أخيرًا، تمكنت من طرح الموضوع المهم بعد فترة طويلة.
ظلّ الصمت يسود لفترةٍ من الوقت.
كلمات يورغن تلك… بدت و كأنها اعتراف ما.
على أيّ حال، لقد اعترف هو نفسه بأنّها وجود خاصّ بالنّسبة إليه، أليس كذلك؟
لذلك كان قلبها يخفق بشدّة لدرجة أنّها لم تستطع الكلام.
“بالنّسبة إلى تلكَ الساحرة ساسكيا، نحن بالفعل نبحث في الأمر.”
حتّى عندما سمِع أنّ الحاكم الذي منحها الحماية هو حاكمة الموت موريسينا، لم يبدُ يورغن متفاجئًا كثيرًا.
كان يُظهر أحيانًا هذا الجانب المتعالي نوعا ما. و عندما اقترحت أن يتمّ التحقيق في ماضي ساسكيا بالتفصيل، شرح يورغن الأمر بهدوء كمَن يرى الأمور من بعيد مسبقًا.
“هناك بعض الحقائق التي اكتشفناها. لا نعرف بالضبط متى حصلت ساسكيا على حماية حاكمة الموت، لكن يمكننا تقريبًا تخمين الفترة. من المؤكّد أنّها لم تمرّ بعملية تلقّي النبوءة في البانثيون.”
“لذلك لم يكن هناك أيّ سجلّ في البانثيون.”
كان مساعده ميلارد قد أخبرها أنّهم بحثوا في سجلات البانثيون عن المباركين، و لم يجدوا أيّ شيء مشبوه.
“بحسب ما قاله ليروي… قبل حوالي عشر سنوات أخذ ساسكيا. لكنّها لم تكن تتذكّر بدقّة. هل اكتشفتَ شيئًا آخر؟”
عندما سألته بهدوء، أظلمت ملامح يورغن لسببٍ ما.
ما الأمر؟
رمشت فانيسا بعينيها في حيرة. تنهّد يورغن و هو ينظر إليها، ثمّ قال بصوت يغلّفه التعقيد الواضح:
“ما سأقوله الآن… يجب ألا يصل إلى أذنَي غارسيا تحت أيّ ظرف.”
“غارسيا فجأة؟”
“…استمعي جيّدًا.. سأشرح لكِ. تلك الساحرة التي تُدعى ساسكيا…”
* * *
بينما كانت تمشي في الممرّ خارجًا من مكتب يورغن، غرقت فانيسا في التفكير بشرود.
في رأسها، كانت الكلمات التي سمعتها في المكتب تتردّد كصدى.
[اسم ساسكيا الحقيقي هو فيني. و هي… أخت غارسيا التوأم.]
[ماذا؟ هي لا تشبهه إطلاقًا؟]
[لأنّهما توأمان غير متطابقين.]
[ساسكيا و غارسيا أخ و أخت؟ هذا لا يُعقل. هل هناك مصادفة كهذه في العالم؟ أليس هناك خطأ ما؟]
[لا… ساسكيا هي فيني على الأرجح. غارسيا كان يبحث عنها منذ زمنٍ طويل. قصّته و قصّة ماضي ساسكيا تتطابق في نقاط كثيرة.]
الشرح كان كالتالي.
في الفترة التي حظِر فيها قانون الإمبراطورية أخذ الأبرياء من أسرى الحرب أو المجرمين الكبار ليصبحوا عبيدًا. خرج غارسيا و أخته التوأم فيني خلسة من البيت للّعب في المدينة، فاختطفهما رجل يتاجر بالبشر.
بِيـعَ غارسيا إلى شمال الإمبراطورية، و بٓيعت فيني إلى تيريفرون، و هكذا افترق الأخوان.
بعد أن أصبح غارسيا مرتزقًا، بحث عن فيني بجهد، لكنّه لم يعثر على أيّ أثر لها في أيّ مكان.
اعتقد أنّها ربّما ماتت بالفعل، فاستسلم و توقّف عن البحث قبل حوالي ستّة أشهر.
[كان مظهر فيني في الأصل يشبه غارسيا. شعر أشقر فاتح و عيون أرجوانية. أما مظهرها الآن فمن المحتمل أن يكون قد تغيّر.]
[…..]
[بحسب التحقيق، ساسكيا كانت فتاة عبدة أنقذها ليروي تيريفرون من تاجر العبيد. اسم ساسكيا هو الاسم الذي أطلقه ليروي عليها.]
[…..]
[عند إنقاذها، كانت ساسكيا قد أصيبت إصابة خطيرة في الرأس و فقدت ذاكرتها، لكنّ إحدى الخادمات في القصر علّمتها القراءة و الكتابة فتعلّمت بسرعة و أظهرت موهبة في السحر، فتلقّت تعليمًا في هذا المجال. عادةً لا يُعامل العبيد بهذه الدرجة من اللطف، لكن يبدو أنّ ليروي أحبّ ساسكيا كثيرًا]
[التغيّر في المظهر… كيف حدث؟]
[تجربة سحرية… على الأرجح تجربة لسحر محظور أدّت إلى آثار جانبية. بحسب الخادمة التي زودتنا بالمعلومات، كانت ساسكيا تفعل أيّ شيء لردّ جميل ليروي الذي أنقذها.]
الخادمة التي قدمت المعلومات كانت ابنة كونت عملت سابقًا بالقرب من ليروي، و نجت عائلتها لأنّها انسحبت من الجانب الداعم للعائلة الملكية قبل سقوط تيريفرون بفترةٍ طويلة.
سقطت تيريفرون، لكنّ العقاب اقتصر على العائلة الملكية و القوى الموالية لها، أمّا النبلاء الذين انفصلوا عن الطاغية منذُ زمن فقد نجوا من الإبادة.
[إذن متى حصلت على حماية الموت؟]
[بحسب الخادمة، منذ وصول ساسكيا إلى القصر تقريبًا ،كانت تُغطّي جسدها كلّه بالقماش ولا تُظهره. و عندما يسألها أحد عن السبب، كانت تقول إنّها تعاني من مرض جلدي.]
[…إذن كانت تخفي الوصمة.]
[بالضبط. و حتّى بعد حصولها على حماية الموت، أصرت على تعلّم السحر، مما يعني أنّ السلطات الممنوحة لها قد تكون ضئيلة جدًّا.]
كان يورغن يعرف أكثر من فانيسا، فشرح لها الأشكال الرئيسية التي تظهر بها سلطات موريسينا عندما يحصل عليها إنسان.
[استدعاء الأشباح، السيطرة على الأرواح، التعفّن، الموت المباشر… هذه الأربعة وفق السجلّات. الثلاثة الأولى قد تكون موجودة، لكنّ يبدو أنّ سلطة الموت المباشر لم تُمنح لساسكيا.]
سلطة الموت المباشر هي قوّة تُسبّب الموت الفوري.
لو كانت ساسكيا تمتلك هذه القوّة المرعبة، لكان العالم قد انقلبت أوضاعه الآن.
[و أغلب سلطات الموت يمكن أن تُعادلها سلطة الحياة التي تملكينها.]
[…ما الذي يجب أن أقوله… أشعر أنّ اختيار حماية الحياة لي لم تكن مصادفة.]
[ربّما. إذا كان للحكام خطّة، فنحن نتحرّك داخلها.]
إذن هل اختيار ساسكيا جزء من تلك الخطّة أيضًا؟ لماذا اختارت حاكمة الموت ساسكيا بالذات؟
لم تكن فانيسا تفهم ذلك على الإطلاق.
[حقيقة أنّ ساسكيا هي فيني، أخت غارسيا التوأم…يجب أن تبقى سرًّا، أليس كذلك؟]
[نعم. و الأفضل أن تأخذيه معكِ إلى القبر.]
[ماذا؟ هل ندع غارسيا يعيش طيلة حياته دون أن يعرف أنّ أخته فقدت ذاكرتها و أصبحت ساحرة مجنونة؟]
[هناك حقائق أفضل أن تبقى مجهولة إلى الأبد.]
[…..]
شعرت بثقل شديد في قلبها.
الآن، كانت تشعر بغارسيا الذي يمشي خلفها بقليل، و كأنّها ستجنّ من شدّة الوعي به.
إذا سألها غارسيا عن ساسكيا، هل ستستطيع التحكّم في تعابير وجهها…؟
كانت تشعر بتأنيب الضمير يعصرها.
‘أنا… مهما فكّرت في الأمر، أعتقد أنّ قول الحقيقة لغارسيا هو الأفضل.’
لكنّ يورغن قرّر أنّ إخفاء الحقيقة هو الطريقة الوحيدة لحماية غارسيا.
هو يعرفه أكثر منها، لذا ربّما قراره صحيح…
لكن…
‘…سيبقى ذلك ثقلاً على قلبي على هذا الحال.’
كأنّ حملاً لا يمكن التخلّص منه قد وُضع على كتفيها.
* * *
بعد أن تسبّب إيسكال دريك في آخر محاولاته اليائسة بأحداث عاصفة، مرّت الأيّام القليلة التالية بهدوء نسبيّ.
بدأ التابعون في التحضير الجدّي لزفاف يورغن و فانيسا الرسميّ، فأصبحوا مشغولين جدًّا ، و فانيسا أيضًا انشغلت باختيار الثوب الاحتفاليّ و ملابس للحفلة و المجوهرات و ما إلى ذلك.
‘بالمناسبة، أنا سأتزوّج للمرّة الثانية، و مع ذلك سأرتدي الفستان الأبيض الخاصّ بالعرائس الجدد.’
كان تقليدهم ينص على أن ترتدي العروس التي تتزوّج للمرّة الأولى الأبيض، و الثانية الأخضر، و الثالثة الأحمر.
و أزهار اللّون الأزرق التي ترمز إلى الحظّ يُسمح للعروس الجديدة فقط باستخدامها. أمّا في الزواج الثاني فلا يوجد حظّ يُنتظر، أو شيء من هذا القبيل…
تقليد مضحك.
‘و مع ذلك، أنا التي أتزوّج مرّةً أخرى سأرتدي الثوب الأبيض و أزيَّـن بالزهور الزرقاء.’
لم تكن هناك حاجة إلى السؤال لمعرفة أنّ سبب هذا هو عناد يورغن الواضح.
كأنّه يصرّح بأنّ ‘أنـتِ لم تتزوّجي ليروي تيريفرون أبدًا، و زواجكِ الحقيقيّ معي هو الأوّل فعليًّا’
‘رغمَ أن هذا الزّواج هو الثاني إلا أنني سأتزيّن كعروس جديدة… بصراحة، أشعر بالحرج أمام الناس…’
لكن كيف يمكن كسر عناد يورغن دريك الذي يقترب من الجنون؟
استسلمت فانيسا بسرعة.
عندما يفقد يورغن السيطرة، الأفضل أن تتركه يفعل ما يشاء.
بعد حلّ مشكلة الوباء و عودة التواصل مع الخارج، وصلت إلى فالنسيا بعض الأخبار الجديدة.
و من بينها، ما أحرج فانيسا أكثر من أيّ شيء آخر…
“يا إلهي، مَنٔ هذه! أليست قدّيسة الحياة؟!”
“…..”
بدأت تتردّد في فالنسيا التي أنقذتها قدّيسة الحياة – فانيسا – سمعة جديدة. ليس في الإمبراطورية فقط، بل في كلّ أسترَا.
بصراحة، كانت تتمنّى هذا النتيجة إلى حدّ ما… لكن عندما أصبحت تُدعى قدّيسة فعليًّا، شعرت و كأنّ جسدها سيتلوّى.
“قدّيستي، لماذا تتجاهلين تمجيد هذا الفارس المتواضع؟!”
“اخرس يا غارسيا.”
في هذه اللحظة بالذات، تلاشت مشاعر الشفقة و الحزن تجاه غارسيا. كبحت فانيسا رغبتها العنيفة في ركل ساقه بقوّة.
“قدّيستي، اسمعيني. إذن أنا الذي أخدمكِ، ألستُ فارسًا مقدسًا؟”
كان يتفوّه بالهراء بطرق متنوّعة حقًّا . نظرت فانيسا إليه بنظرة حادّة و أطلقت سخرية لاذعة.
“يا غارسيا، أنتَ أيضًا شربت البارحة، أليس كذلك؟ أين قد تجد فارسًا مقدسًا فاسدا كهذا؟”
“رغم أنني أشرب الخمر إلا أنني لا أثمل، لهذا أشربه. و الفارس المقدّس يكفي أن يكون مقدسًا فقط، أليس كذلك؟ انظري إلى جمالي المتألّق. كم هو مقدس―”
في النهاية، لم تتحمّل فانيسا أكثر، و ركلت ساقه بقوّة.
التعليقات لهذا الفصل " 68"