شعرت فانيسا بقليل من الخوف أيضًا من نظرة يورغن الملحة التي كانت تربطها بإصرار.
لم يتغير تمامًا، لكن من الواضح أنه تغير في شيءٍ ما، و هذا الجانب يظهر بوضوح في اللحظات التي يتعامل فيها معها.
كل العواطف التي يصبها عليها تبدو و كأنها تتجلى بشكل مدمر. ربما لذلك يستمر في احتضانها.
شوق مؤلم ، حب و كراهية… تلك المشاعر كبيرة و وحشية جدًا لدرجة أنه لا يستطيع تحملها دون تدمير شيء ما، و كأنه يحتاج إلى التظاهر بالتدمير ليطفئ تلك النار الملتهبة.
كيف يجب أن أتقبل ذلك؟
هل أستطيع أخذ كل شيء؟
هل سنحترق معًا بسبب شدة و عنف مشاعره تجاهي؟
و مع ذلك، لا يسعني إلا قبوله، لأنني قد سمحت له بالدخول إلى حياتي بالفعل.
لأنني اعتبرته شخصًا خاصًا بي، ولم يعد هناك مكان للتراجع.
مثل مدرب حيوانات أحمق يسمح للوحش بالاقتراب، و هو يرتجف خوفًا من أن يُعض في أي لحظة___
أفضل نهاية هي ألا نموت لا أنا و لا هو، و ألا يتدمر أكثر.
سأجعله غير قادر على قتلي.
و سأجعل نفسي غير قابلة للموت على يديه.
استعادة الذكريات، كل ذلك من أجل هذا الوعد.
“بالطبع يجب أن أستخدمكَ. لهذا السبب تزوجنا أصلًا. آه، بالطبع لم أتزوجكَ لأستخدمك فقط.”
لا يمكن إضافة أسباب رومانسية مثل الحب لهذا الزواج.
هل هذه علاقة حب متبادل؟
هل هذه المشاعر هي الحب؟
كانت في مرحلة لا يمكن التأكد منها بعد.
كان الوقت الذي قضيناه في الكراهية و الاحتقار و التجسس طويلًا. الآن و بعد أن أصبحت المسافة بيننا قريبة بشكل مضحك، حتى أنا نفسي مندهشة.
على أي حال، كانت فانيسا متسامحة إلى حد كبير مع مَنٔ اعتبرتهم أشخاصًا خاصين بها. رغم أن الوحش الذي يزمجر أمامها مخيف بعض الشيء، إلا أنها قررت استقباله بدفء في الوقت الحالي.
“عزيزي ….الآن رفيقي، أليس كذلك؟”
“…..”
كان يورغن يحب أن تناديه بـ”عزيزي”. لا تعرف السبب. لكنها تحترم ذوقه و تفعل ذلك.
كانت فانيسا مستعدة لفعل أي شيء لتجعله طريًا كخبز أبيض طازج.
و لهذا السبب قبلت كل تقلبات مزاجه و قالت له:
“عليكَ أن تفرغ كل ما تراكم داخلك.”
بعد أن يفرغ كل شيء، سيتشكل فراغ، و سيجد وقتًا للتفكير في أشياء أخرى.
ربّما يكتشف شيئًا بنفسه.
كانت تحمل مثل هذا الأمل الضعيف.
“و أنت تعرف أنني أكون متسامحة جدًا مع مَنٔ يروق لي.”
كررت فانيسا الكلمات التي قالها يورغن ذات مرة. في ذلك الوقت، لم يكن يورغن دريك شخصًا يروق لها. كان واقفًا أمام بابها.
و الآن… أصبح وجوده مهما في حياتها. في الآونة الأخيرة، كان الشخص الذي تهتم به أكثر من غيره.
“فكر جيدًا. ألستُ متسامحة معكَ إلى حد كبير؟”
“…..”
بعد أن قالت ذلك، ابتسمت فانيسا ابتسامة ناعمة.
كأنها تهدئ طفلًا، أو تغريه. كانت ابتسامة رقيقة، و في الوقت نفسه مثيرة.
تنهد يورغن بعمق، ثم مسح وجهه بيده و ضحك بقليل من الإحباط.
بدت ابتسامته أخف من قبل.
أصبحت فانيسا واثقة أن تهدئته بهذه الطريقة فعالة. يجب أن تستخدمها كثيرًا.
“حسنًا، هل يمكنكَ مساعدتي الآن.”
مدت ذراعيها كأنها تأمره بخدمتها.
رفع يورغن حاجبيه بدهشة، لكنه أطاعها بهدوء.
حملها بحذر و وضعها في الحوض، فغطست فانيسا في الماء الدافئ بعمق.
خشي للحظة أن تكون تحاول الانتحار، لكنها خرجت فجأة برأسها ، وكان شعرها مبللًا.
غسل يورغن شعرها بالصابون و وضع الزيوت بعناية.
بعد أن انتهى حمام فانيسا التي نامت، جففها بعناية و وضعها على السرير.
ثم ذهب هو أيضًا ليستحم بسرعة. و بعد ذلك، كانت الساعة التاسعة صباحًا.
أيقظ يورغن فانيسا، تناولا الإفطار معًا، ثم غيرا ملابسهما و أكملا ترتيبهما قبل النزول إلى المدخل.
كان معظم الضيوف قد غادروا قلعة ريبادل، لكن بعضهم بقي. و من بينهم دوق إيفانوود.
“يا سمو الأميرة…!”
ما إن رآها حتى فرح و هرع نحوها.
بعد أن قام بتحية فانيسا أولًا، انحنى دوق إيفانوود باحترام أمام يورغن أيضًا. ثم نظر إليها بحذر و سأل.
“كيف حالكِ؟ كنتُ قلقًا عندما سمعت أنكِ مريضة.”
…يبدو أنه استخدم هذا العذر لتبرير غياب العروس أمام الضيوف الذين كانوا يتهامسون.
كيف يمكن لمَنْ حصل على نعمة الحياة أن يمرض؟
يا لها من كذبة مضحكة.
بالطبع لم يكن بإمكانه قول الحقيقة. كيف يقول إن العروس لم تستطع الظهور لأن العريس المتوحش استنزف قوتها منذ ليلة الزفاف الأولى؟
ابتسمت فانيسا بوهن متظاهرة بالمرض.
“في الواقع، يبدو أنني أجهدتُ نفسي كثيرًا بسبب معالجة الوباء. أشعر أحيانًا بتعب لا يُطاق.”
حتى لو كان الشخص مستخدمًا للكلام المقدس أو البركة، فإن الإفراط في استخدامها قد يجعل الجسد لا يتحمل، و بالتأكيد يعرف دوق إيفانوود ذلك.
بالفعل، بدا مصدومًا و هو يرمش بعينيه، ثم قال بصوت متردد.
“هذا لا يمكن… يجب أن تعتني بصحتكِ جيدًا، سموكِ.”
“نعم، سأفعل.”
ردت بصوتٍ خافت متعمدًا، فنظر إليها يورغن بنظرة مندهشة.
“دوق إيفانوود… هل أنتَ على وشكِ المغادرة؟”
“نعم، سموكِ. انتظرتُ حتى اليوم لأودعكِ قبل الرحيل.”
بدت عليه الرغبة في قول شيء مهم.
هل يتعلق الأمر بمؤامرة التمرد؟
إذا كان كذلك، ربما من الأفضل الانتقال إلى مكان آخر، لكن دوق إيفانوود أخرج شيئًا من جيبه و قدمه إلى فانيسا.
كان رسالة.
ما إن رأت الختم المألوف حتى اتسعت عينا فانيسا.
“هذا…”
فرع الغصن مع عصفور يجلس عليه.
كان ختم والدتها.
* * *
عندما عادت فانيسا إلى الغرفة، فتحت رسالة والدتها التي أعطاها إياها دوق إيفانوود.
كان يورغن بالطبع بجانبها، لكنها لم تهتم به.
في ذهنها، كانت الحوارات التي دارت مع دوق إيفانوود قبل مغادرته تتكرر.
[هذه الرسالة من وصيفة الملكة الأرملة.]
[وصيفة…؟ ألم تلتقِ بوالدتي شخصيًا؟]
[نعم… سمعتُ أن حالتها الصحية تدهورت كثيرًا و أصبحت غير قادرة على الحركة.]
كانت أخبارًا صادمة كالصاعقة.
إذا كانت غير قادرة على الحركة، فحالتها خطيرة جدًا، أليس كذلك؟ ربّما انتظر دوق إيفانوود حتى انتهاء الزفاف ليعطيها الرسالة خوفًا من صدمتها.
فتحت فانيسا الرسالة بيدين مرتجفتين.
دخل خط والدتها الرقيق و الأنيق إلى عينيها. كانت كتابتها جميلة كالعادة.
لا يمكن تصديق أن شخصا مريضًا كتبها.
—ابنتي الحبيبة، فانيسا.
لم أرَكِ منذ زمن طويل جدًا.
بالأمس حلمتُ بكِ.
هل كان ذلك عندما كنتِ في الثالثة عشرة؟ طلبتِ صديقة مراسلة فجأة، فأصبحتُ أنا بديلتها.
أنشأنا شيفرة معًا و تبادلنا الرسائل السرية، هل تتذكرين؟
كنتُ معجبة جدًا بكِ و أنتِ تصنعين شيفرة صعبة و تحفظينها بسهولة.
منذ الطفولة، كنتِ طفلة ذكية جدًا.
إنها ذكرى بعيدة جدًا.
لم يكن في الرسالة شيء مميز. قصص من الماضي، كلمات اشتياق، و تمنيات بالسلامة.
كانت المحتوى عاديًا فقط.
لكن شعرت فانيسا بحب والدتها فيها، فدمعت عيناها دون أن تشعر.
مسحت دموعها بظهر يدها، فاقترب يورغن منها بهدوء و احتضنها بذراعيه.
كان الأمر يشبه مواساة كلب يربيه صاحبه، فانفجرت فانيسا ضاحكة رغمَ أن الوقت غير مناسب.
تمتمت بصوتٍ خافت.
“لم أكن على علاقةٍ جيدة مع أمي.”
“…..”
“منذ الطفولة. كنتُ قريبة من أبي، أما أمي فلم نكن نتوافق في الطباع. لكن عندما أصبحت صديقة مراسلتي، شعرتُ بسعادةٍحقيقية.”
ربما كانت والدتها تتذكر تلك الأيام أيضًا و هي تكتب الرسالة؟
ضغطت فانيسا على عينيها بيدها.
بعد أن هدأت، أعادت قراءة الرسالة من البداية.
لكنها لاحظت فجأة نقاطًا لم تلحظها في القراءة الأولى.
‘هناك شيء…’
عبست فانيسا و أعادت قراءة الرسالة بعناية، حرفًا حرفًا، مفككة كل كلمة.
التعليقات لهذا الفصل " 75"