تلخيص شرح جينيلي الطويل الذي استغرق ثلاثين دقيقة كاملة يمكن اختصاره كالتالي:
أثناء تتبع وسيط نقل الوباء، اكتشفت شحنة مريبة متروكة قرب السور الغربي، و بدت آثار حيوانات برية محبوسة داخلها.
و بعد تحقيق أعمق، تبين أنها آثار مجموعة من الفئران، مما أدى إلى استنتاج أن أحدهم أدخل مجموعة فئران إلى المدينة عمدًا و أطلقها.
بناءً على افتراض أن هذه الفئران هي الناقل الرئيسي للوباء، تم القبض على الفئران في المدينة بأكملها، و تم التأكد من إصابة بعضها بأعراض الوباء.
الآن، بدأت عملية إبادة الفئران على نطاق واسع، مع البحث أيضًا عن حالات عدوى محتملة في الحيوانات الأخرى.
ثم أضافت جينيلي بجدية:
“يجب أن نكشف مَنٔ أدخل هذه الشحنة من الخارج. فذلك الشخص هو العقل المدبر الذي أطلق الفئران المصابة و نشر الوباء في المدينة.”
و بناءً عليه، أمر يورغن الفرسان بتفتيش شامل للمدينة داخل السور و كذلك جميع أنحاء الإقطاعية خارجها.
و بفضل كلمة الشفاء المقدّسة لفانيسا و العلاج الذي طورته جينيلي، لم يعد الوباء يشكل خطرًا كبيرًا.
لذلك، أصبح الهدف الوحيد المتبقي هو كشف الجهة الواقفة خلف الوباء.
و بعد تفتيش مستمر و مثابر، في فجر اليوم التالي، عثر الفرسان على تاجر مختبئ في قبو مبنى تجاري مهجور.
جرّ الفرسان التاجر أمام يورغن، في البداية رفض الاعتراف و كذب، لكنه أدرك أن سلطة فيوس التي يمتلكها يورغن تجعل الكذب بلا جدوى، فاستسلم أخيرًا و قال:
“قبل أسبوعين تقريبًا، توقفت في إقطاعية الكونت فالمبرغ… هناك اقترب مني السيد إيسكال. و قال إنه إن نجحت في هذه المهمة، فسيعطيني مكافأة هائلة تكفيني للعيش دون عمل طوال حياتي…”
مع هذه الاعترافات المتتالية، أصدر يورغن صوت نقرة منخفضة بلسانه، و ذُهل جميع أتباع عائلة دريك.
الشخص الواقف خلف انتشار الوباء في فالنسيا بتحريض التاجر ليست سوى إيسكال دريك نفسه.
* * *
“كيف يمكن للسيد إيسكال أن يفعل شيئًا كهذا…!”
رددت رينيه بغضب شديد بعد سماع الخبر مع فانيسا.
و بدا غارسيا غاضبًا بنفس القدر، إذ اختف مزاحه المعتاد و أصبح يحدق في الفراغ بنظرة باردة.
“حتى لو كان يعادي سيدنا الدّوق…! نشر وباء كهذا سيجعل الإقطاعية بأكملها تعاني!”
كان غضب رينيه مبررًا تمامًا، فاكتفت فانيسا بإيماءة صامتة بالرأس.
ربّما لم يشأ غارسيا إضافة شيء لأن رينيه كانت تقول كل ما يجب قوله نيابة عنه.
“كنت أظن أن السيد إيسكال، كونه من عائلة دريك، يحمل بالتأكيد حبًا و مسؤولية تجاه فالنسيا… لكن يبدو أنني أخطأت. إنه شخص أناني و قاسٍ يهتم بنفسه فقط.”
“كان هكذا دائمًا. لم يُظهر ذلك من قبل لأنه كان يأكل فتات الفتات من أجل البقاء.”
أضاف غارسيا بصوت منخفض جدًا لأول مرة منذ فترة.
كان إيسكال يعتقد أن السبب في عدم احترام أتباع عائلة دريك له هو تمسكه بالعيش متعلقًا بالعائلة، لكن الحقيقة مختلفة.
السبب الجذري يكمن في طباع إيسكال نفسه.
لقد أدرك الأتباع منذ زمن طويل أنه انتهازي يخفي نوايا خسيسة، و لم يرغب أحد في الاقتراب منه.
صحيح أن إيسكال لم يكن يمتلك موهبة لا كفارس و لا كمسؤول إداري، لكن مَنٔ كانوا يحتقرونه ويسيئون إليه لهذا السبب لم يكونوا سوى ثلاثة أو أربعة أشخاص فقط.
وإن كان قد حمل ضغينة تجاه الناس بسبب هذا العدد القليل من الإساءات، فهذا يعني أنه ضيق الأفق للغاية، أو ربّما لم يستطع تحمل شعور النقص العميق الذي كان يحمله من قبل.
“…قلتِ إن إيسكال موجود الآن في إقطاعية الكونت فالمبرغ؟”
عندما سألت فانيسا فجأة، انتقلت أنظار رينيه و غارسيا إليها ثم أجابها غارسيا:
“هذا ما يقال. ما زال متشبثًا بتلك العائلة، يبدو أنه نجح في استمالة جدة الكونت فالمبرغ و سيد العائلة الحالي جيدًا. حسنًا، لقد كان منذ القدم بارعًا في استخدام لسانه.”
كان موقف غارسيا الذي يسخر بسخرية لاذعة قاسيًا جدًا.
كانت نظرته شرسة تجعله يبدو و كأنه إن وجد إيسكال أمامه الآن لقتله على الفور.
“بما أن الجهة الواقفة خلف أزمة الوباء هذه قد كُشفت على أنها إيسكال، فإن استمرار حمايته سيضع إقطاعية الكونت فالمبرغ في موقف حرج…”
تمتمت فانيسا، فرد غارسيا بابتسامةٍ خفيفة ساخرة:
“أحيانًا تأتي المشاعر الشخصية قبل المصلحة العملية. عائلة الكونت فالمبرغ تحمل ضغينة عميقة تجاه دوقنا بسبب قضية دوقة دريك السابقة.”
“ضغينة؟ قضية دوقة دريك السابقة تعني…”
رددت فانيسا تلقائيًا ثم أغلقت فمها فجأة عندما أدركت.
قضية دوقة دريك السابقة تتعلق بوفاتها بالتأكيد.
و ربّما كان ذلك انتقام يورغن…
“خشية أن يكون هناك سوء فهم، أود أن أوضح: وفاة الدّوقة السابقة ليس لها أي علاقة بدوقنا على الإطلاق.”
“آه…؟”
رمشت فانيسا بدهشة عند سماع هذا الكلام غير المتوقع من غارسيا.
لقد سمعت من إيسكال بعض الأمور، و يورغن نفسه لم ينفِ الأمر بشكل واضح، لذا افترضت بالطبع أنه هو مَنٔ قتل الدوقة السابقة.
“توفيت الدوقة السابقة في حادث عربة. و لم يكن ذلكَ الحادث من صنعنا. أقسم أنه كان حادثًا غير متوقع حقًا.”
“أ… أها…”
شعرت فانيسا بخجل شديد لأنها افترضت دون علم أن ذلك من فعل يورغن و أقرب معاونيه.
حركت شفتيها، ثم خدشت خدها و تظاهرت بالانشغال بشيء آخر.
رآها غارسيا فابتسم بخفة و قال بلا مبالاة:
“حسنًا، صحيح أن الدّوق أراد الانتقام من الدوقة السابقة. و كذلك كاليوس دريك، ابنها الحقيقي…”
توقف فجأة و أغلق فمه، و أظلمت ملامحه فجأة كأن ذكرى سيئة عادت إليه.
“دعونا نترك هذا الموضوع. على أي حال، كل من ليفيا فالمبرغ و كاليوس دريك كانا يستحقان الموت. لا داعي الآن للشعور بالذنب من جديد.”
“……”
لم تجد فانيسا ما ترد به، فاكتفت بالصمت.
و السّبب بسيط…
لأنها هي أيضًا، التي تخلت عن يورغن وهو طفل – سواء كان ذلك بإرادتها أم لا – تعتبر هدفًا لانتقامه.
بالطبع، علاقتها مع يورغن أكثر تعقيدًا من الاثنين السابقين.
و مع ذلك، لم تستطع أن تعتبر الأمر شأنًا يخص الآخرين تمامًا.
‘ماذا سيحدث لإيسكال من الآن فصاعدًا… سيطالب يورغن بتسليمه من عائلة كونت فالمبرغ بالتأكيد. و إن رفضوا، قد تنشب حرب إقطاعية. يورغن لن يتوانى عن معاقبتهم بأي ثمن.’
بما أن فانيسا كادت أن تموت على يد إيسكال، كانت تحمل ضغينة شخصية و ترغب بشدة أن يدفع ثمن جريمته.
فنشر الوباء في فالنسيا، مسقط رأسه، جريمة لا تُغتفر بالتأكيد.
و بعد أيام قليلة من كشف جريمة إيسكال، قاد يورغن فرقة فرسان بلوغل و القوات النخبة متجهًا إلى إقطاعية الكونت فالمبرغ.
* * *
قبل ظهور الإمبراطورية، كان بإمكان الإقطاعيين في مختلف المناطق خوض حروب إقطاعية دون الحاجة إلى موافقة الملك.
فمهما امتلك أحدهم أرضًا، كان الملك يكتفي بأخذ جزء من الضرائب التي تجنيها تلك الأرض من الإقطاعي.
لكن منذُ أن أسس الإمبراطور الإمبراطورية، أصبح على سادة الإقطاعيات الحصول على إذن الإمبراطور مسبقًا قبل خوض أي حرب إقطاعية.
كانت هذه سياسة قاسية من الإمبراطور لتقليص قوة و سلطة الإقطاعيين و إخضاعهم بشكل أكبر للعاصمة.
في البداية، عندما تأسست الإمبراطورية، عارض بعض الإقطاعيين أو ثاروا، لكن جميعهم قُطعت رؤوسهم و أُبيدت عائلاتهم، فاستقر النظام الجديد الذي أنشأه الإمبراطور تحت حكم الرعب.
الاستثناء الوحيد الذي حظي بامتياز خاص في هذا النظام كان عائلة دريك فقط.
منذ بداية التأسيس، وقفت عائلة دريك إلى جانب الإمبراطور و ساعدته، فحصلت في النهاية على حق خوض الحروب الإقطاعية دون إذن الإمبراطور.
و نتيجة لذلك، سيطرت عائلة دريك على الشمال بالقوة، و أخضعت سادة العائلات، و أصبحت الحاكم الفعلي و المعترف به للشمال.
مارشيني، إقطاعية الكونت فالمبرغ.
هرب سكان القرى المحيطة بالأراضي الزراعية إلى الجبال أو الغابات مسبقًا، أو اختبؤوا داخل منازلهم بإحكام.
أما مواطنو المدينة داخل السور، فقد كانوا يرتجفون خوفًا من احتمال سقوط القلعة.
الجيش الضخم لعائلة الدّوق دريك، الذي أحاط بالسور الخارجي المربع تقريبًا من الجهة الجنوبية الغربية بكثافة، كان ينشر هالة مرعبة كأنها تنفث شرًا.
في مقدمة هذا الجيش، وقف دوق دريك، الذي وصل إلى هنا قبل ثلاثين دقيقة فقط، و طالب بشيء واحد فقط:
‘تسليم الجاني الذي نشر الوباء في فالنسيا، إيسكال دريك.’
و مع ذلك، لم يأتِ حتى الآن أي رد إيجابي من عائلة الكونت فالمبرغ.
التعليقات لهذا الفصل " 58"