تقدم غارسيا، الذي ترك حماية فانيسا لفينسنت وانضم إلى المعركة، و هو يهز كتفيه بسخرية.
كما قال، مرت أكثر من ثلاثين دقيقة دون رد، مما يؤكد أن عائلة الكونت فالمبرغ لا تنوي تسليم إيسكال بالفعل.
وسط الجو المشحون بالتوتر، ظلت نظرة يورغن المثبتة على البوابة المغلقة بإحكام هادئة تمامًا.
“سيدي، ماذا سنفعل؟”
اقترب قائد فرقة الفرسان آرثر قليلاً من يورغن و سأله.
بما أن صوته كان مرتفعًا نسبيًا، انتقلت أنظار الفرسان الآخرين نحوه بسرعة.
“…أولاً،”
كان يورغن لا يزال يراقب البوابة بصمت، وعلى وشك فتح فمه ليجيب على سؤال آرثر، حينها…
“اسمعوا أيها الوحوش المتوحشون، يورغن دريك و أتباعه الخونة!”
صرخ رسول من أعلى السور الجنوبي، و على كتفه راية عائلة الكونت فالمبرغ.
كان صوته قويًا يصل إلى مسافة بعيدة أسفل السور، لكن يديه اللتان تمسكان بورقة الرق كانتا ترتجفان بعنف.
“لقد تجرأتم على قتل ليفيا فالمبرغ، بل و قمتم بهدم شرف عائلة الكونت فالمبرغ العريقة! لذلك، تعلن عائلة فالمبرغ أنها لن تستجيب لمطالب العدو، و ستقاتل حتى آخر رمق!”
“ما هذا الهراء؟ هل جن جنونهم؟”
ما إن انتهى الرسول من كلامه حتى صاح غارسيا بذهول و غضب.
شعر الفرسان الآخرون بالشيء نفسه من الاستغراب.
“هل يجرؤ هؤلاء الأوغاد على عدم إضافة لقب الاحترام لدوقنا؟ بل و يصفوننا بـ’أتباعه’؟ هل فقدوا عقولهم تمامًا؟”
كانوا يعاملونهم و كأنهم عصابة من الأوغاد، لا دوق و جيشه.
و حتى صاحب القلعة نفسه لم يظهر، بل أرسل رسولاً بدلاً منه… تصرف جبان للغاية.
“يقال إن السيد الحالي لعائلة الكونت فالمبرغ ضعيف الشخصية و ساذج، و يخضع لجدته العجوز الخرفة… يبدو أن ذلك صحيح.”
أومأ يورغن برأسه قليلاً عند تمتمة آرثر، ثم ركب حصانه و مر على الجنود بهدوء و أصدر الأمر:
“فلتستعد الدروع.”
فورًا، اصطف المشاة حاملو الدروع الكبيرة بسرعة و دقة، و رفعوا دروعهم إلى الأمام.
في اللّحظة التالية مباشرة، ظهر الرماة من عائلة فالمبرغ على السور و بدؤوا بإطلاق السهام نحوهم جميعًا.
بينما صد المشاة حاملو الدروع مطر السهام المنهمر، رد رماة دريك بإصابة أهدافهم فوق السور.
رغم أنهم رماة جميعًا، إلا أن مستوى تدريب جيش فالمبرغ و جيش دريك كان مختلفًا تمامًا كاختلاف السماء و الأرض، فسرعان ما اتضح الفارق في المهارة.
سقط رماة فالمبرغ واحدًا تلو الآخر برؤوس و أعناق مثقوبة بشكل مروع، و في تلكَ الأثناء أمر يورغن الجنود بإعداد أسلحة الحصار.
وصلت أولاً عربات نقل المدافع الضخمة، وتم وضعها في المواقع المحددة.
لم تكن القذائف من حجر أو حديد، بل كانت بلورات سحرية، من اختراع جينيلي كهواية.
“أطلقوا النار!”
ما إن أعطى يورغن الأمر حتى أشعل المدفعيون البارود فورًا.
احترق الفتيل بسرعة، و بعد لحظات قليلة أصابت البلورة السحرية الضخمة السور مباشرة.
عادةً، يتطلب الأمر إطلاق عدة قذائف لتدمير سور قوي، لكن قذيفة البلورة السحرية هذه كانت مختلفة.
التصقت بالسور كالعنكبوت، ثم بدأ ينبعث منها ضوء أحمر تدريجيًا.
شعر الجنود فوق السور بشيء غريب، فترددوا.
و أصبح وجه قائد فالمبرغ، الذي يقود الجنود، شاحبًا كالموتى بعد ثوانٍ فقط، كأنه رأى المستقبل.
“ا-ابتعدوا! ابتعدوا من تحت السور!”
صرخ القائد، لكن كان قد فات الأوان.
أصبحت البلورة السحرية حمراء كالتفاحة الناضجة تمامًا، ثم انفجرت بانفجار هائل جعل السماء والأرض تهتزان.
انهار السور القوي الذي يعود تاريخه إلى أربعمئة عام دون مقاومة.
تساقط الطوب المحطم، و انتشر الغبار الكثيف في كل مكان.
و أصبح الجنود الذين لم يتمكنوا من الفرار تحت الأنقاض الكبيرة، مشهدًا جهنميًا.
وسط هذا المشهد المرعب، لم يتغير وجه يورغن و جنوده و لو للحظة، كأنهم حقًا يستحقون لقب “جيش الشياطين”، فبدؤوا الخطوة التالية في الاستراتيجية.
“لا تدعوهم يعبرون الخندق! ألقوا السم في الخندق!”
بعد موت القائد فوق السور، تولى نائبه القيادة، لكن الجنود فقدوا الإرادة القتالية بعد رؤية قوة البلورة السحرية، فأصبحوا في حالة فوضى.
بينما كان جيش فالمبرغ في حالة ارتباك، ألقى النخبة من جنود دريك حوالي عشرين جهازًا سحريًا – من اختراع جينيلي أيضًا – داخل الخندق.
فجأة، أصدرت الأجهزة ضوءًا أعمى و قوة حرارية هائلة، فتبخر ماء الخندق في لحظات.
تصاعد بخار كثيف من الحفرة العميقة، كأنه ينبع من ينبوع ساخن، لكن لم تبقَ قطرة ماء واحدة في الخندق.
أمام هذا المشهد غير المعقول، أسقط فرسان و جنود فالمبرغ أيديهم و وقفوا مذهولين.
“ا-اهربوا…”
“اهربوا!”
“آآآه!”
مع هذا الوضع، بدأ بعض جنود فالمبرغ في الفرار وإدارة ظهورهم للعدو.
الفرار أمام العدو جريمة تستوجب الإعدام الفوري حسب القانون العسكري، لكن معظم هؤلاء الجنود لم يتلقوا تدريبًا نظاميًا، فلم يكن لديهم فخر عسكري أو ولاء.
في النهاية، لم يتمكن الجيش الفوضوي لفالمبرغ من الصمود أمام النخبة المدربة لدريك التي خاضت معارك في الجبهة الشمالية، فسقطت قلعة للكونت فالمبرغ في غضون ساعة واحدة فقط.
كانت هزيمة مذلة لعائلة الكونت فالمبرغ التي أصرت على المقاومة الغبية.
* * *
قطع يورغن رأس قائد فرقة فرسان عائلة فالمبرغ بنفسه، و هو الذي بقي يقاتل حتّى النهاية دون فرار.
ثم ألقى الرأس الذي يقطر دمًا أمام الكونت فالمبرغ و جدته المختبئين داخل آخر خط دفاعي وهم يرتجفون.
في هذه المرحلة، كان من المفترض أن يتقدم الفرسان الذين أصبحوا دروعًا بشرية لإنقاذهم، لكن الكونت فالمبرغ ظل يرتجف كالجبان، بينما كانت جدته تصرخ بجنون و عيناها محتقنتان بالدماء:
“لا تتراجعوا أبدًا! لا تدعوا هذا الوغد المتوحش يؤذيني أنا و ابني!”
كان المشهد مقرفًا: بعد فقدان القلعة، و موت مئات الأرواح، و رؤية موت تابع مخلص أمام عينيها، لا تزال تهتم بحياتها فقط.
أصدر يورغن صوت تذمر منخفض، ثم نظر ببطء إلى الفرسان الذين يقفون أمام عائلة الكونت فالمبرغ بدلاً من العائلة نفسها.
كانوا يبدون متزعزعين بوضوح بعد فقدان قائد فرقتهم.
‘فهمت الآن لمَنْ كانوا يولون الولاء.’
أمر شائع عندما يكون السيد غير مؤهل و يملك تابعًا كفؤًا: يولي التابعون الولاء للتابع الكفؤ بدلاً من سيد الإقطاعية.
كان قائد الفرقة الذي قُتل للتو هو مركز ولائهم.
بدلاً من إصدار أمر هجوم إضافي، صمت يورغن للحظة ثم تكلم:
“إن استمررتم هكذا، ستموتون جميعًا عبثًا. لقد مات قائدكم بشرف. لكنه لم يكن يريد موتكم.”
ضرب الصوت المنخفض الجهوري طبول آذانهم، فانتفض فرسان فالمبرغ و غيّروا وضعياتهم أو ارتجفت أيديهم الممسكة بالسيوف.
ما يحتاجونه هو عفو من شخصٍ ما، و محفز واحد.
يورغن، الذي عاش كعبد حرب، ثم مرتزق، ثم فارس قبل أن يصبح دوقًا، يعرف ذلك أكثر من أي أحد.
“إن كنتم لا تريدون أن تذهب تضحية قائد فرقتكم سدى، فلا تموتوا، بل عيشوا. ألقوا أسلحتكم و استسلموا أو اهربوا، لن أحاسبكم. عيشوا بقية حياتكم كأحرار أو كمرتزقة كما تشاؤون.”
لم يكن في عائلة الكونت فالمبرغ سيّدة جميلة يقدمون لها الحب الرومانسي، و لا رئيس يستحق الاحترام…
فبدلاً من الموت من أجل وفاء وهميّ، سيختارون بالتأكيد البقاء على قيد الحياة.
في صمت ثقيل، مرت دقائق.
ثم بدأ الفرسان الذين كانوا يشكلون الخط الدفاعي يسقطون أسلحتهم واحدًا تلو الآخر و يتخذون وضعية الاستسلام.
عندما استسلم أكثر من نصفهم، تبعهم الباقون في إلقاء أسلحتهم والاستسلام.
لم يفر أحد تقريبًا.
أمر يورغن جنوده بالتأكد من أن فرسان فالمبرغ قد نزعوا أسلحتهم تمامًا، ثم دفعوهم إلى جانب واحد.
كانوا جميعًا قد فقدوا الإرادة القتالية أو يبدون حزينين، فلم يكن هناك حاجة حتى لتقييدهم.
“أ-أيها الخونة…! كيف تجرؤون!”
صاحت جدة الكونت فالمبرغ بغضب وذهول وهي تُترك من قبل الفرسان.
أما الكونت فكان منحنيًا و يرتجف بعنف.
ثم…
توجهت نظرة يورغن إلى الشخص الواقف بهدوء كالظل خلف عائلة الكونت.
إيسكال.
كان يبتسم ابتسامة مريحة لا تتناسب مع الوضع، و يراقب كل شيء بهدوء.
“تقدم، إيسكال.”
عند أمر يورغن الهادئ و الخالي من العاطفة، رفع إسسكال شفتيه في ابتسامة عريضة، ثم تقدم بخطوات واثقة دون أي تردد.
أمام هذا الوقاحة، عبس فرسان عائلة دريك و أصدروا أصوات بازدراء.
لكن إيسكال، و كأن وجهه مغطى بصفيحة حديدية، تكلم بلا اكتراث:
“لم نلتقِ منذ مدّة، أخي الأكبر. هل كنتَ بصحة جيدة طوال هذه الفترة؟ أن تأتي شخصيًا لأخذي هكذا، أنا لا أعرف كيف أتصرف من شدة السعادة. آه، و كيف حال الأميرة فانيسا؟ بعد أن قضيت وقتًا مملًا هنا، اشتقت كثيرًا لجمالها الرائع و صوتها العذب.”
في اللحظة التي ذُكر فيها اسم فانيسا، اندلعت عاصفة في عينيّ يورغن اللتين كانتا هادئتين طوال تفوهه بالهراء من قبل.
التعليقات لهذا الفصل " 59"