طقطقة.
أغلقت الباب خلفها.
شعرت فانيسا بدقات قلب غامضة و هي تقترب ببطء من الأريكة.
كما هو متوقع، كان يورغن نائمًا على الأريكة و ساقاه ممدودتان تمامًا.
كانت الأريكة واسعة و طويلة إلى حدٍّ ما، لكن بما أن ساقيه طويلتان جدًّا، فقد برزت قدماه خارج الحافة.
‘هو طويل، و ساقاه طويلتان أيضًا. إنه محظوظ جدًّا.’
فكرت في ذلك دون وعي، ثم تذكرت فجأة جسده العاري الذي رأته في المرة السابقة.
كان جسده مليئًا بالندوب، لكنه بدا جميلاً بسبب عضلاته الصلبة.
جميل… لم تكن تعتقد أنها ستفكر بهذه الطريقة حول جسد رجل.
الطبع، ذلك الموقف السابق كان مخيفًا―
‘يا إلهي، ما الذي أفكر فيه!’
صفعت فانيسا خديها بكفيها و أوقفت أفكارها فورًا
يبدو أنه ليس يورغن وحده الذي أصبح غريبًا هذه الأيام. هي أيضًا أصبحت غريبة معه.
‘استيقظي… لقد جئتِ للحديث عن أمر جاد.’
اقتربت فانيسا أكثر من جانب يورغن. لم يستيقظ رغم حركتها، فقد كان نائمًا بعمق.
يجب أن توقظه سريعًا و تخبره بالحقائق التي اكتشفتها عن ساسكيا… و تقول له إنه يجب التحقيق في ماضيها بالتفصيل.
لكن…
“……”
عندما رأته نائمًا بهدوء هكذا… لم تستطع إيقاظه لسببٍ ما.
جلست فانيسا القرفصاء بجانب رأسه و راقبته بهدوء و هو نائم.
كلما رأته، تفكر في أن رموشه طويلة و كثيفة جدًّا.
وجهه عادةً قاسٍ و بارد، لكنه إذا نظرت إليه بعناية، فهو وجه وسيم.
‘عندما كان رودي، كان حقاً جميلاً و لطيفًا.’
لكنه نمـا ليصبح هذا الرجل الأسود الداكن…
‘بالمناسبة… عندما كان طفلاً، كانت عيناه حمراء، لكنها الآن ذهبية، هل هذا بسبب حماية فيوس؟’
من المحتمل جدًا، لأن اللّون الذهبي الواضح هو رمز فيوس.
هل تسأله عندما يستيقظ؟ هل سيجيبها؟
إذا كان موضوعًا لا يريد الحديث عنه، فقد يغضب، لذا ربما تكتم الأمر فقط.
مدت فانيسا يدها دون وعي و لمست خط فكّه الحاد طويلاً. وجهه وسيم حقًا.
سمعت من أغنيس أن الكثير من النساء اقتربن من يورغن بسبب وجهه ثم غادرن و هنّ مجروحات.
‘بالطبع، وجهه وسيم و بنية جسده جيدة، لكنه مجنون…’
أصبحت يدها الخجولة أكثر جرأة تدريجيًا، فمسحت رموشه، و رسمت شكل حواجبه المستقيمة، و انزلقت على جسر أنفه العالي و الناعم… ثم توقفت عند الشفاه.
“……”
لا تزال فانيسا تتذكر بوضوح القبلة التي تلقتها من هذه الشفاه
تلك القبلة الأولى الخرقاء بوضوح.
عندما وصلت أفكارها إلى هناك، صفعت فانيسا خدها للمرة الثانية.
آه، بجدية. ما الذي أفكر فيه منذ قليل.
‘يجب أن أوقظه سريعًا….’
في تلك اللّحظة بالذات.
امتدّت يد كبيرة فجأة بدون إنذار و أمسكت بمعصم فانيسا بقوة.
دهشت من قوته للحظة، ثم التقت نظراتها بعينيه الذهبيتين اللامعتين التي انكشفت فجأة.
وبّخها يورغن بصوت منخفض.
“……ما الذي تفعلينه.”
في البداية، اعتقدت أنه يوبخها على لمس وجهه بطريقةٍ مشينة، فارتجف قلبها.
لكنها سرعان ما أدركت أن الأمر ليس كذلك.
كان نظره موجهًا إلى خدها الذي يؤلمها.
فركت فانيسا خدها الآخر بيدها الحرة، و أجابت وهي تشعر بالحرج.
“من أجل أن أعود إلى رشدي.”
“……؟”
عبس يورغن كأنه يطلب تفسيرًا إضافيا لهذه الاجابة المختصرة.
بالطبع، لم تكن فانيسا تنوي شرح التفاصيل.
‘كيف أقول إنني لمست وجهكَ لأنه وسيم. لست مجنونة.’
قررت تغيير الموضوع، فحاولت سحب يدها اليسرى الممسكة و قالت.
“آسفة لإيقاظكَ أثناء نومكَ. يبدو أنّكَ متعب جدًّا لتنام هنا. جئت لأمر عاجل… هـ، هلا تترك يدي؟”
لكنه لم يترك معصمها رغم جهدها، فشعرت بالحيرة.
ما هذا؟
هل يستمتع برؤيتي أتألم؟
“ما هو الأمر الذي تريدين الحديث عنه.”
“لا، أولاً المعصم…”
كان لا يزال يمسك بمعصمها حتى بعد أن جلس. شعرت فانيسا بالقلق، متسائلة ما الذي أثار هذا المجنون هذه المرة.
نظر يورغن إليها من أعلى إلى أسفل و قال بنبرة غير راضية.
“أنـتِ نحيفة جدًّا”
“ماذا؟”
دهشت من كلامه المفاجئ، ثم اعتقدت أنه سيترك معصمها أخيرًا، لكنه أمسك بخصر فانيسا بكلتا يديه كأنه يقيس.
سرعان ما ظهر تعبير معقد على وجه يورغن.
شعرت فانيسا بالذهول.
ما هذا الرجل…
هل قاس خصري الآن و تنهـد؟
“لماذا صفعتِ خـدّكِ.”
“هـ، هلا تترك خصري؟”
“لماذا آذيتِ نفسكِ.”
“لم أؤذِ نفسي، بل لأعود إلى رشدي.”
“لماذا احتجتِ إلى العودة إلى رشدك.”
“ذلك…”
أدارت فانيسا نظرها بعيدا عن نظراته الملحّة و حركت شفتاها فقط.
كيف تقول إنها كانت تفكر في أفكار مشينة و هو نائم.
“كان هناك أمر ما.”
“أي أمر.”
“آه، لماذا أنتَ مصرّ هكذا!”
كانت طريقة معاملتهما لبعضهما خفيفة و مريحة مقارنة بالبداية، لكنهما لم يدركا ذلك.
بالضبط، كأنهما عادا إلى طفولتهما.
“المشكلة الآن ليست في عقلي―”
مـدّ يورغن يده و غطى خد فانيسا.
كان جالسًا على الأريكة و هي واقفة أمامه، لذا كان ينظر إليها من أسفل.
رمشت فانيسا بعينيها وهي متجمدة مكانها.
ما هذا الوضع حقًّا ؟
كان تعبير يورغن و صوته كالمعتاد غير مبالٍ، لكن عينيه مختلفتان قليلاً. هل هي تتوهّم أم أن عينيه الذهبيتين الحادتين تبدوان ناعمتين بشكلٍ غريب.
بالطبع، لم تكن ناعمة و لطيفة تمامًا.
استطاعت فانيسا قراءة الاستياء المألوف في عينيه.
لكن ذلك الشعور… يبدو مختلفًا تمامًا عن الوقت الذي كان مختلطًا بنية القتل .
‘لم يعـد…’
يريد قتلي؟
السّبب في رغبته في قتلها كان لأنها تؤذيه. ربما أراد التحرر من كرهه الذي يشبه حفرة النار بتدمير الشخص الذي يكرهه.
‘لكنه لم يتمكن من قتلي حقًّا، بل احتفظ برغبة القتل فقط…’
هل تخلى عن تلكَ الرغبة الآن؟
فتحت عينيها على اتساعهما و راقبته بإصرار، غير مصدقة الواقع.
كان من المفترض أن يشعر بعدم الراحة من نظرها، لكنه الآن يبدو غير مبالٍ.
يده الكبيرة الدافئة لا تزال على خدها، و يده التي تحيط بخصرها كذلك.
لم تكن هذه اللمسات مزعجة لها.
بل على العكس، شعرت بالرضا كأنها ملأت أخيرًا جزءًا كان فارغا و خاليا لفترةٍ طويلة.
كانت تشعر كأنها فقدت شيئًا ثمينًا جدًّا. و الآن، تشعر بالراحة لأنه بجانبها.
أسندت فانيسا خدها على يد يورغن و أغمضت عينيها بلطف. عندما غطت يده بكلتا يديها، انتقل الدفء إلى كفيها أيضًا.
في ذلك الوضع، حركت شفتيها فقط و سألت بهدوء.
“هل لا تزال تكرهني؟”
“……”
الصمت يعني الإيجاب.
ضحكت فانيسا بصوتٍ منخفض.
نعم، الشعور الذي حمله لفترة طويلة لا يمكن أن يختفي بين عشية وضحاها.
“هل… تفضل أن أمـوت؟”
حتى تتمكن من الراحة.
حتى تتمكن من إنقاذ قلبكَ الذي يحترق في حفرة الكراهية…
“……لا.”
في اللّحظة التي سمعت الإجابة، شهقت بعمق.
فتحت عينيها لتتحقّق من تعبيره. لكن قبل ذلك، احتضنت ذراعاه القويتان خصرها بقوة.
شعرت بضيق في الرئتين من القوّة الشديدة.
نظرت فانيسا إلى قمة رأسه الأسود المدفونة قرب صدرها.
بعد فترة، احتضنته بدورها بذراعيها اللتين كانتا تترددان.
رفعت يدها اليمنى قليلاً و مسحت شعره الأسود، فأمال يورغن رأسه قليلاً و نظر إليها من أسفل.
كانت المشاعر العديدة في عينيه الذهبيتين معقدة جداً لقراءتها بسهولة. نظرت فانيسا إليه بهدوء ثم سألت بحذر.
“إذن الآن… ما رأيكَ فيّ؟”
و بعد ذلك― سمعت فانيسا لأول مرة كلمات صادقة من يورغن.
ليست لغزًا، ولا اتهامًا مليئًا بالكره.
بل شظايا ذلك الشعور الضعيف الذي أخفاه خلف حصن حديدي قوي.
“لا أريدكِ أن تموتي.”
خلال سنوات الوعد بالانتقام الطويلة، على الرّغم من أنه حاول تقليله مرارًا، إلا أنه لم يتمكن من إزالته تمامًا.
الشعور الذي يعامل شخصًا آخر كما لو كان نفسه، و يقدّؤه كما يقدّر نفسه.
“أريد ألا تتركي جانبي. لا أزال أكرهكِ، لكنكِ الوجود الوحيد في حياتي، …الآن أعترف بذلك.”
أن أريدكِ رغم كرهي لكِ.
لأن لا أحد غيركِ يمكنه إثارة هذا الشعور.
أنـتِ الوحيدة و الفريدة.
كان الأمر كذلك من البداية.
منذُ يوم اللقاء في سجن تيريفرون تحت الأرض، لا، منذُ زمن بعيد عندما كنت أنتظر يوم الانتقام منكِ…
كنـتِ النور الوحيد الذي أشرق في عالمي المظلم، و الرومانسية الأولى التي أردتها في حياتي.
لذا، من المستحيل أن أترككِ حتى الموت.
لا، ربما حتّى بعد الموت.
التعليقات لهذا الفصل " 67"