإرسال فانيسا إلى تيريفرون.
كانت قادرة على طلب مساعدة عائلتها ، لكن ذلك فشل في النهاية.
كانت تخاف أن يتضرر أخوها الأصغر بسببها.
[كنتُ حمقاء. أنا حقًا مثيرة للشفقة.]
كانت تندم كل يوم و تقلق على فانيسا لدرجة أنها لم تكن تنام ليلًا. كانت تتمنى فقط أن تكون ابنتها بخير.
بالتأكيد ستكرهني فانيسا.
كم ستشعر بالظلم لأن لديها والدة عاجزة مثلي.
كان الشعور بالذنب يعذبها إلى حد الألم.
ثم في يوم من الأيام، سمعت أن الإمبراطور أمر بإبادة عائلة تيريفرون الملكية و أتباعها.
الذي نفذ الأمر كان دوق دريك، المعروف بعدم رحمته.
كانت أفيلين تعرف الشائعات المرعبة عنه. من المستحيل أن يترك شخص قاسٍ كهذا فانيسا حية.
بصفتها ملكة تيريفرون، ستُقتل فانيسا أيضًا.
[لا…]
أرادت أفيلين إبلاغ ديكلان فورًا بضرورة إجلاء فانيسا إلى لوينغرين. و كانت تنوي طلب مساعدة عائلة بارثيني أيضًا.
لكن في طريقها إلى قاعة الاستقبال للقاء ديكلان، فقدت أفيلين الوعي فجأة.
عندما استيقظت، وجدت نفسها مستلقية على سريرها. كانت مرتبكة و تحرك عينيها فقط. شعرت بجسدها ثقيلًا كأنه مغمور في الماء.
كان الطبيب الملكي جالسًا بجانبها، و شرح لها بتعبير متردد ما حدث.
[أخشى أن أقول… جلالتكِ…]
و هكذا علمت أفيلين أنها مصابة بمرض قاتل.
لكن… غريب. لم تشعر بصدمة كبيرة. كانت تشعر فقط بعدم الواقعية.
قال الطبيب إنها لن تعيش طويلًا، و أن تمديد حياتها قليلًا هو أقصى ما يمكن.
حتى لو نجحت الأدوية، لديها ثلاث سنوات على الأكثر. و إذا ساء الحظ، قد تموت خلال أشهر.
هل هذا عقابها لعدم حمايتها لعائلتها؟
فكرت ذلك و ضحكت بيأس، ثم انهمرت دموعها.
أموت… سأموت قريبًا…
امتلأ قلبها بالفراغ.
شعرت برغبةٍ في ترك كل شيء.
لكن ربّما لأنها أدركت أخيرا.
شعرت أفيلين لأول مرّة في حياتها بإرادة قوية.
أولًا، أخبرت ديكلان بضرورة إجلاء فانيسا. رغم عدم ثقتها بابنها الذي تغير بعد توليه العرش، إلا أنه الوحيد القادر على إنقاذ فانيسا.
ثم أرسلت رسالة إلى أخيها الأصغر، البارون بارثيني، تسأله إن كان يمكنه تقديم المساعدة إذا احتاج الأمر. أجاب بالإيجاب بالطبع.
لبعض الوقت، كانت أفيلين تملك بعض الأمل.
أمل في إعادة فانيسا سالمة إلى الوطن، و أمل في قضاء آخر أيامها مع ابنتها…
لكن ما وصلها كان خبرًا صادمًا غير متوقع.
[دوق دريك… لماذا فانيسا؟ لماذا…؟]
قصة لا تُصدق تقول إن التنين الأسود المتحصن في الشمال خطف فانيسا.
ما الذي أعجبه في ابنتها حتى يأخذها؟
فكرت بقلب منهار. ثم أدركت أنه جن جنونه بجمال فانيسا.
آه…
تنهدت أفيلين بهدوء و انهارت.
حتى دوق دريك، الذي قيل إنه ليس بشريًا، هو في النهاية رجل.
تخيلت أنه سيأخذ ابنتها بالقوة، فشعرت بالغثيان.
بكت أفيلين و أطلقت العنان للومها.
يا إلهي، لماذا… ما ذنب ابنتي…
بسبب قلقها على ابنتها، عانت أفيلين من أرق شديد و صداع. و جسدها الذي كان ضعيفًا أصلاً أصبح أضعف.
و فوق ذلك، علمت أن ديكلان ينوي إعادة فانيسا إلى لوينغرين و استخدامها في صفقة زواج أخرى.
فكرة أن ابنتها التي ولدتها و أحبتها ستباع مرتين في زيجات غير مرغوبة كانت كافية لتجعل أفيلين تفقد عقلها.
حتّى في كوابيسها، بدأت أفيلين تفكر و كأنها فقدت عقلها.
[لا يمكن الوثوق بديكلان. يجب أن أفعل شيئًا.]
لأول مرة في حياتها، شعرت المرأة التي عاشت طوال حياتها تسعى فقط للسلام و الأمان بالجنون.
أرسلت أفيلين رسالة إلى أخيها الأصغر، الذي كان حليفًا مؤكدًا لها. ثم حاولت التواصل مع دوق إيفانوود، الذي يملك نفوذًا قادرًا على مواجهة ديكلان وحقًا في الخلافة.
لكن لسوء الحظ.
[يبدو أنكِ لم تعلمي أنني زرعتُ جاسوسة بين وصيفاتكِ يا والدتي.]
انكشفت كل خططها لديكلان، فحُبست في غرفتها قسرًا.
بل إن ديكلان نقلها إلى قمة البرج الغربي في القصر الملكي، و أصبحت معزولة تمامًا.
لكن الصدمة لم تنتهِ هنا.
[سمعتُ أنكِ مريضة، أمي. إذا لم تتناولي الدواء الذي وصفه الطبيب، قد تموتين خلال أشهر… أمر مؤسف حقًا.]
[…أنتَ، هل…]
[أنتِ و عائلة بارثيني تشكلان خطرًا كبيرًا عليّ. من الأفضل أن يبقى منصب الملكة الأرملة شاغرًا. وجودكِ هناك سيمنحهم مبررًا فقط…]
[ديكلان… كيف تجرؤ…]
مرت سبعة أيام الآن.
الشيء الوحيد الذي يدخل هذه الغرفة الانفرادية هو كمية قليلة من الطعام و الماء، و بضعة ملابس للتبديل.
لم يكن الدواء الذي يطيل عمرها متوفرًا.
كان ديكلان يحاول قتل والدته.
كان يحاول قتل الأم التي قامت بإنجابه و حبّـه و تربيته…
التعليقات لهذا الفصل " 76"