اتّسعت عينا فانيسا على مصرعيها عند سماعها هذا الخبر غير المتوقّع.
قوّة مقدسة، من إيسكال؟ بل من النقش السحريّ المحفور على لسانه، هكذا يجب القول ربما؟
“قال صاحب السموّ إنه تحقّق أيضًا بسلطة فيوس…لكن إيسكال لم يكن شخصًا متلقّيًا لبركة مقدسة، و خمّن أن الشخص الذي حفر ذلك النقش السحريّ هو مَنٔ تلقى البركة. لكن الإحساس المتبقّي الذي شعر به صاحب السموّ في ذلك النقش…”
“لماذا تطيل الكلام هكذا؟ تكلّم بسرعة.”
“أعتذر. كلّما فكّرتُ في الأمر أصبحت مشوّشًا… قال إن ذلك الإحساس المتبقّي مشابه لما شعر به في زقاق العاصمة حيث اختفى أرنو تيريفرون.”
“ماذا؟ إذًا…..”
تحرّك شفتا فانيسا بتعبيرٍ متجهّم.
النقش السحريّ المحفور على اللسان.
سحر الكلمة الذي لا يستطيع أحد التعامل معه.
قوّة سحريّة هائلة.
الإحساس المتبقّي الذي اكتشفه يورغن.
كلّ هذه الأدلّة تشير إلى شخصٍ واحد فقط.
“ساسكيا… هل تعاونت مع إيسكال؟ و إذا شعرَ بقوّة مقدسة أيضًا فذلك يعني…”
في لحظة، اجتاحتها الإدراك. أصبح الأمر مؤكّدًا الآن.
أن ساسكيا هي أيضًا واحدة أخرى من “المتلقّين للبركة”.
المشكلة كانت من أيّ حاكم تلقّت تلك البركة.
“….يجب أن نتحقّق.”
“نعم؟”
كان رأسها على وشك الانفجار.
بعد تفكير عميق، نهضت فانيسا فجأة من مقعدها و اتّجهت بخطى واسعة نحو الباب.
“أقصد أنني يجب أن أتحقّق بنفسي من النقش السحريّ على لسان إيسكال.”
* * *
من الطبيعيّ أن تكون جثّة إيسكال قد أصابها التيبّس اللاحق للموت بالفعل.
وضعت فانيسا رأس إيسكال المقطوع بدقّة أمامها و تجهّمت بشدّة.
لحسن الحظّ أنها تناولت الطعام أوّلًا، لو رأت هذه الجثّة المرعبة قبل الوجبة لفقدت شهيّتها تمامًا و ربّما فوّتت الوجبة.
بالطبع، حتى بعد الطعام لم تكن بخير تمامًا. كان شعور الغثيان يعاودها مرّة تلو الأخرى.
‘هل كان من الضروريّ أن أرى هذا…’
لكنها وصلت إلى هنا بالفعل، فلا يمكنها التراجع الآن.
كبحت فانيسا شعورها بالاشمئزاز بقوّة و تفحّصت الجثّة.
كان اللسان قد سُحب بالفعل من قبل أحدهم، فكان معلّقًا بشكلٍ طويل يصل إلى الذقن.
كان شكله غريبًا جدًّا.
“آه…”
عبست فانيسا و هي تتفحّص النقش السحريّ على اللسان بدقّة.
قال إن هناك قوّة مقدسة شعر بها هنا…
كونها أيضًا “متلقّية للبركة”، توقّعت أن تشعر بشيء إذا نظرت، لكنها شعرت فقط بإحساس غامض مربك.
‘…ربما أُطلق قليلًا من القوّة؟’
أدركت فانيسا بعد أن كادت تموت أنها أصبحت قادرة على استخدام قوّة الحاكم بطريقةٍ قريبة من السلطة.
لم تعد بحاجة إلى “الكلمة” لاستخدام قوّة الحاكم.
ليس و كأنها أصبحت عظيمة في استخدام السلطة… بل شعرت بأنها أصبحت أكثر حرّية دون قيود سابقة.
‘دون نية إضفاء حيويّة أو شفاء… إذا أطلقتُ قليلًا من قوّة الحياة نفسها فقط…’
نفّذت فانيسا ما فكّرت فيه بحذر.
خرج ضوء أبيض من أطراف أصابعها، لامس لسان إيسكال قليلًا ثم تناثر كنجوم متساقطة.
“……”
لم يحدث شيء، فقط كان الهدوء يعم المكان . اعتقدت فانيسا انها فشلت و كادت تستسلم، لكن في تلك اللحظة.
“…..!”
انبثق شيء أسود اللون من النقش السحريّ.
طار ذلك الشيء الذي يرفرف في الهواء، و كان عبارة عن فراشة صغيرة سوداء تمامًا.
دارت الفراشة عدّة مرّات حول فانيسا التي تجمّدت بدهشة، ثم اختفت دون أثر.
ساد الصمت غرفة حفظ الجثث لفترة.
كسر الصمت صوت غارسيا الممتلء بالذهول.
“ما الذي حدث للتو… ما ذلك الشيء؟”
تأكّدت من هويّة الفراشة السوداء فقط عندما وصلت إلى مكتبة الكتب.
كان الكتاب الذي رأته منذُ زمن بعيد، فكانت فانيسا غير متأكّدة من ذاكرتها.
‘لقد وجدتها. فراشة الموت…’
الكتاب الذي فتحته فانيسا كان سجلًّا يجمع التسجيلات الرئيسيّة عن الحكام السبعة في مذهب رافينسيا.
قرأت فانيسا الجزء المتعلّق بحاكمة الموت موريسينا و الفراشة السوداء.
[الفراشة السوداء التي تُدعى فراشة الروح أو فراشة الموت، تُعتبر روحًا تمّ جمعها من قبل موريسينا .]
[لا يُعرف متى أو لماذا تظهر الفراشة السوداء.]
[هناك رأي يقول إن ظهور الفراشة السوداء تحذير من كارثة ستحصد أرواحًا عديدة.]
[هناك أيضًا قول إن متلقّي بركة الموت يمكنه التحكّم في الفراشة السوداء، لكن السجلّات نادرة جدًّا فلا يُعرف إن كان صحيحًا.]
لم تتوقّع ذلك… الفراشة السوداء التي انبثقت من النقش السحريّ كانت فعلًا ظاهرة مرتبطة بحاكمة الموت.
إذًا، كما هو متوقّع…
‘الحاكم الذي منح ساسكيا البركة… هو حاكمة الموت موريسينا.’
موريسينا هي الحاكمة التي تدير الموت و الفساد، و تُدعى أيضًا حاكمة العالم السفليّ لأنها تجمع أرواح الموتى.
و… هي أيضًا توأم حاكمة الحياة فينيا.
‘في الأسطورة، يقال إن فينيا و موريسينا تحبّان بعضهما بعمق…’
تعقّدت أفكار عديدة في رأسها.
نها تلقّت بركة الحياة… و لان ساسكيا التي تهدّدها تلقّت بركة الموت. هل كلّ هذا مجرّد صدفة؟
‘هل ساسكيا… مستخدمة للكلمة المقدسة، أم مستخدمة للسلطة؟ إذا كانت الأخيرة، فكيف تُظهر سلطة الموت تحديدًا؟’
لو كانت ساسكيا تمتلك سلطة تسبّب موتًا فوريًّا للهدف، لكان ذلكَ كارثة. لكن، برأيها، لا يبدو أن الحاكمة ستسمح بقوّة خطيرة إلى هذا الحدّ.
‘موريسينا تدير الفساد أيضًا و تحكم الموتى… ربّما تلقّت ساسكيا قوّة مرتبطة بذلك.’
إذًا، ما الذي تحاول ساسكيا فعله بهذه القوّة؟ لماذا خطفت أرنو؟ ماذا تنوي فعله به؟ لماذا تعاونت مع إيسكال؟
‘هل تريد الانتقام من يورغن الذي قتلَ ليروي، و من الإمبراطور؟’
يبدو ذلكَ محتملًا في الوقت الحالي.
لكن الانتقام… لا تعرف فانيسا ساسكيا جيّدًا، لكنها تشعر أنها لا تتناسب مع عاطفة قويّة كهذه.
‘كانت دائمًا تبدو بلا لون كالملابس الرماديّة التي ترتديها دائمًا…’
و مع ذلك، كان لدى ساسكيا اللامبالية هدف هوس.
و هو زوج فانيسا السّابق ليروي تيريفرون.
كان ولاء ساسكيا لليروي أعمى تقريبًا. دائمًا ما كانت فانيسا غير قادرة على فهم سبب خدمة ساحرة ماهرة مثل ساسكيا لـليروي كسيّد لها.
‘رغم أنها أقسمت قسم الطاعة لعائلة تيريفرون الملكيّة…’
لا، الأمر ليس كذلك.
الآن و قد فكّرت في الأمر، لم يكن قسم الولاء ليؤثّر في ساسكيا مطلقًا. فساسكيا تلقّت بركة موريسينا.
بركة الحاكم كفيلة بإبطال قوّة القسم.
‘لهذا استطاعت خطف أرنو. هذا يُفسّر سبب شعور أرنو بالخوف و الخيانة في ذلك الزقاق.’
أومأت فانيسا برأسها مقتنعة بنفسها.
إذًا، متى تلقّت ساسكيا بركة موريسينا تحديدًا؟
هل ساسكيا اسمها الحقيقيّ؟ ماذا كانت تفعل قبل أن تصبح ساحرة ليروي؟
‘…يجب أن أعرف المزيد عن ساسكيا بالتفصيل.’
من المحتمل أن يورغن يحقّق في ذلك بالفعل.
نهضت فانيسا فورًا من مقعدها بنيّة مقابلته و الحديث معه حالا. و في الطريق، لم تنسَ شرح الأمر لغارسيا و رينيه و فينسنت.
بدا الثلاثة مصدومين إلى درجة الذهول عند سماع استنتاج فانيسا.
لا عجب في ذلك. فكلمة الموت تثير خوفًا و شؤمًا.
وصلت فانيسا إلى مكتب يورغن، طرقت الباب مرّتين ثم فتحته مباشرة.
لم يكن المكان غرفة نوم، فلا داعي لانتظار الإذن.
كانت على عجلة من أمرها أيضًا.
لكن عند الدخول… كان المكتب هادئًا بشكلٍ غريب.
وقفت عند الباب و نظرت حولها بهدوء، فلم ترَ المساعد ميلارد الذي يكون دائمًا ملتصقًا بالمكتب، و لا المسؤولين الإداريّين تحته.
هل ذهبوا جميعًا في مهمّة خارجيّة؟
مع حصولهم على إقليم فالمبرغ حديثًا، كان الوقت حافلًا بتلك الأمور بالتأكيد.
رأت أن يورغن غير موجود في مقعده، ففكّرت في الخروج، لكنها لاحظت قدمين بارزتين قليلًا من طرف الأريكة في الوسط.
كان نفس الحذاء الذي يرتديه يورغن عادة. و حجم القدم… يبدو مشابهًا أيضًا.
فكّرت فانيسا للحظات، ثم احمرّ وجهها عندما أدركت أنها تتذكّر حجم قدم أو يد يورغن بدقّة.
على أيّ حال، كان صاحب تلك القدمين يورغن بالتأكيد، فقالت فانيسا بهمس خفيّ للثلاثة الذين يراقبون من خارج الباب المفتوح هنوزًا.
“يبدو أن يورغن نائم على الأريكة. سأدخل لوحدي، فانتظروا أنتم الثلاثة في الرواق.”
التعليقات لهذا الفصل " 66"