المشكلة كانت في رينيه التي تشبه الأفعى السامة و تلك الكلاب الضالّة، لكنّه نجح في تنويمهم ببساطة بقوّة سحر الأمر.
ركل إيسكال جسد غارسيا المُلقى على الأرض بقدمه عدّة مرّات، ثمّ أمسك بمقبض باب الغرفة.
كانت الغرفة هادئة جدًّا، و كأنّها لا تعلم بالضجيج الذي حدث خارج الباب.
ابتسم إيسكال ابتسامة خفيفة، ثمّ لفّ المقبض و فتح الباب. لم يصدر صوت احتكاك حتّى، ربّما لأنّ المفاصل مدهونة بالزيت.
دخل إيسكال ببطء و بدون إصدار أيّ صوت. كانت غرفة فانيسا قد تغيّرت قليلاً عمّا رآه آخر مرّة.
بينما كان يتفقّد الغرفة بهدوء، وقعت عيناه على فانيسا النائمة على السرير.
شعر إيسكال بابتسامة واسعة ترتسم على وجهه، و هو يتقدّم نحوها خطوة بخطوة.
بدت فانيسا نائمة بعمق، فلم تتحرّك أبدًا.
توقّف عند حافّة السرير و نظر إلى وجهها مليًّا. كان وجهًا غير واقعيّ من شدّة جماله، كما هو الحال دائمًا.
‘بوجه كهذا، حتّى أخي الأكبر وقع في غرامها…’.
ليس غريبًا إذن أن أُفتن بها أنا أيضًا.
اقتنع إيسكال بذلك، ثمّ مدّ يده نحو وجه فانيسا.
عندما مرّر أصابعه بحذر على خدّها الناعم، عبست قليلاً و تقلبّت في نومها.
كانت تلك التعبيرات الحسّاسة تبدو جذابة بطريقةٍ ما.
راود إيسكال شعور غريب و هو يداعب شعرها الناعم، و يراقب شفتيها الورديّتين اللتين تتمتمّان بكلمات غير مسموعة.
بعد حين، بدأت رغبة غريبة تنتشر في أعماقه.
تبع إيسكال غريزته و صعد فوق جسدها.
كان على وشكِ أن ينحني ليقبّل تلكَ الشفتين اللتين طالما نظر إليهما.
“…..!”
فتحت فانيسا عينيها فجأة.
تجمّدت للحظة كالصخرة، ثمّ أدركت الوضع سريعًا و صرخت.
في اللّحظة التي حاول إيشكال فيها سدّ فمها، رفعت فانيسا ركبتها فجأة، و ضربته بقوّة شديدة في منطقته الحسّاسة.
“آه….!”
بينما كان إيسكال يترنّح من الألم الذي لا يُطاق، تدحرجت فانيسا و خرجت من تحته.
ركضت مسرعة نحو الطاولة القريبة، سحبت الزهور من إناء خزفيّ و رمته، ثمّ أمسكت الإناء نفسه كسلاح.
حتّى في مثل هذا الوضع، كان غارسيا و الآخرون صامتين، ممّا يعني بالتأكيد أنّ إيسكال فعل بهم شيئًا ما.
“…رائعة حقًّا، يا صاحبة السموّ. هذه ليست المرّة الأولى أو الثانية التي تركلين فيها، أليس كذلك؟”
خرج إيسكال من السرير متعثّرًا و نهض ببطء.
تنهّد ثمّ رفع غرّته إلى الوراء، و بابتسامة ودودة كأنّ شيئًا لم يكن، نظر إلى فانيسا.
عبست فانيسا من وقاحته، و تحرّكت خلسة نحو الباب، رافعة الإناء الخزفيّ كمطرقة فوق رأسها، جاهزة لضربه إن اقترب.
“يبدو أنكِ تفكّرين في الخروج و الهرب من هنا… لكنّ ذلك لا فائدة منه، صاحبة السموّ. لن يساعدكِ أحد، فقد جعلتهم جميعًا ينامون.”
نظر إلى فانيسا و هي تضيّق حاجبيها و تحدّق فيه كأنّها تسأل ما معنى ذلك، فأغمض إيسكال عينيه كالهلال مبتسمًا، ثمّ أخرج لسانه الطويل كاملاً.
اتّسعت عينا فانيسا عندما رأت الصيغة السحريّة المنقوشة على لسانه.
“ما هذا؟ ذلك…”
“كما ترين، صيغة سحريّة.”
في اللّحظة التي تراجعت فيها فانيسا مذهولة، تقدّم إيسكال نحوها بخطوة واسعة. كان يستمتع بهذه اللّحظة المشحونة بالتوتّر، و يطاردها كما يطارد الصيّاد فريسته.
“لا تقترب! سأقتلك.”
“هل تعلمين شيئًا، يا صاحبة السموّ؟”
ركضت فانيسا مسرعة نحو الباب. همس إيسكال بصوت يحمل ضحكة، مستخدمًا سحر الأمر.
“توقّفي.”
تجسّدت قوّة السحر، فتجمّد جسد فانيسا فجأة. نظرت إليه بعينين شاردتين فقط، و وجهها شاحب.
“أنا فضوليّ جدًّا… ما التعبير الذي سيظهر على وجه يورغن إن سُلبتِ منه…”
“ما… هذا آغغ!”
رغمَ أنّها وعاء صغير، إلّا أنّها محميّة ببركة الحاكم، فكانت فانيسا تقاوم سحر الأمر بيأس.
“أو ربّما… إن رأى اغتيالكِ أمام عينيه… هل سيغرق يورغن في اليأس و الغضب؟ ما رأيك، صاحبة السموّ؟ هل نجرب ذلك معًا؟”
“أيّها….المجنون…”
“أرى أنّكِ لا تزالين قادرة على شتمي، إذن لا تزالين تتحمّلين.”
تجاوز إيسكال فانيسا و خرج إلى الرواق أوّلاً. كان غارسيا و الآخران لا يزالان ملقيّين في الرواق. توقّف إيسكال في مكان يراه فانيسا بوضوح، ثمّ استخدم سحر الأمر.
“اركعي و ازحفي نحوي كالكلبة. آه، ضعي ذلك الإناء جانبًا أوّلاً.”
كلاك!
أسقطت فانيسا الإناء من يدها، رضخت، ثمّ ركعت وهي ترتجف، و عندما وضعت يديها على الأرض، جرحت شظايا الخزف يديها فسال الدم.
نقر إيسكال بلسانه عند رؤية ذلك.
لم يقصد إسقاطه، بل وضعه بهدوء…
على أيّ حال، إن لم يكن الأمر دقيقًا، فقد تحدث مثل هذه النتائج غير المقصودة.
زحفت فانيسا على أربع و هي تحدّق في إيسكال بعينين محمرّتين بالغضب.
كان ذلك المنظر يمنحه شعورًا رائعًا.
ترك إيسكال زاوية فمه ترتفع كما تشاء، و هو يراقبها.
وصلت أخيرًا أمامه، فركعت و رفعت نظرها إليه.
كانت بشرتها البيضاء النقيّة ملطّخة بدماء حمراء من جروح الشظايا هنا و هناك.
مرّر إسكال يده على وجهه، و تمتم كأنّه يتنهّد.
“آه، هذا حقًّا رائع…”
“……”
“لو بكيتِ سيكون ذلك أفضل، يا فانيسا.”
حدّقت فيه فانيسا بنظرة كأنّها تريد قتله.
شعر إيسكال بإثارة غريبة من روح التمرّد المتأجّجة في عينيها، فتنهد.
بالتأكيد، قتلها هكذا سيكون إسرافًا.
“كنت أنوي في الأصل جرّكِ أمام يورغن ثمّ قتلكِ…”
لكن ألا يمكن تأخير القتل قليلاً؟
لا داعي لقتلها على الفور.
المهمّ هو قتلها في النهاية فقط.
عندما رأى فانيسا التي تمنحه هذا الشعور بالسعادة، شعر بعطش لا يمكن التخلّص منه.
قرّر إيسكال أن يقوم بشيء أكثر متعة بدلاً من قتلها الآن.
“حسنًا، يا صاحبة السموّ… قومي أوّلاً…”
في تلك اللّحظة التي كان على وشكِ إعطائها أمرًا جديدًا.
لمع ضوء أبيض ثلجيّ فجأة في عينيّ فانيسا، ثمّ رفعت ذراعها بسرعة.
حدث ذلك في لمح البصر. أدرك إيسكال أنّ شظيّة خزفيّة حادّة طعنت كتفه، فتجمّد مكانه.
“هاها…”
بعد قليل، نزع شظيّة الخزف من كتفه و ضحك كأنّه لا يصدّق.
كانت فانيسا ملقاة على الأرض و هي تلهث.
نجحت في مقاومة سحر الأمر للحظة بقوّة البركة و هاجمته، لكنّها أصبحت غير قادرة على الحركة بسبب الارتداد.
“رائعة.”
أعجب إيسكال بها بصدق.
قالوا إنّها وعاء صغير. كان يتساءل كم ستكون مذهلة لو نمـت أكثر.
بالطبع، مصيرها سيكون الموت قبل أن تنمو…
قال إيسكال بابتسامة ساخرة خفيفة.
“صاحبة السموّ، هل نذهب في نزهة؟ حسنًا، انهضي.”
نهضت فانيسا مرتجفة مطيعة لأمره.
كانت دموع صافية تسيل من عينيها الزرقاوين.
دموع مليئة بالغضب.
أعجب إيسكال بشخصيّة فانيسا التي لا تنحني أبدًا.
لذلك أراد أكثر أن يدوس عليها و يكسرها.
“اتبعيني بهدوء.”
أمسك إيسكال بشعر فانيسا بعنف و سحبها خلفه.
أيّ مكان سيكون جيّدًا… هل يعودان إلى السجن تحت الأرض؟ ذلك ليس سيّئًا.
تسربّت ضحكة من بين شفتيه.
لكن يبدو أنّ حظّه سيّئ هذا الفجر.
“آه، يا للأسف…”
كان يستمتع بوقت رائع، لكنّه صادف يورغن تمامًا.
‘ظننته نائمًا.’
هل شعر بما يحدث بحدسه الوحشيّ؟
بالنسبة يورغن، هذا ممكن جدًّا.
“إيسكال…”
تمتم يورغن كأنّه يمضغ الكلمة. كانت عيناه الذهبيّتان تحترقان كالشعلة منذُ اللحظة التي رأى فيها فانيسا المُمسكَة بتلابيبها الممزّقة.
ابتلع إيسكال ريقه بصعوبة.
عندما واجه الغضب الواضح في تلك العينين الذهبيّتين، شعر برجفة في ساقيه.
كأنّه يقف عاجزًا أمام تنّين عملاق شرس.
“كان يجب أن أقتلكَ منذُ زمن.”
تمتم يورغن بغضب، و سحب سيفه. كانت هالة فيوس الذهبيّة تتدفّق منه. قوّة الجنون دائمًا ما تجتاح كلّ شيء حوله بعنف كأنّها ستبتلعه.
رغمَ الخوف الذي جعل يده ترتجف، أخرج إيسكال شظيّة الخزف التي وضعها في جيبه سابقًا، و وضعها على رقبة فانيسا.
“توقّف، أخي الأكبر.”
عند التحذير المنخفض، توقّف يورغن فجأة.
علقت نظرته بشظيّة الخزف الحادّة التي تجرح رقبة فانيسا بخفّة.
شعر إيسكال بمزيج مجنون من الرعب و الإثارة، وهو يردّد العبارة المعدّة.
“سأعدّ من عشرة، أخي الأكبر. في اللحظة التي أقول فيها واحد، سأطعن رقبة صاحبة السموّ، فحاول إنقاذها إن استطعت.”
التعليقات لهذا الفصل " 63"