كان هناك فقط حماسة شبيهة بالاندفاع تكسو قزحيّتيه العنبريّتين بطبقة سميكة.
مـدّ يورغن يده إلى فانيسا. ما إن تردّدت للحظة ثمّ وضعت يدها فوق يده، حتّى أمسك بها بقوّة شديدة.
بمجرّد أن أمسك بيدها، شعرت و كأنّها عاجزة عن الحركة تمامًا، كما لو أنّ وحشًا عضّ رقبتها بأنيابه.
“حسنًا، إذن، يقف العروسان متعانقين….”
بدأ الكاهن مراسم الزّفاف رسميًّا.
أجاب الاثنان اللّذان كانا يرددان “نعم ،نعم” بشكلٍ روتينيّ على الأسئلة المتتالية، و بعد قليل تبادلا الخواتم.
نظرت فانيسا باضطراب إلى الخاتم الذّهبيّ المرصّع بالألماس الذي يلمع في بنصرها، ثمّ رفعت رأسها عندما شعرت بيد ترفع الطّرحة التي يغطّي وجهها.
“آه….”
تذكّرت الآن أنّه دور العريس يأتي ليقبّل العروس.
كيف نسيت هذا؟
شعرت فانيسا بتصلّب عضلات رقبتها و هي تنتظر أن تلمس شفتاه شفتيها.
لكنّ يورغن لم يحنِ رأسه فورًا، بل اكتفى بالنّظر إليها من أعلى بهدوء.
شعرت أنّ الحرارة الّتي تتراقص في عينيه الذّهبيّتين تحرق خدّيها.
شعرت فانيسا بالخوف من أن يكون وجهها قد احمرّ فعلًا، فرمشت بعينيها بسرعة.
كان ذلك نوعًا من الإشارة ليُقبّلها سريعًا.
أمسكت يد ساخنة بذقنها بلطف لكنّها تحمل قوّة لا يمكن تجاهلها.
انجذبت فانيسا لتلك القوّة و أمالت رأسها قليلًا.
ظون أن يرفع نظره عنها لحظة، مال يورغن برأسه ببطء.
أخيرًا، التصقت الشّفتان بلطف.
كانت مجرّد قبلة خفيفة، و مع ذلك شعرت بحرارة حارقة .
“…..!”
في اللحظة التي انفصلا فيها، لعق ويرغن شفتها السّفلية قليلًا.
تفاجأت فانيسا من تصرفه الذي لا يليق بمراسم زفاف مقدّسة، فابتسم يورغن بمكر و هو ينظر في عينيها من مسافة قريبة جدًّا تكاد أنفاسه تلمسها.
كانت تلك الابتسامة، و تلك النّظرة ، غريبة إلى درجة الجنون.
“احم…!”
أطلق الكاهن سعالًا مصطنعًا، كما لو أنّه يقول لهما “كفى”، بعد أن شعر بالتوتّر الشّديد بينهما.
ارتبكت فانيسا كمبتدئة رغم أنّها ليست قبلتها الأولى، فابتعدت عن يورغن مسرعة. و مع ذلك، سرعان ما عادا يلتصقان مجدّدًا لأنّ دور المسيرة معًا قد حان.
* * *
كانت أغنيس، التي تحضر مأدبة ما بعد حفل الزّفاف، تراقب الزّوجين الجديدين باهتمام و هي ترتشف النّبيذ.
كان الاثنان يتباهيان علنًا بهديّة الزّفاف الفخمة التي أرسلها الإمبراطور، لكنّ عينيّ يورغن و هو يحدّق في التمثال الذّهبيّ الضّخم على شكل تنّين كانتا خاليتين من الرّوح، بينما كانت فانيسا مذهولة.
ابتسمت أغنيس ضاحكة و هي تفكّر أنّ وجه فانيسا المصدوم لطيف.
‘حقًّا إنّهما ثنائيّ يناسبان بعضهما البعض تمامًا.’
فانيسا لا حاجة للحديث عنها، و يورغن أيضًا يمتلك مظهرًا خارجيًّا رائعًا.
عندما يقفان معًا كزوجين، يبدوان كلوحة فنّية واحدة. إلى درجة أنّها تشعر برغبة في استدعاء رسّام فورًا ليخلّدهما على القماش.
‘و علاوة على ذلك…….’
كانت النّظرات الّتي يتبادلانها و الجوّ الغريب الذي يعوم في الهواء مختلفًا تمامًا عمّا كان في حفل القصر الإمبراطوريّ السّابق.
في ذلكَ الحفل، اعتقدت أنّ الأمر من طرف يورغن فقط.
إغنيس تعرف الرّجال جيّدًا، و هي خبيرة في قراءة ما يخفون في قلوبهم.
بدا لها بأن يورغن الّذي رأته بعين ثاقبة يحمل رغبة امتلاك و تعلّق هائلين بفانيسا. و مع ذلك، يبدو أنّه هو نفسه لم يكن مدركًا لذلك.
‘عادةً ما يكون عدم الإدراك أكثر رعبًا.’
لأنّه بمجرّد أن يدرك، ينفجر.
فهل أدرك يورغن الآن؟ أم أنّه على وشكِ الإدراك؟
لا تعرف بالضّبط، لكنّه بدا كبرميل بارود على وشك الانفجار.
‘على أيّ حال….’
هي تتمنّى فقط أن تكون فانيسا سعيدة.
رفعت إغنيس كأسها الفضّيّة المملوءة بنبيذ عنبيّ غامق، و شربته دفعة واحدة، مباركةً سعادة العروس الجديدة الجميلة.
“أبارك زواجكما من كلّ قلبي، صاحبة السموّ الملكيّ.”
“شكرًا، دوق إيفانوود.”
كانت النّظرات الفضوليّة تتطاير من هنا و هناك.
بالطّبع، فالجميع يجد الأمر مثيرًا للاهتمام.
أن تدعو أميرة اشتهرت بعلاقتها السيّئة مع ملك لوينغرين، رئيس القوّة المعادية، إلى حفل زفاف لم تدعُ فيه حتّى أخاها الحقيقيّ.
لم يطفُ الأمر على السّطح بعد، لكنّ حقيقة أنّ دوق إيفانوود و قواه يتربّصون بفرصة لخلع ديكلان قد انتشرت على نطاق واسع.
‘ما يحتاجه دوق إيفانوود في النّهاية هو موافقة الإمبراطور.….’
بناءً على سرعة تجميعه لقوى كثيرة في فترة قصيرة، يبدو أنّه وجد ذريعة معقولة.
بما أنّ موافقة الإمبراطور هي قطعة اللغز الأخيرة الأكثر إلحاحًا، يمكن تفهّم مدى أهمّية حضور حفل الزّفاف هذا بالنّسبة لدوق إيفانوود.
“دوق دريك، في العاصمة…… لقد أسأت إليكَ كثيرًا. أرجو أن تعتني جيّدًا بصاحبة السموّ الملكيّ.”
كما توقّعت، كان دوق إيفانوود يبذل جهدًا لكسب ودّ يورغن.
إذا حصل على دعم دوق دريك الّذي يتمتّع بحماية الإمبراطور، فلن يكون الحصول على قطعة اللغز الأخيرة صعبًا.
المشكلة أنّ ردّ فعل يورغن كان باردًا كشتاء قارس…….
حتّى على الكلمات الحذرة الّتي قالها دوق إيفانوود للتوّ، لم يقم يفعل شيئًا سوى إيماءة خفيفة برأسه مع وجه بارد.
“فانيسا.”
تجاهل يورغن دوق إيفانوود تمامًا و اقترب من فانيسا.
في الواقع، كان هكذا منذ حفل الزّفاف نفسه. مهما تحدّث إليه أحدهم أو تملّقه، كان اهتمامه موجّهًا بالكامل نحو فانيسا فقط.
“إذا شعرتِ بالتّعب، عودي و ارتاحي الآن.”
عندما قال ذلك بقلق، شعرت فانيسا لحظة بالدوار.
يبدو أنّ يورغن دريك قد جنّ فعلًا……
كانت قد لاحظت تغيّره منذ وقت طويل، لكنّها لا تزال غير معتادة عليه. يبدو الأمر و كأنّ ازدراءه لها و إدانته إيّاها كان بالأمس فقط.
‘ربّما حدث تغيّر هائل في قلبه بسبب أنّني كدت أموت سابقًا.’
في هذه الأيّام، يبدو كشخص انهار ثمّ أُعيد بناؤه من جديد.
فكّرت مرّات عديدة فيما إذا كان بإمكانها هزّ يورغن، لكنّ الواقع الّذي جاءها جعل كلّ لحظة غريبة.
‘لو كانت لديّ ذكريات الماضي، هل كنتُ سأتقبّل تغيّره بطريقة أكثر طبيعيّة؟’
ما إن تذكّرت الذّكريات المفقودة، حتّى شعرت بالضّيق كالعادة.
ذلك الشّعور الّذي يجعل المرء يريد الجلوس على الأرض من الفراغ و الحزن عند فقدان شيء ثمين.
أرادت فانيسا بشدّة أن تستعيد ذكرياتها سريعًا، و قرّرت أن تطلب من يورغن في ليلة الزّفاف الأولى الّتي ستواجهها عند غروب الشّمس اليوم. و لو مرّة واحدة فقط، أن يسمح لها بزيارة لوينغرين.
و الآن، كتمهيد لطلبها ذاك…… كانت تحاول أن تكون لطيفة معه قدر الإمكان.
يجب أن تُذيبه بلطف بابتسامة رقيقة و صوت حنون.
ابتسمت فانيسا بابتسامة مشرقة قدر الإمكان و أجابت.
“أنا بخير. ماذا عنكَ أنتَ؟ ألست متعبًا؟”
عندما يكونان لوحدهما، تناديه بـ”أنتَ” بخفّة، لكنّها قرّرت في مثل هذه المناسبات مراعاة النّظرات المحيطة.
لكنّ ردّ فعل يورغن كان غير متوقّع.
عبس باستياء لسبب ما.
ما المشكلة مجدّدًا؟
نظرت إليه فانيسا باستغراب و هي تميل برأسها.
ثمّ جاء ردّ فعله التّالي…… و كان مذهلًا إلى حدّ الغرابة.
“لا تبتسمي هكذا.”
“……؟”
ثمّ أشار بنظراته كما لو أنّه يطلب منها أن تنظر حولها، ففعلت فانيسا ما أمرها به.
رأت عدّة رجال ينظرون إليها بتعبير مبهور كأنّهم مسحورون.
يبدو أنّ تلك الابتسامة كانت الضّربة القاضية.
تساءلت إن كان يجوز أن يفقدوا احترامهم لأنفسهم هكذا في حفل زفاف شخص آخر، لكنّها تقبّلت الأمر لأنّ جمالها كان خطيرًا إلى هذا الحدّ.
عندما عادت بنظرها إلى يورغن، رفع حاجبه كما لو أنّه يقول “هل فهمتِ؟”.
التعليقات لهذا الفصل " 70"