الطقس هنا لا يزال باردًا جدًا، و في الشمال سيكون أكثر برودة بالتأكيد.
أتمنّى من كلّ قلبي أن تكوني تقضين أيّامكِ دافئة.
وصلت رسالة من أغنيس قبل أسبوع واحد فقط من إقامة حفل الزفاف المقدّس.
كان الوقت قد أصبح منتصف يناير بالفعل، و هي الفترة التي تسبق أحد أعياد معبد رافينسيا المعروف بـ”يوم الحياة”.
يوم الحياة، كما يدلّ اسمه، هو عيد لشكر لفينيا، و يُحتفل به كلّ عام في الأوّل من فبراير.
تختلف طريقة الاحتفال بهذا العيد حسب المنطقة، أمّا في فالنسيا ففي هذا اليوم يُمنح الجميع إجازة، و يُقام مهرجان كبير نسبيًا.
خلال المهرجان، تُقام أسواق تبيع جميع أنواع الحرف اليدويّة و الأطعمة في شوارع مدينة القلعة، و من الساعة الحادية عشرة ليلًا حتى منتصف الليل يمكن مشاهدة الألعاب الناريّة.
يُقال إنّ الألعاب الناريّة من صنع جينيلي.
مجرّد سماع ذلك يجعل العيد يبدو ممتعًا، لكن في الواقع لم يُمنح الجميع إجازة. فالحرّاس الذين يراقبون ما إذا كانت وحوش الصقيع تنزل جنوبًا من جبهة الشمال يجب أن يستمرّوا في الحراسة.
لكن سماع أنّهم يتناوبون كلّ ستّ ساعات و يستمتعون بالمهرجان بطريقتهم جعل فانيسا تشعر ببعض الارتياح. ففي عيد كهذا، إذا كان عليهم فقط الحراسة دون الاستمتاع، فسيكون ذلك مؤسفًا جدًا.
‘حفل الزفاف المقدّس في الخامس و العشرين من يناير، أليس كذلك؟ لقد تلقّيت الدعوة بشكل جيّد. في الحقيقة، كنتُ قلقة خشية أن يكون دوق دريك قد طلب عدم إرسال دعوة لي.’
ابتسمت فانيسا ابتسامة خفيفة و هي تكمل قراءة رسالة أغنيس. في الواقع، كان يورغن قد طلب ذلك فعلًا. لكنّها تجاهلت طلبه تمامًا.
‘أعتقد أنّني سأصل إلى فالنسيا مساء الرابع و العشرين. سأحمل معي هديّة جميلة للعروس الرائعة. أنا متحمّسة جدًا ليوم لقائنا مجدّدًا، يا فانيسا.’
عادةً ما يأتي ضيوف حفل الزفاف المقدّس في فجر اليوم أو صباحه المبكّر، لكن إذا كانوا من عائلة العريس أو العروس أو أقاربهم أو أصدقاء مقربين، فإنّهم يأتون في اليوم السابق و يبيتون ليلة واحدة.
بما أنّ فانيسا و أغنيس قد اقتربتا كثيرًا من خلال تبادل الرسائل طوال هذه الفترة، فلم يكن غريبًا أن تأتي أغنيس مبكّرًا.
بالطبع، سيكره يورغن ذلك.
طوت فانيسا رسالة أغنيس بعناية و وضعتها في درج المكتب، ثمّ بدأت في كتابة الردّ.
كانت سعيدة جدًا بأنّها و أغنيس أصبحتا “صديقتين” تناديان بعضهما بالاسم بسهولة.
بعد أن أغلقت ردّها على أغنيس جيّدًا، بدأت فانيسا في قراءة الرسائل الأخرى التي وصلت إليها واحدة تلو الأخرى.
كانت معظمها من أشخاص لا تعرفهم. أناس يحاولون التقرّب فقط بسبب شهرتها الأخيرة كقدّيسة الحياة و خلفيّتها كعضو في عائلة الدّوق دريك.
بالطبع، كان بينها رسائل من نبلاء الشمال أرسلوها كتحيّة و مجاملة لفانيسا التي ستكون قريبًا زوجة الدّوق دريك.
لم يكن هناك ضرر في التعامل الجيّد مع نبلاء الشمال الذين يقعون ضمن نطاق نفوذ عائلة دريك، لذا فصلت فانيسا رسائلهم جانبًا.
“سأقرأها جميعًا بهدوء لاحقًا و أردّ عليها واحدة تلو الأخرى.”
الآن، كانت هناك رسالة أكثر إلحاحًا.
لم تكن سوى من دوق إيفانوود.
محتوى الرسالة بدا عاديًا من الخارج.
تحيّة بسيطة، و…
‘أودّ بشدّة حضور حفل الزفاف المقدّس لسموّ الدّوق دريك و صاحبة السموّ الملكي الأميرة. إذا تمّت دعوتي، فسيكون ذلك شرفًا عظيمًا لي و لعائلة إيفانوود.’
طلب مهذّب يرجو دعوته إلى حفل الزفاف المقدّس.
“همم…”
في حفل الزفاف المقدّس، تمّت دعوة النبلاء الإمبراطوريّين الودودين تجاه عائلة دريك فقط. لأنّ الاحتفال الصاخب و المزعج لا يناسب ذوقها هي، و لا ذوق يورغن أيضًا.
ديكلان؟ بالطبع لم يُدعَ.
بما أنّ فانيسا كانت تُظهر عداوتها له بشكلٍ غير مباشر في الحفلات الاجتماعيّة لنبلاء الشمال، فقد أصبح ديكلان قوّة معادية علنيّة لها.
والدتها و غلينا… تلقّت ردًّا بأنّهما لا تستطيعان الحضور بسببِ مشاكل صحيّة.
كلّما فكّرت فانيسا في والدتها، شعرت بثقل في مزاجها. هل هي مريضة للغاية؟
“غلينا، تلك الفتاة التي كانت دائمًا بصحّة جيّدة، ما الذي حدث لها فجأة لتمرض؟”
قد يكون مجرّد عذر… لكنّ ذلك كان يقلقها لسببٍ ما.
“حسنًا… بما أنّ ديكلان لم تتمّ دعوته، فغلينا أيضًا لن ترغب في الحضور. فهما قريبان جدًا كأخ و أخت حقيقيّين.”
كان أمرًا مذهلًا دائمًا أنّ ديكلان، الذي باع حتّى “أقاربه الحقيقيّين”، يعامل غلينا، أخته غير الشقيقة، كجوهرة ثمينة.
أطلقت فانيسا سخرية خفيفة من بين شفتيها، ثمّ أخرجت ورقة جديدة و أمسكت بقلم الريشة.
“حسنًا، فليكن ذلك”
تجاهل أخيها الحقيقي الملك ديكلان، و دعوة دوق إيفانوود الذي ينتمي إلى القوّة المعادية له، سيثير ضجّة كبيرة، لكنّها فرصة لإعلان إرادتها للعالم بأسره.
“قدّيسة الحياة فانيسا تدعم دوق إيفانوود، لا الملك الحالي للوينغرين.”
كانت قد سمعت للتوّ أنّ الوضع السياسي في لوينغرين مضطرب. يقال إنّ القوى المؤيّدة لدوق إيفانوود في ازدياد.
في مثل هذا الوضع، إذا أعلنت دعمها لدوق إيفانوود بشكل علني كبير…
‘سيتلقّى ديكلان ضربة قويّة.’
رفعت فانيسا زاوية فمها بابتسامة، و بدأت في كتابة دعوة إلى عائلة دوق إيفانوود بهدوء.
‘كلّ هذا بسببكَ أنـت، يا ديكلان.’
تركتني في الجحيم، و اعتقدتَ أنّك لن تتلقّى أيّ انتقام؟
العرش الذي تقدّره كثيرًا، سأجعلكَ تفقده حتمًا.
و بعد أسبوع واحد، أشرق أخيرًا فجر يوم إقامة حفل الزفاف المقدّس.
* * *
استيقظت فانيسا مبكّرًا في الفجر، و بدأت التحضير وهي نصف نائمة. اغتسلت جيّدًا لتكون نظيفة، و دهنت ماء الورد لتضيف لمعانًا.
لم تكن فانيسا بحاجة إلى مكياج ثقيل، فاكتفت بطبقة خفيفة من البودرة لتنعيم بشرتها، و لمسة خفيفة من الصبغة الحمراء على شفتيها.
رغم ذلك فقط، و بفضل جمالها الطبيعي، بدت أكثر سحرًا. كانت الخادمات المسؤولات عن تزيينها منشغلات بالإعجاب الداخلي و هنّ ينظرن إلى وجهها.
بينما كانت تُغفو مرّة تلو الأخرى، انتهت الزينة فجأة.
فتحت فانيسا عينيها عند صوت يوقظها بحذر، و نظرت إلى المرآة أمامها بذهول.
في المرآة، كانت هناك امرأة جميلة بشكل مخيف، تتباهى بجمال ساحر كوردة مزهرة بكامل بهائها.
“……”
كانت هي نفسها كالعادة.
بالطبع، بما أنّه حفل زفاف مقدّس، فقد تمّ تزيينها فبدت أكثر تألّقًا بضع مرّات من المعتاد.
حتّى ذلك الحين، لم يكن لدى فانيسا أيّ تفكير سوى أنّها تشعر بالنعاس، ففحصت مشاعرها من جديد.
الزّواج الثاني.
كان أمرًا يجعل قلبها مضطربًا.
الزواج الأوّل كان قسريًا مع طاغية عبارة عن قمامة بشريّة، و لم تكن بوعيها الكامل بسبب الغضب من خيانة أقاربها الذين وثقت بهم.
كانت الحياة الزوجيّة أسوأ من ذلك بكثير.
كان ليروي، ذلك الحقير المصاب بالعقم، يفرّغ غضبه و عقدة نقصه عليها بالعنف.
كان يضرب فانيسا لأتفه الأسباب، و يلعنها و كأنّ عقمه كلّه خطأها.
“كانت الحياة في تيريفرون مرعبة جدًا أيضًا.”
الوزراء المخلصون الذين يقولون الكلام الصحيح تمّ نفيهم أو إبعادهم أو قطع رؤوسهم، فلم يكن النبلاء الذين يتردّدون على القصر سوى أوغاد في مستوى ليروي.
في مثل هذه البيئة، كان من المستحيل تكوين صداقات، فكان على فانيسا أن تتحمّل شعورها بالوحدة.
حتّى عند التفكير فيه مجدّدًا، كان ماضيًا مؤلمًا يجعلها ترغب في قتل ديكلان فورًا.
“أمّا الزواج الثاني…”
أصبح تعبير فانيسا دقيقًا و هي تكمل التفكير.
لم تنفصل رسميًا عن ليروي بالطلاق، بل أصبحت أرملة بسبب وفاته.
و ما لم يكن الأمر فوضى تامّة، فإنّ الأرملة لا تتزوّج رجلًا آخر لمدّة سنة على الأقلّ.
لكن فانيسا كانت على وشكِ إقامة حفل زفاف جديد قبل أن تمرّ ثلاثة أشهر حتّى على وفاة زوجها. لم يكن ذلك طبيعيًا. بالتأكيد يتحدّثون عنها سرًا هنا و هناك رغم أنّها لا تسمع ذلك بأذنيها.
“منذ البداية، أخذي كأسيرة و إجباري على الزواج منه… جنون بحدّ ذاته.”
لم يتغيّر هذا التفكير منذُ البداية حتّى الآن.
بدأت فانيسا، التي لم تكن تريد الزواج من يورغن مطلقًا، في تحمّل هذا الزواج بعد أن قرّرت استغلاله.
نعم، كانت تنوي استغلاله.
قدراته و سلطته… لكن متى توقّفت عن كون ذلك السّبب الوحيد؟
أرادت معرفة المزيد عن رودي، ذلك الفتى الذي يدّعي أنّها تخلّت عنه. أرادت معرفة ما كان يعنيه لها، و استعادة الذكريات المفقودة.
ربّما بدأ قلبها في التغيّر منذ ذلك الحين.
رفعت فانيسا يدها اليمنى فجأة و وضعتها بالقرب من قلبها.
الذكريات التي يبدو أنّ أحدهم أخفاها عمدًا لم تعد بعد، لكن فانيسا كانت تشعر أحيانًا أنّ قلبها يتذكّر.
لذلك تشعر بهذا الشعور بالأسف و الحزن و الألم.
‘رغمَ أنّ حقيقة أنّ هذا زواج اختطاف غير طبيعي لم تتغيّر…’
التعليقات لهذا الفصل " 69"