“لماذا تفعلين شيئًا لم تفعليه من قبل. و بدون داعٍ أيضًا.”
صحيح. لسنا من النوع الذي يقلق أحدنا على الآخر و يهتمّ به.
خدشت فانيسا خدّها في إحراج.
لكنّكَ أنت أيضًا اهتممتَ بي عندما مرضتُ. رغم أنّك لن تعترف بذلك أبدًا.
ابتلعت الكلمات المتجمّعة في داخلها بصعوبة، و فكّرت فانيسا في إجابة قد تقنع يورغن ثمّ أخرجتها.
“لأنّنا على وشكِ الزّواج……؟ هذا القدر على الأقلّ يجعل الأمر لا يبدو مريبًا أمام الآخرين.”
“……”
اعتقدت أنّه عذر قد ينجح نوعًا ما. لكنّ وجه يورغن كان مشوّها كمَن عضّ حشرة.
سألها بسخرية.
“يبدو أنّكِ قرّرتِ التّخلّي عن الكبرياء و كلّ شيء الآن؟”
“حسنًا…… أنا دائمًا أضع بقائي على قيد الحياة في المقام الأوّل.”
عندما أجابت فانيسا بهدوء، ضحكَ يورغن بعصبيّة و جلس في مكانه.
كانت تظنّ أنّه لا ينظر إلى الطّعام منذ قليل لعدم رغبته في الأكل، لكنّ ذلك لم يكن صحيحًا ظاهريًّا.
جلست فانيسا بهدوء مقابلته و هي ترتشف من الماء الخاصّ بها فقط.
الآن و قد تذكّرت، كانت هذه المرّة الأولى التي تراقب فيها يورغن وهو يأكل بهدوء كهذا. لذا شعرت بغرابة ما.
‘إنه يأكل بشكلٍ جيّد جدًّا.’
لم يكن يقضم الطّعام بطريقةٍ مقزّزة أو يطمع في كمّيّة كبيرة جدًّا، بل كان يركّز تمامًا على فعل الأكل و يحمل الطّعام إلى فمه.
آداب الطّعام لديه كانت مثاليّة، و طريقة مضغه نظيفة جدًّا، و مع ذلك لم تكن تبدو أرستقراطيّة أو أنيقة، بل شعرت ببعض الخشونة.
لكنّ ذلك كان يناسبه تمامًا.
‘لو أكل ببطء و بأناقة تدريجيًّا، لما بدا مناسبًا أبدًا……’
“هل اكتسبتِ هواية الجوع؟”
“ماذا؟”
عندما ردّت فانيسا تلقائيًّا على سؤاله المفاجئ، أدركت قصده فأصدرت صوت “آه”.
كان طبقها أمامها نظيفًا لأنّها لم تأكل شيئًا بعد.
“كنتُ أفكّر قليلًا……. الآن سآكل.”
“هاها …”
ضحكت بإحراج و وضعت الطّعام في طبقها بكمّيّة كبيرة ثم بدأت تأكل بشراهة، فانسحب نظر يورغن أخيرًا.
شعرت فانيسا بأنّها قد تختنق قليلًا و هي تضع لحم الدّيك الرّوميّ في فمها.
كان طبق الدّيك الرّوميّ الذي بذل فيه الطّباخ جهدًا من أجل يورغن العائد من الحملة لذيذًا بالفعل.
ابتلعت رشفة من النّبيذ لتنظيف فمها، ثمّ أكلت بقيّة الأطباق ببطء. كان يورغن يأكل بهدوء أيضًا، فلم يجرِ حوار بينهما.
……كيف أصف الأمر، كان وقت طعام غريب يسوده سلام هشّ و توتر في آن واحد.
* * *
‘لقد حلّ اللّيل بالفعل……’
وقفت فانيسا عند نافذة غرفة نومها تنظر إلى المنظر الخارجيّ.
كان ضوء القمر النّصفيّ الخافت يداعب الحديقة الهادئة التي غطّاها الظّلام.
تذكّرت بهدوء الوقت الذي تناولت فيه الطّعام مع يورغن اليوم.
ذلك السّلام الغريب وسط التّوتّر. شعور الوجود معه. قد يكون وهمًا من جانبها.
الماضي الذي دمّر يورغن…… لن يمكن استعادته. لكنّ فانيسا رأت اليوم لمحة ضعيفة من أمل في التّغيير لديه.
‘اليوم كان جيّدًا نوعًا ما. أليس كذلك؟ أم أنّني أتوهّم بحماس أحمق؟’
ابتسمت فانيسا ابتسامة خفيفة و أطرقت رأسها.
إن زرتُ لوينغرين…… و استعدتُ ذكرياتي.
حينها قد يتغيّر شيء حقًّا.
لا يزال أمرًا مرغوبًا فحسب، لكنّها أرادت أن تؤمن بذلك.
* * *
كان السّجن تحت الأرض باردًا و رطبًا.
تنبعث رائحة عفنة من السّقف المتعفّن، و يتسلّل هواء بارد من الجدران و الأرضيّة. باستثناء النّافذة الصّغيرة في الباب الحديديّ، كلّ شيء مسدود، ممّا يسبّب شعورًا بالاختناق المجنون.
مع ذلك، كان إيسكال يزمر أغنية بأنفه.
شعر بنظرات الحارس الواقف عند الباب الذي ينظر إليه كأنه يشاهد شخصًا مجنونًا، لكنّه لم يبالِ.
كان مزاجه جيّدًا جدًّا حقًّا.
‘أنا محظوظ بالفعل.’
قبل اندلاع حرب الإقطاعيات مباشرة، ظهر أمامه شخص غريب يرتدي ملابس رماديّة.
ظهرت تلكَ المرأة ذات الشّعر الأبيض فجأة من الهواء الفارغ، و قدّمت نفسها كساحرة أرسلها ديكلان.
[قال ملك لوينغرين إنّكَ موهبة من المؤسف موتكَ مبكّرًا، لهذا سيساعدكَ لتتمكّن من الهرب حيًّا.]
موهبة.
ديكلان لوينغرين يريده أن يبقى حيًّا ليكون مصدر إزعاج ليورغن فقط.
على أيّ حال، بفضل نوايا ديكلان، حصل إيسكال على سحر مفيد في جسده.
لكن، كما يليق بهديّة من شيطان، كان لهذا القوّة ثمن.
[بدلًا من زرع هذا السّحر فيكَ، يريد ملك لوينغرين أن تنهي حياة صاحبة السموّ الملكيّ فانيسا.]
بمعنى آخر، تحريض على اغتيال.
ضحكَ إيسكال بسخرية من دناءة ديكلان الواضحة، لكنّه قبل العرض بكلّ سرور. لم يكن الوقت مناسبًا للتّدقيق.
بعد أن أقسم إيسكال قسمًا يراهن فيه بحياته، زرعت السّاحرة السّحر فيه فورًا كما لو كانت تنتظر.
كان الجزء من الجسم الذي نُقش فيه الطّقس هو لسانه.
‘لو قُطع لساني لكان الأمر كارثة.’
ابتسم ابتسامة خفيفة و مدّ لسانه طويلًا ليرى انعكاسه كمرآة في الأغلال الثّقيلة. كان على لسانه الأحمر القاني رسوم و معادلات سوداء واضحة مكدّسة.
كان يحسب دائمًا متى يستخدم هذه القوّة.
حتّى يورغن دريك الوحشيّ ينام.
إذن متى يغطّ في نوم عميق من التّعب؟
من الآن فصاعدًا كان الأمر مقامرة مبنيّة على التّخمين.
نهض إيسكال خلسة و سحبَ أغلاله الثّقيلة محدثًا صوتًا و هو يقترب من الباب الحديديّ.
سمع الحارس صوت الحديد يحكّ الأرضية الحجريّة ف عبس و نظر إليه. كانت عيناه البنيّة الدّاكنة المرئيّة من خلال النّافذة الصّغيرة مليئتين بالنّفور و الكراهيّة.
تلقّى إيسكال تلك النّظرة بلامبالاة و ابتسم ابتسامة عريضة. ثمّ سأل بصوتٍ ودود مصطنع.
“أيها السيد الحارس، كم السّاعة الآن؟”
رغم أنّه سجين، إلّا أنّ إيسكال ابن نبيل أصلًا. بل و في عروقه دم عائلة الدّوق دريك.
عندما سأل شخص كهذا باحترام مع لقب فخريّ، بدا الحارس مرتبكًا قليلًا.
“الثّالثة فجرًا…… لا، الثّانية و الخمسون دقيقة. لماذا تسأل عن الوقت؟ أنتَ ستموت قريبًا.”
في اللحظة التي عبس فيها الحارس بشدّة و حدّق في إيسكال بشراسة.
أصدر طقس السّحر المحفور على لسان إيسكال ضوءًا غامضًا كسماء اللّيل، ممّا أعطى ‘قوّة’ لكلماته.
“أخرجني من هنا. آه، ومن الأفضل أن تفكّ الأغلال و الكمّاشات أيضًا.”
اتّسعت عينا الحارس و بياضهما احمرّ من الاحتقان، و ارتجف جسده. مع ذلك، كانت قوّة إرادته قويّة نسبيًّا، فلم يُسيطر عليه فورًا و بدا أنه يقاوم بشدّة، ممّا كان مثيرًا للإعجاب.
لكنّ ذلك لم يدم دقيقة واحدة.
“كخ، آهه، هخ……”
أصدر الحارس أصوات ألم كمقاومة أخيرة، و بحث عن المفتاح و فتح الباب الحديديّ، و فكّ كمّاشات إيسكال و أغلاله.
خلال تلك العمليّة، كانت الدّموع تسيل من عيني الحارس. شعر إيسكال بمتعة شديدة من ذلك.
أكثر ما يمتع في هذه القوّة هو هذا بالضّبط. أن يبقى الضّحيّة واعيًا رغمَ سيطرتها عليه قسرًا.
النّقطة الوحيدة المؤسفة هي أنّها لا تعمل على يورغن.
[فانيسا لوينغرين تحمل بركة الحياة لكنّها لا تزال وعاءً صغيرًا، لذلك ستعمل قوّتي عليها. لكنّها لن تعمل على يورغن دريك، فاحذر. سلطة فيوس التي يحملها تكشف كلّ كذب و خداع……]
[إن واجهتَ يورغن، احذر في كلامك كي لا يكتشف أنّكَ تحمل هذا السّحر.]
التعليقات لهذا الفصل " 62"