“أنا أُصاب؟ مع مهاراتي هذه، أعود سليمًا معافى أينما ذهبت.”
فقدت فانيسا اهتمامها سريعًا و سحبت نظرها.
“إذن شخص مثلكَ لا يحتاج إلى علاج. أنتَ تعيقنا، فاذهب إلى هناك.”
“ماذا؟ أليست هذه قسوة زائدة؟ ألم تشتاقي إليّ؟”
تجاهلت فانيسا بسهولة غارسيا الذي كان يهذي قائلًا إنّه لا يُعقل أنها تفضّل فينسنت عليه.
كان عدد الفرسان كبيرًا، فلم يكن بإمكانها إضاعة الوقت على غارسيا وحده.
“صاحبة السموّ الملكيّ، ذراعي……”
“لقد التوت كاحلي……”
“هنا في كفّ يدي شوكة غرزت……”
“عندما أستيقظ من النّوم تكون رقبتي متيبّسة جدًّا……”
“في الآونة الأخيرة أحلامي……”
لكنّ إصابات الفرسان كانت غريبة بعض الشّيء. كانت تتوقّع أن تكون الجروح خطيرة بعد معركة قاسية، لكنّها كلّها مشكلات تافهة فحسب.
بل إنّ بعضهم يشكو من تشنّج عضليّ، أو أحلام مضطربة، أو أمور لا تستطيع فانيسا حلّها أصلًا.
و إن سُئلت عن أكثر الحالات إثارة للدّهشة……
“صاحبة السموّ الملكيّ، في الحقيقة هناك امرأة أريد أن أتقدّم لخطبتها……”
كان فارسًا وسيمًا في أوائل العشرينيّات تقريبًا، يطلب فجأة استشارة عاطفيّة.
أراها الخاتم الذي اشتراه. كان خاتمًا ذهبيا بسيط الشّكل داخل علبة خشبيّة مغلّفة بالمخمل.
تصميم عاديّ يخطر على بال أيّ شخص عند ذكر خاتم الزّواج، فلم يكن هناك ما يُقيَّم.
مع ذلك، مدحته فانيسا بإخلاص و شجّعته. كان غارسيا يراقب المشهد من جانب الجدار بتعبير ينمّ عن الاستغراب.
بعد أن انتهت تلكَ المقابلة المريبة قليلًا، خرجت فانيسا من الجناح الشّماليّ الشّرقيّ لتلتقي بيورغن.
لكنّ حراسها كانا فينسنت و غارسيا معًا.
“…… ألا يستريح أحدكما؟ لماذا يرافقني اثنان؟”
عندما سألت فانيسا بنظرةٍ قاسية، اشتكى غارسيا كطفل صغير قائلًا إنّ صاحبة السموّ قاسية القلب.
‘يجب تجاهله.’
هزّت فانيسا رأسها و أسرعت في خطاها.
كانت السّاعة قريبة من الواحدة بعد الظّهر، وهو وقت يفترض أن يكون يورغن قد أنهى أعماله و تناول غداءه و استراح.
لكنّ يورغن، خلافًا لتوقّعات فانيسا، كان لا يزال يستحمّ.
قيل إنّه كان مشغولًا بمعالجة كومة الأعمال التي يجب إنجازها فور عودته.
‘لابدّ أنّه لم يتناول طعامًا……’
شعرت بألم في ركن من قلبها كالعادة. ما هوية هذا الشّعور الشّبيه بالأسف؟
منذ أن شعرت في الحلم بمدى أهمّيّة رودي بالنّسبة إليها، أصبحت تشعر بهذا كثيرًا.
‘لكنّ يورغن……’
……سيظلّ يتجاهل مشاعري مهما كانت. بل بالأحرى، من المستبعد أن تغيّر مشاعري شخصًا مثله.
كان ذلك يحزن فانيسا كثيرًا.
“هلّا أحضرتِ وجبة إلى غرفة الدّوق؟ قال إنّه لم يأكل شيئًا منذ عودته، لهذا فإنه سيشعر بالجوع بالتّأكيد. اجعلوه جاهزًا ليأكل فور خروجه من الحمّام……”
“نعم، صاحبة السموّ. سأنفّذ أمركِ.”
بعد أن أمرت الخادمة بإعداد الطّعام في غرفة يورغن، جلست فانيسا بهدوء أمام الطّاولة تنتظر خروجه.
كانت هي أيضًا جائعة لعدم تناولها الغداء، لكنّ قلقها على يورغن جعلها تنسى جوعها.
طرقت الطّاولة بأطراف أصابعها دون سبب، و تخيّلت كيف سيكون لقاءهما.
كانت هذه أوّل محادثة مع يورغن منذ مرضها الأخير. لم تتطوّر علاقتهما لا حينها و لا الآن.
كانت تشعر كلّما اصطدمت بجدار يورغن بأنّها اكثر إنسان عاجز في العالم.
أرادت الاقتراب منه أكثر.
كان حلم رودي حاسمًا بالنّسبة لها.
كان رودي في الحلم شخصًا عزيزًا جدًّا، و الشّعور الذي يمنحه ذلكَ الفتى كان مميّزًا.
لو لم تكن تعلم ، لما شعرت بهذا السّوء، لكنّها الآن، بعد أن عرفت، تجد صعوبة في التّخلّي عن تلك القطعة المفقودة من ماضيها.
لكن كيف تفتح قلب يورغن دريك العنيد و المشوّه؟
كيف تدخل إليه و تستخرج ذلك الصّدق الذي يبدو أنّه هو نفسه يتجاهله و يخفيه؟
‘احتاج إلى طريقةٍ ما……’
لا يخطر شيء على بالي.
على أيّ حال، أولويّتها الآن هي استعادة الذّكريات.
قول إنّها تريد زيارة لوينغرين الآن غير مناسب……عليها أن تطرح الأمر بحذر في وقتٍ لاحق مناسب.
‘في فيلّا العاصمة لم أذهب مع أبي فقط، بل تبعنا العديد من الحاشية و الفرسان. إن بحثت عن الذين رافقونا حينها و التقيتهم، قد أجد دليلًا ما.’
نعم، سأفعل هذا لاحقًا.
لكن إن لم يخرج من الحمّام سريعًا سيبرد الطّعام……
في اللحظة التي وجّهت فيها فانيسا نظرها نحو الحمّام، انفتح الباب المغلق بقوّة فجأة، وخرج رجل عارٍ تمامًا يحمل معه بخار الماء الكثيف.
“……”
اتّسعت عينا فانيسا و تجمّدت مكانها.
أفقدها جسد الرّجل العاري الذي ملأ رؤيتها عقلها.
لم تتمكّن حتّى من التّفكير في أيّ انطباع، بل ضربتها صدمة هائلة جعلت رأسها يدور.
‘لماذا…… خرج عاريًا تمامًا!’
بعد فترة استعادت فانيسا وعيها و صرخَت في سرّها مرتعبة. حاولت الفرار لكنها تعثّرت و وقعت مصدرة صوتا مدوٍّ.
لابدّ أنّها اصطدمت بمرفقها و ركبتها بقوّة، فقد كان الألم شديدًا. اقترب أحدهم من فانيسا و هي تحتضن ساقها و تئنّ بألم.
و بالطّبع، كونهما وحدهما في الغرفة، فذلك الشّخص يورغن.
كان لا يزال عاريًا دون منشفة حتّى.
صرخت فانيسا عاليًا.
“غـطِّ جسمكَ من فضلك! هل تتباهى الآن؟!”
“……”
خرجت الكلمات دون مرورها بالدّماغ من شدّة الارتباك.
لماذا قالت هذا أصلًا؟
لم ينطق يورغن، الذي بدا مذهولًا هو الآخر. أرادت فانيسا أن تغوص في الأرض. احمرّ وجهها و كأنّه سيحترق.
سمعت صوت يورغن اللاّمبالي من فوق رأسها.
“لماذا أنتِ في غرفتي؟”
“ألا يمكنكَ ارتداء ملابس ثمّ الكلام؟”
“انهضي أوّلًا.”
“آه! لا تلمسيني!”
رفع يورغن فانيسا التي كانت تنتفض بنفسه و أجلسها على الكرسيّ مجدّدًا.
كان قلبها يخفق كسمكة حيّة تمّ انتزاعها للتوّ، حتّى أنها شعرت به كأنّه سيخرج من فمها.
خافت فانيسا جدًّا من عقل يورغن المجنون الذي لا يبالي بأن يُظهر عاريًا أمام الآخرين.
‘أرجو أن يرتدي ملابس سريعًا.’
أغمضت عينيها و أصغت جيّدًا. لكن لم يُسمع صوت لأنّ القماش ناعم جدًّا ربّما.
سألت فانيسا بصوتٍ حاولت جعله هادئًا قدر الإمكان.
“هل، هل ارتديتَ ملابس؟ لا تقل إنّك لا تزال عاريًا؟”
“افتحي عينيكِ.”
يبدو أنّ ذلكَ يعني أنّه ارتدى ملابسه. تنفّست فانيسا الصّعداء أخيرًا و فتحت عينيها. لكن يورغن كان أمامها مباشرة.
كان يمسك بمسنديّ الكرسيّ الذي تجلس عليه بكلتا يديه و يحدّق فيها. شعره الأسود المبلّل بالماء مبعثر بعشوائيّة، و عيناه الذّهبيّتان تبدوان كسولتين بخلاف المعتاد.
لحسن الحظّ كان يرتدي شيئًا، لكنّه رداء واحد فقط. لم يُسمع صوت ارتداء الملابس لأنّ ذلك الرداء حرير أسود ناعم.
توقّفت فانيسا عن التّنفّس لحظة من شدّة قربه، ثمّ ارتجفت جفناها و أخذت نفسًا عميقًا.
حينها لامس أطراف أصابع يورغن جبينها.
“……!”
انتفضت فانيسا مفزوعة من اللّمسة المفاجئة. شعرت وكأنّ الجلد الذي مرّر عليه أصابعه يحرقها. سرعان ما عرفت السّبب.
“ستظهر كدمة على الجبين.”
“آه……”
يبدو أنّها لم تصطدم بمرفقها و ركبتها فقط عند السّقوط.
تردّدت قليلًا، لكنّها تركت الفكرة لأنّ استخدام قوّة الحاكم في أمر تافه كهذا مضحك. رغمَ أنّها قامت للتوّ بمعالجة جروح الفرسان التّافهة كلّها.
“أمم…… يورغن، يبدو أنّنا نتحدّث بعد فترة طويلة.”
دلكت جبينها و بدأت فانيسا الكلام خلسة.
تردّدت بين مناداته باسمه أو ‘الدّوق’، لكنّها تحمّلت الإحراج و نادته باسمه.
على أيّ حال، هما على وشك الزّواج، فاستمرار مناداته الدّوق أمر مضحك. أمّا لقب مثل عزيزي……
‘……لو فعلتُ ذلكَ لقتلني ذلك الرّجل.’
و لا تستطيع هي أيضًا نطق لقب محرج كهذا.
فركت فانيسا ذراعيها اللتين انتشرت فيهما قشعريرة.
كان يورغن يقف الآن متقاطع الذّراعين ينظر إليها من الأعلى. كان صدره الصّلب الذي يشبه التّمثال يظهر من فتحة الرّداء، فلم فانيسا مكانًا تضع فيه نظرها للحظة.
“تكلّمي.”
“ماذا؟”
“لابدّ أنّكِ جئتِ لأمر تريدين قوله.”
حدّق يورغن فيها، لكن فانيسا رمشت فقط بدهشة.
أمر؟ ليس لديها شيء محدّد. هل يجب أن يكون هناك سبب للمجيء؟
دارت عينيها في إحراج و بدأت تتحدّث.
“أمم، أنا فقط…… أردت رؤية وجهك. سمعت أنّك كنت مشغولًا بمعالجة الأعمال المتأخّرة دون أن تأكل الغداء، ففكّرت أن أحضر لك الطّعام……”
حينها تغيّر تعبير يورغن كأنه سمع شيئًا غريبًا جدًّا للتّو.
التعليقات لهذا الفصل " 61"