في الواقع، لم يكن هذا تهديدًا، و لا كلامًا فارغًا.
مهما كان ردّ فعل يورغن، كان إيسكال ينوي طعن فانيسا.
قتل فانيسا.
ذلك كان الاتّفاق الذي عقده مع ساحرة ديكلان.
و……
‘كنتُ فضوليًّا.’
كيف سيكون ردّ فعل يورغن إذا ماتت فانيسا أمام عينيه.
لذلك كان يجب أن يُحسن ضبط عمق الطعنة. فالموت الفوريّ سيكون مشكلة.
عمق مناسب، غير مميت جدًّا…… بحيث تموت خلال دقائق من نزيف مفرط، لكن مع إعطاء أمل بإمكانية إنقاذها.
“10……”
بدأ إيسكال العدّ من عشرة كما أعلن مسبقًا.
كان تعبير يورغن المتغيّر لحظة بلحظة ممتعًا للمشاهدة.
لم يكن يعلم أنّ وجهه قادر على التعبير عن مشاعر متنوّعة إلى هذا الحدّ.
تسربت ضحكة خفيفة منه.
“5، 4، 3……”
قبل أن يُكمل العدّ، تحرّك يورغن. و بما أنّ إيسكال توقّع ذلك، طعن عنق فانيسا بعمق قام بحسابه مسبقًا.
في الحال غطّت قوّة فيوس الذهبيّة إيسكال. تحت ذلك الضغط الهائل، لم يتمكّن من الحركة مطلقًا.
كان يجب أن يسحب الشظيّة من عنق فانيسا.
عندها ستنفجر الدماء من الشريان المقطوع كالنافورة…… لكن جسده كلّه، حتى شعرة واحدة من رأسه، تجمّدت كأنّها جليد.
ثمّ حدث كلّ شيء في لمح البصر.
انتزع يورغن فانيسا من إيسكال و حملها بين ذراعيه، ثمّ قطع عنقه بضربة واحدة من سيفه الممسوك بيده الأخرى.
تدحرج الرأس المقطوع بدقّة على الأرض، ثمّ اصطدم بالجدار بصوتٍ خفيف.
دخلت شبكة السقف المربّعة في مجال رؤيته الذي توقّف عن الاهتزاز. كان ذلك آخر ما رآه إيسكال.
“فانيسا.”
نظر يورغن بسرعة إلى فانيسا التي يحملها بين ذراعيه.
كان خيط دم رفيع يتدفّق من عنقها المطعون بشظيّة الخزف، و كانت الدماء تتدفّق من فم فانيسا أيضًا.
“……لا.”
تبخّرت كلّ الأفكار في رأسه.
شعر و كأنّ الرؤية تسودّ أمام عينيه. أمسك يورغن بفانيسا و أخرج الكلمات كما تتبادر إلى ذهنه.
“استخدمي الكلمة المقدّسة! بسرعة……!”
لكن فانيسا لم تكن في حالة تسمح باستخدام الكلمة المقدسة. فالقوّة ربّما تكون ممكنة، أمّا الكلمة المقدسة فلا بدّ أن تمرّ عبر قناة “الكلام” لتظهر.
“لا……”
تمتم يورغن كسخصٍ فقـدَ عقله. لم يعد يستطيع التفكير في أيّ مشاعر يشعر بها الآن، أو أيّ كلام يقوله.
كان اليأس الذي يشبه سقوط الأرض تحت قدميه لا نهائيًّا هو الشيء الوحيد الواضح.
حرّكت فانيسا شفتيها المغمورتين بالدم كأنّ لديها كلام تريد قوله. لكن لم يخرج صوت.
بدأ الضوء يتلاشى تدريجيًّا من عينيها الزرقاوين الداكنتين.
مع رؤيته لذلك المشهد، بدأ الضوء يتلاشى أيضًا من عالم يورغن.
شعر و كأنّه يسقط في ظلام أبديّ لا نهاية له.
فانيسا كانـت تمـوت.
رغم مشاهدته بشكلٍ مباشر لكيفية تحوّل تلك الحقيقة إلى واقع، إلّا أنّه لم يصدّقها.
بينما كان ينكر الواقع بشدّة، أدرك فجأة كأنّه طُعن بحربة حادّة.
أنّه لم يتمنّى موتها بصدق و لو لمرّة واحدة.
و قد منحها التعاسة أيضًا.
تدفّقت الدموع الساخنة على خدّيه. منذ متى وهو يبكي دون أن يدرك؟
بدأت المشاعر التي داس عليها بلا رحمة و تحطّمت إربًا إربًا في استعادة لونها الأصليّ. ملأت قلبه كأنّها تخبره بأنه لم يعـد بإمكانه تجاهلها.
“أنا……”
كان الرّجل المحطّم غير قادر على العيش دون التشبّث بهدف الانتقام.
يحتاج الإنسان إلى قوّة دافعة ليعيش. ليس فقط للأكل والعيش، بل ليعيش كإنسان يحمل روحًا.
الحياة بلا روح كقشرة فارغة. مثل هذه الحياة سرعان ما تجفّ و تذبل و لا تصلح حتى لتكون سمادًا للأرض.
قوّة الانتقام الدافعة كانت تحرق روحه بألم، لكنّها مكّنته من العيش.
خلال الفترة التي تشبّث فيها بالانتقام فقط، نحت يورغن كلّ مشاعره الهشّة.
فأصبح صلبًا و حادًّا كسيف مشحوذ جيّدًا.
كلّ جوانبه كانت كذلك أيضًا.
لم يكن مبالغة القول إنّه لو طُعن لسال الحديد منه بدل الدم.
كان واثقًا من أنّه لن يتزعزع بعد الآن أمام أيّ شيء.
……حتى أعاد لقاء فانيسا، كان كذلك.
‘أنـتِ في النهاية هززتِ كياني.’
كما فعلتِ منذُ زمن بعيد، مرّة أخرى.
اقتحمتِ مجالي دون إذن، هززتِ و هدّمتِ ما بنيته بجهد ليكون صلبًا.
رغبتي في قتلكِ كانت جزئيًّا لأنّني أكرهكِ إلى حدّ الرغبة في قتلكِ، لكنّها في الوقت نفسه كانت خوفًا.
خوفًا من أن تهزّيني و تحطّميني.
من أن تدمّري عالمي الذي تصلّب رافضًا التغيير، و تعيدي بناءه حولكِ.
منذ زمن بعيد، عندما أنقذتِني، كنتُ بالفعل ككوكب يدور في مداركِ، مقيّدًا بكِ.
“فانيسا……”
و ربّما…… ظننتُ أنّني تحرّرت الآن، لكنّني ربّما ما زلتُ مقيّدًا بكِ.
ماذا يحدث لعالم فقـظَ شمسه.
سيُحبس في ظلام لا نهائيّ بلا ذرّة ضوء.
بينما كان يورغن يشاهد فانيسا و هي تفقد أنفاسها، و يغوص في مستنقع يأس بلا قاع، في تلكَ اللحظة.
“……!”
ملأ ضوء أبيض نقيّ و صافٍ حدقتيّ فانيسا فجأة.
كان ضوءًا ساطعًا و واضحًا إلى حدّ يُعمي العينين.
غطّى ذلك الضوء جسد فانيسا بدفء.
خفق قلب يورغن بجنون.
هل يمكن إنقاذها؟
سحب يورغن شظيّة الخزف من عنقها بحذر، بمشاعر لا يمكن أن تكون أكثر تضرّعًا.
عندها سدّ الضوء الأبيض النقيّ كالثلج جرح العنق، و شفاه بسرعة.
“……”
كانت هذه القوّة بلا شكّ قوّة الحياة.
حدّق يورغن بفانيسا و هو مذهول.
شفيت كلّ جروحها، و اختفت بقع الدم، و استقرّ تنفّسها تدريجيًّا.
رمشت عينا فانيسا المغشيّتين ببطء. تجوّلت عيناها غير المركّزتين في الفراغ عدّة مرّات، ثمّ استقرّتا أخيرًا على وجه يورغن، و أغمضتهما بهدوء.
اختفى ضوء الحياة اللامع قريبًا كأنّه امتصّ داخل جسد فانيسا.
وضع يورغن يده المرتجفة على عنقها و جسّ نبضها. شعر بنبض قويّ.
في تلك اللحظة تدفّقت دمعة أخرى على خدّه بعد أن توقّفت.
…… لقد عاشت.
لم تمـت.
انتقلت حرارة جسد إنسان حيّ و خفقان قلب من الجسد النحيل الذي ضمّـه بقوّة.
في ذلك اليوم، انهار يورغن دريك للمرّة الثانية.
* * *
[انسـي، فانيسا. هذا هو الطريق من أجلكِ.]
[أبي، ما هذا…… آه!]
[ابنتي…… أميرة لوينغرين الوحيدة، لا يجب أن تُسلبِي من قبل رجل مشؤوم كهذا. ذلك الرجل سيجعلكِ تعيسة لا محالة.]
سرعان ما بدأت الرؤية تومض بالسواد، و اجتاحهل ألم يشبه انشطار الرأس كالأمواج.
في اللحظة التي لم تعد تتحمّل فيها الألم، فقدت فانيسا في الحلم وعيها.
وفي الوقت نفسه، استيقظت فانيسا في الواقع من الحلم.
“ها……!”
كان ألم الرأس الذي يشبه انشطاره نصفين ما زال موجودًا.
تقطّعت أنفاس فانيسا و هي تتلوّى.
“……نيسا!”
اختلط صوت يناديها بقلق مع صدى هلوسة في رأسها.
[صاحبة السموّ، إذا راودكِ الشكّ يومًا ما……]
[اتّبعي هذا الطريق و تعالي إليّ. إلى كوخ العجوز الساحرة……]
كالريح التي تتسلّل من شقّ نافذة مكسورة، تدفّقت بعض الذكريات المنسية بسرعة.
‘الساحرة التي كانت تعيش في الغابة……’
تلك العجوز التي كان والدها يزورها أحيانًا ليطلب نصيحتها، قيل إنّها عاشت أكثر من مائة عام.
كان والدها يناديها بالحكيمة، أو بالمعلّمة. لا تعلم لماذا عادت ذكراها فجأة، لكنّها شعرت بيقين أنّها أمسكت بخيط مهمّ.
‘للقاء العجوز، يجب أن أذهب إلى لوينغرين.’
مكان سكن العجوز هو غابة المتاهة القريبة من قصر لوينغرين الملكيّ. غابة يسهل الضياع فيها، لذا كان ممنوعًا عليها و هي صغيرة اللعب فيها وحدها.
لكنّها كانت تتذكر طريق كوخ العجوز بوضوح. ليس إلّا لأنّ العجوز نفسها أخبرتها به بالتفصيل.
بالطبع، كانت ذكرى تتذكّرها الآن فقط. كأنّها كانت مختومة، عاشت حتى الآن ناسية إيّاها.
‘بالتأكيد، يجب أن أخبر يورغن برغبتي في الذهاب إلى لوينغرين و لو بكلمة……’
مع تلاشي الصداع تدريجيًّا، نظّمت فانيسا أنفاسها و فتحت عينيها ببطء بعد أن أبقتهما مغمضتين حتى ذلكَ الحين.
أوّل ما دخل مجال رؤيتها كان سقف غرفتها المألوف، ثمّ……
عندما أدارت رأسها جانبًا، كان يورغن جالسًا على كرسيّ بجانب السرير كتمثال.
“يورغن……”
عندما نادته بصوتٍ خشن و أجشّ لعدم تهيئة حلقها، انتفض يورغن.
ارتجفت نظرته الذهبيّة بعنف.
مدّت فانيسا يدها فجأة لرغبتها في لمسه. لكن يورغن بقي متصلبًا مكانه دون حركة.
حدّقت فانيسا فيه و هو يبدو كئيبًا بشكلٍ غريب، و استعادت ذكرياتها السابقة.
‘أنا، بالتأكيد طُعنتُ في عنقي من قبل إيسكال و كنتُ على وشكِ الموت……’
كان الدم يرتدّ إلى حلقها، و تسربت قوّة جسدها كلّها، و شلّت الصدمة جسدها و ذلك الألم الذي جربته لأوّل مرّة.
آه، سأموت هكذا.
تلكَ كانت الفكرة الوحيدة التي خطرت لها. ثمّ رأت وجه يورغن الغارق في اليأس.
كان يبكـي.
كان لون تلكَ الدموع مطابقًا لتلك المرّة منذ زمن بعيد.
عندما كان رودي الخاصّ بها…….
التعليقات لهذا الفصل " 64"