كانت تعتقد أنه تغيّر لأنه فقد دفء الماضي. كما يعترف هو نفسه، أنه قد تحطّم تمامًا…
لكنه لم يتغيّر.
لم يتغيّر، بل كان مخفيًّا.
“رودي……”
عندما نادته بهذا الاسم، اتّسعت عينا يورغن و أظهر اضطرابًا أكثر وضوحًا. تمتمت فانيسا دون أن تعرف حتى ماذا تقول.
“أمسك يدي……”
لماذا طلبت ذلك؟
هي نفسها لا تعرف.
رغم أن ذاكرتها غائبة، إلا أن شيئًا ما محفورًا في اللاوعي الخاص بها كان يريده.
و كانت متأكدة الآن أن يورغن سيستجيب لها.
و بالفعل، أطلق يورغن تنهيدة ثقيلة ثم أمسك بيد فانيسا.
كانت يدًا خشنة مليئة بالندوب، كبيرة و قويّة و دافئة.
“أنا لم أمت إذًا……”
“…..”
لم يردّ يورغن على كلام فانيسا السّاخر من نفسها، و اكتفى بتجهّم وجهه. كان تعبيره يبدو و كأنه على وشكِ البكاء.
أرادت أن تسأله: ألم تكن تبكي حينها؟ لكنها تمالكت نفسها. فقد أدركت الآن أن يورغن دريك يحتاج إلى معاملة دقيقة.
نظرت فانيسا في عينيّ يورغن ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة بعض الشيء.
لقد نجوتُ مرّة أخرى.
ضحكت لفكرة أن خيط حياتها شديد المتانة فعلًا.
“لماذا تضحكين؟”
بدت على يورغن علامات القلق على سلامة عقل فانيسا. لم يعد يخفي تلك العاطفة الآن. راقبته فانيسا بإحساس غريب و شرحت له.
“لا، فقط فكرتُ في أن خيط حياتي متين جدًّا… في كلّ مرّة أكاد أموت فيها أنجو بهذا الشكل. حتى قبل أن أنال بركة الحاكم، كنت أعاني من سوء حظ مزعج يوميًّا، و مع ذلك لم أمـت.”
“……”
مع هذه الكلمات، أظلمت تعبيرات يورغن فجأة. كان وجهه ملبّدًا بالغيوم أصلًا، أما الآن فأصبح يبدو كظلام منتصف الليل.
تساءلت فانيسا لماذا أصبح كذلك فجأة، فنظرت إليه مباشرة.
و بعد صمت طويل، جاء اعتراف مظلم مليء باللوم الذاتي.
كان ذلك غير متوقّع.
“سوء حظّـكِ، خطأي أنا.”
“ماذا…؟”
عندما حاول سحب يده، أمسكت فانيسا به بكلتا يديها بقوّة حتى لا يهرب.
فتح يورغن فمه نادرًا بتعبير محرج، ثم تنهّد كعادته، و تابع بصوت كأنه غارق في مستنقع.
“سوء حظّـكِ هو لعنة. أنا… الذي لعنتـكِ فظهرت هذه الظاهرة.”
عندما تأكّد ما كانت تشكّ فيه طوال الوقت، فغرت فانيسا فاهها بدهشة و لم يتحرك فيها إلا جفنيها.
لم تعرف كيغف تردّ، فخرج من فمها أيّ كلام.
“حقًا…؟ هكذا إذًا…”
“هل تكرهينني؟ لقد عشتِ حياة سيئة الحظ بسبب لعنتي.”
“همم…”
الآن، بفضل بركة الحاكمة فينيا، تلاشت تلك اللعنة، لكن قبل ذلك كانت حياتها مزعجة حقًّا.
كانت تتعثّر كثيرًا، تسقط في الماء، يسقط عليها أصيص زهور من الأعلى، تنتقل النار من المدفأة إلى ملابسها، تظهر الحيوانات ردود فعل غريبة… كانت حياتها مليئة بالأحداث إلى درجة تجعل المرء يقول: كيف يمكن حدوث شيء كهذا في العالم؟
لو قالت إنها لا تشعر بأيّ ضغينة… فسيكون ذلك كذبًا. لكن لماذا لا تشعر برغبة في لوم يورغن؟
رغم أنها كادت تموت مرّات عديدة بسبب سوء الحظ الشديد.
“أنا لستُ واسعة الصدر إلى هذا الحدّ.”
“…..”
“يكفي أنني ما زلت أحقد على ديكلان حتى الآن. إذا قرّرت الانتقام من أحد، فلا بدّ أن أنهيه تمامًا.”
استمع يورغن بهدوء لتذمّر فانيسا الذي يشبه تيّار الوعي.
“بالنسبة لي… يبدو أنكَ أكثر خصوصيّة مما كنت أعتقد.”
أومأت فانيسا برأسها مقتنعة بالخلاصة التي توصلت إليها أخيرًا.
يقال: الذراع تنثني إلى الداخل. يصبح الإنسان كريمًا بلا حدود تجاه الكائنات التي يضمّها داخل سياجه. بالطبع ليس كلّ الناس كذلك، بل مَنْ لديهم مثل هذه الطباع.
الأشخاص الذين يتعلّقون كثيرًا بما يملكون، و يشعرون بغيرة امتلاك قويّة.
أدركت فانيسا من جديد أنها من هذا النوع.
أن رودي كان مميّزًا… ربّما لأنها ضمّته داخل سياجها و قرّرت أنه ملكها. من المؤكّد أن ذلكَ كان البداية.
‘…الآن أفهم لماذا كان يورغن يكره محاولتي الاقتراب من أغنيس إلى هذا الحدّ.’
نظرت فانيسا إلى يورغن بعد أن انتهت من تأمّل ذاتها. كان تعبيره معقّدًا و مشوّشًا .
لم تكن فانيسا تقرأ الأفكار، فلم تستطيع معرفة كلّ أفكاره و مشاعره.
كلّ ما كانت تفعله هو الملاحظة و الشعور.
و مع ذلك فقط، استطاعت أن تلاحظ بسهولة أن يورغن الآن مختلف تمامًا عمّا كان عليه سابقًا.
كان التغيير ظاهرًا إلى هذا الحد.
السّبب الوحيد الذي خطر ببالها هو أنها كانت تموت أمام عينيه.
إذا كان ذلك صادمًا إلى هذا الحدّ…
‘حقًّا، هو لم يكن يريد قتلي بصدق طوال هذا الوقت.’
توصّلت إلى خلاصة تعسّفيّة، ثم عادت الشكوك ترتفع فتردّدت.
‘أم أنه ليس كذلك؟ ربّما كان يريد قتلي بصدق، و في الوقت نفسه يتمنّى ألا أموت، هل كلاهما صحيح؟’
الآن أصبحت فانيسا مشوّشة.
لو كان هذان الشعوران المتضادّان يتصارعان داخل النفس، لفقدَ الإنسان عقله.
لكن يورغن تم اختياره من قبل حاكم الجنون. هذا يعني أنه مجنون معترف به من الحاكم. و من تجارب فانيسا حتى الآن، يورغن رجل مجنون بالتأكيد.
إذًا، لا عجب أن تكون نفسه ساحة معركة تتقلب بين الجليد و الحمم بلا توقّف.
‘حتى الآن… يبدو أنه يقاتل بجدّ داخل نفسه، مهما كان السبب.’
قرّرت فانيسا، بعد هذا الحكم، ألا تثير يورغن و تخلق مشكلة لا داعي لها.
لم تردّ فانيسا الجدال معه أو خوض معركة عاطفيّة. أدركت أنها تستطيع التصرّف بمزيد من النضج في هذه العلاقة مقارنة به.
يورغن، على عكس مظهره، حساس جدًّا و صعب المزاج، و إن لم يُعامل بحذر يصبح شرسًا كالقطّ.
لكنه قطّ كبير جدًّا، إذا أردنا الدقّة فهو نمر أسود… على أيّ حال، من الأفضل بكثير تهدئته بلطف بدلًا من استفزازه.
أطلقت فانيسا يده بهدوء و قامت من السرير.
لم تعد تشعر برغبة في النوم أكثر.
بفضل بركة الحاكمة فينيا، تعافى جسدها تمامًا بالفعل.
بدلًا من ذلك، اجتاحتها رغبات بدائيّة كالجوع و العطش. و بالإضافة إلى ذلك، أرادت الاستحمام.
اقتربت فانيسا من الطاولة و هي تلقي نظرات خاطفة على يورغن الذي يتبعها بعينيه.
كأنّ عينيه الذهبيّتين الثابتتين تسألان: هل أنتِ بخير تمامًا دون ألم؟
كان شعورًا غريبًا حقًّا أن تتلقّى قلق يورغن دريك العلنيّ.
شربت فانيسا كأس ماء، ثم استحمّت بهدوء، ثم خضعت لفحص الطبيب الخاص و تناولت وجبة خفيفة.
خضعت لفحص الطبيب لأن يورغن أصرّ على ذلك. بل إنه راقبها طوال الوجبة ليتأكّد من أنها تأكل جيّدًا.
كلّما أرادت وضع الأطباق، كانت تنطلق نحوها نظرات كأنها تتّهمها: لماذا لا تأكلين أكثر؟
ثم يختار الطعام بنفسه و يضعه في طبقها و يجبرها على إنهائه، و نظراته كانت تدلّ على أنه ليس بوعيه الكامل.
أدركت فانيسا و هي تحشر الطعام الذي فرضه يورغن في فمها: نعم، تغيّرت طريقته في معاملتي، أصبحت أقلّ حدّة… لكنه… ما زال مجنونًا!
كان تعبير جنونه يظهر في اتّجاه مشوّه ما…
عندما تذكّرت فانيسا أنها ستتزوّجه قريبًا، شعرت بقلق غامض دون سبب واضح.
“…أمم، يورغن.”
“……”
“أليس لديكَ عمل؟ أليس هذا كثيرًا؟ أنت دوقٌ بعد كلّ شيء.”
منذ أن كادت تموت، أصبح يورغن غريبًا بالتأكيد.
توقّعت أن يخرج من الغرفة بعد الوجبة، لكنه بقي ملتصقًا بجانبها كأنه جذر.
كادت فانيسا تجـنّ من نظراته التي تراقبها و التي لم تفارقها لحظة.
‘ليأتِ مساعده و ليأخذه من هنا لو سمحتم…!’
كأنّ القدر استجاب لمشاعر فانيسا التي بلغت حدّها، ظهر فعلًا المساعد ميلارد و أقنع يورغن.
قال إن هناك كومة من الأمور التي يجب معالجتها فورًا.
خرج يورغن و هو مضطر، و مع ذلك التفت إلى فانيسا أكثر من خمس مرّات. و لم ينسَ أن يضيف كلامًا لا تدري أهو نصيحة أم تحذير.
“لا تقومي بأيّ حماقة و ابقي هادئة.”
“حسنًا، فهمت، اذهب سريعًا!”
أغلق الباب أخيرًا و اختفى يورغن من نظرها.
شعرت فانيسا أخيرًا بإحساس تحرّر لا يوصف من الخلاص من نظراته.
بعد قليل، جاء كلّ من رينيه و غارسيا و فينسنت، فاستمعت فانيسا من الثلاثة إلى الأخبار المتأخّرة.
“…..و بعد التأكّد، وجدنا فعلًا نقشًا سحريًّا على لسان إيسكال. لكن ما يوجد في ذلك النقش ليس القوّة السحريّة فقط…”
توقّف غارسيا قليلًا و هو يراقب حالة فانيسا، ثم أكمل.
“…بل شعرَ بقوّة مقدسة أيضًا، هذا ما قاله صاحب السموّ الدوق.”
التعليقات لهذا الفصل " 65"