على جسد ساسكيا، كانت العلامات السوداء الكثيفة تملأ جسدها بالكامل.
خطوط تشبه أشواك الكروم، أو ربما أجنحة.
لا شك أبدًا، تلك كانت وصمات حاكم الموت موريسينا.
‘إذن هذا يعني أن هذا الشخص قد نال حماية الموت؟’
يقال إن حاملي حماية الموت و الحياة يظهران في العصر ذاته.
و حسب ما ورد في السجلات، في مثل تلك العصور كانت هناك أزمة هائلة تهز العالم، أو حدث تغيّر كبير.
في موقف لم يكن في الحسبان، شعر ديكلان بقشعريرة تسري في ظهره.
كأن القدر الذي لا مفر منه، قد اقترب منه ليصبح أمامه مباشرة.
‘يبدو أن شيئًا كبيرًا على وشكِ أن يحدث في العالم.’
ربّما بسبب الإثارة لوقوفه في قلب التاريخ، أو ربّما بسبب الخوف، كان قلبه ينبض بعنف غير منتظم.
ما هو مؤكد هو أنه طالما تعادي فانيسا نفسها، فعليه أن يجذب هذه الساحرة – حاملة حماية الموت – إلى جانبه.
فسلطة الموت ستكون أقوى سلاح مضاد لقوة الحياة التي تملكها فانيسا.
‘نعم، هذه فرصة.’
إن أمكن، ليس مرة واحدة فقط، بل يجب أن يستطيع استعارة سلطة الموت بشكلٍ مستمر.
فكّر ديكلان بعناية في كيفية كسب ود ساسكيا، ثم أجاب بهدوء و حذر:
“لم أكن لأتخيل أبدًا أن تكوني حاملة لحماية الموت. و امتلاككِ لهذه القوة العظيمة، و حاجتكِ إلى مساعدتي، يعني أن الأمر جدي للغاية، أليس كذلك؟
أود أن أسمع ما الذي تريدينه بالضبط.”
لقد تغير أسلوبه بالفعل إلى أسلوب مهذب جدًا.
من الطبيعي ذلك، فهو مضطر لكسب ودّها مهما كلف الأمر.
ماذا تريد هذه الساحرة التي تُدعى ساسكيا؟
السلطة؟ المال؟ الأمان؟
ما زالت تؤكد أنها تابعة مباشرة لملك تيريفرون، فربما تريد إعادة إحياء سلالة تيريفرون.
إن كان هذا هو مرادها الحقيقي، فسيكون ذلك خيانة صريحة للإمبراطور لا مفر منها…
‘ليس أي حاكم آخر، بل حاكم الموت موريسينا نفسه. حتى لو لم أعرف بالضبط ما هي الفعالية التي تمتلكها تلك السلطة، إلا أنها قوة الموت المطلقة، و بالتالي يمكنها أن تشكل تهديدًا حتى للإمبراطور الخالد.’
ربّما تكون موجة عظيمة على وشكِ أن تغير ميزان القوى في هذه القارة.
فرصة ذهبية لإسقاط الإمبراطور المتغطرس الذي يحكم منذ أكثر من مئتي عام.
شد ديكلان قبضتيه بقوة، و هو ينتظر جواب ساسكيا و قد امتلأ قلبه بالترقب.
“لكي أُعيد إحياء سيدي، أحتاج إلى كنز عريق من العائلة الملكية للوينغرين، و إلى مكان مقدس يتسلل إليه ضوء القمر.”
“إعادة… إحياء؟”
بسبب المفاجأة غير المتوقعة تمامًا، تلعثم ديكلان حتى في كلامه.
إن كانت تقصد بـ”سيدي” ليروي تيريفرون، فلا شك في ذلك.
كيف يمكن إعادة إحياء ليروي الذي قُطع رأسه على يد يورغن دريك و عُلِّـق؟
هل تمتلك سلطة الموت قوة إحياء الموتى؟
‘أم أنها… لا… طقس إحياء الجثث؟’
الطقس المحرّم المعروف بـ”طقس إحياء الجثث”، على عكس اسمه، لا يُعيد الميت إلى الحياة حقًا.
إنه يحوّل الميت إلى جثة تمشي، “جسد ميت أُدخلت فيه روح فقط”.
لذلك، بدقة، لا يُعتبر مَنٔ أُحيي بهذه الطريقة حيًا حقًا.
إنه مجرد جثة تملك روحًا، توقفت فيها حياته، و يستمر وجوده فقط.
تلكَ هي “الجثة الحية”.
و لتنفيذ طقس إحياء الجثث، هناك بعض المواد و الأدوات اللازمة، و أبسطها عظام الميت و الثياب التي كان يرتديها وقت موته.
و الثياب مطلوبة حتى لا تختلط الروح في المكان الخطأ.
‘و المواد الأخرى اللازمة…’
عظام و لحم و دم من نفس الدم.
في لحظة، انتفض ديكلان عندما تذكر آرنو تيريفرون الذي قيل إنه اختفى من العاصمة.
كان يتساءل أين ذهب ذلك الجشع عديم الفائدة…
‘لقد وقع في قبضة هذه الساحرة.’
على الأغلب، آرنو الآن محتجز في مكان ما، حيًا و لكنه ليس حيًا، محنّطًا بالسحر.
فاللحم و الدم اللذان يحتاجهما لإحياء الميت يجب أن يكونا طازجين.
‘أمر مرعب.’
عبس ديكلان للحظة، ثم سرعان ما أرخى عضلات وجهه و ابتسم بلطف.
و سأل ساسكيا بنعومة ليتأكد مما تخيّله:
“هل تنوين تنفيذ ‘طقس إحياء الجثث’؟”
“…نعم، هذا صحيح.”
جاء الجواب بالإيجاب ببساطة غير متوقعة.
يبدو أنها تعتقد أنه قد انقلب إلى جانبها بالفعل، فلم تحاول إخفاء الخطة.
‘…أو ربما إن رفضتُ، ستقتلني لتسكت فمي و تأخذ ما تريد.’
في وقت قصير، تمكّن ديكلان من فهم نوعية هذا الإنسان الذي أمامه، ولو بشكل غامض.
كانت وحشًا.
وحشًا قادرًا على حرق كل شيء، بما في ذلك نفسه، من أجل غاية واحدة فقط.
تحت تلك العينين السوداوين الهادئتين الظاهرتين، كان هناك جنون خطير يتلوى.
“من ردة فعلكٓ، يبدو أنكِ جمعتِ باقي المواد بالفعل.”
“نعم، ‘قوة الشتاء الأبدي’ أيضًا… وضعتها هنا، داخل هذه البلورة السحرية.”
أخرجت ساسكيا من مكان ما بلورة معدنية مستديرة و أظهرتها.
كانت طاقة زرقاء مخيفة تتدفق داخلها.
“هل ذهبتِ إلى أرض الجليد القارس في هذه الفترة؟ لم يكن من السهل تفادي عيون دوقية دريك، ناهيك عن تجنب وحوش الجليد.”
قال ديكلان و هو يتنهد بلسانه: “يا لها من قسوة.”
‘الشتاء الأبدي’ هو كائن قديم يجمد أقصى شمال قارة أسترا، أرض الجليد القارس.
لا أحد ينطق باسمه الحقيقي خوفًا من أن يوقظه من نومه الطويل.
قوّة ‘الشتاء الأبدي’ تجمد الأرض القارسة، تنتج وحوش الجليد، و تعيد الموتى في تلك الأرض إلى الحياة كجثث حية.
في الواقع، هناك نشأ طقس إحياء الجثث من هناك.
لذلك، كانت ‘قوة الشتاء الأبدي’ ضرورية جدًا لتنفيذ الطقس.
“باقي المواد اللازمة لطقس إحياء الجثث… من بينها ‘المكان المقدس الذي يتسلل إليه ضوء القمر’، أفترض أنكِ تقصدين أنقاض قصر فيلغريم الذي تلقى فيه الملك الأول للوينغرين التنبؤ، أليس كذلك؟ نعم، المفتاح الذي يفتح أبواب ذلك المكان موجود بحوزتي أنا ملك لوينغرين. و أما ‘الكنز العريق’… فهل تقصدين… أثر الملك الأول المحفوظ في قصر فيلغريم؟”
كان أثر الملك الأول للوينغرين خنجرًا فضيًا واحدًا.
ذلك الخنجر الذي حظي ببركة الحكام السبعة، لم يتغير لونه مع مرور الزمن، و ظل على حاله كما صُنع أول مرة.
بما أن هذا الخنجر يفترض أن يكون نقيضًا لـ’قوة الشتاء الأبدي’، لم يفهم ديكلان لماذا تحتاجه، فنظر إلى ساسكيا بترقب و هو يطلب الإجابة.
ساسكيا ذات الوجه الجامد كالعادة أجابت هذه المرة أيضًا بصراحة غير متوقعة:
“جسد و روح آرنو تيريفرون ملوثان جدًا.”
“نعم؟”
رفع ديكلان حاجبيه من اختيار الكلمات الجريئة جدًا.
“خطتي ليست تحويل السيد ليروي إلى جثة تمشي. بل أريد إعادته إلى حالة أقرب ما يمكن إلى إنسان حي. و لذلك، أحتاج إلى الدم و اللحم و العظام النقية من دمه. لكن الوريث الوحيد الحيّ للسيد ليروي، آرنو هذا، قد أصيبت روحه بتعفن شديد جدًا، حتى فاحت منه رائحة العفن. لتنقية وجوده الفاسد، يجب طعن قلبه بخنجر فيلغريم الفضي النقي جدًا.”
“……”
أدرك ديكلان أن الطرف الآخر أكثر جنونًا مما توقع بكثير، ففقد قدرته على الكلام للحظة.
شعر بندم متأخر على قرار التحالف مع هذه الساحرة المجنونة، لكن يبدو أنه لم يعد هناك خيار أمامه.
بدل من أن يرفض عرض ساسكيا هنا و يُقتل، من الأفضل أن يعطيها ما تريد و يحصل على بعض المكاسب.
سلطة الموت…
إن استطاع جذبها إلى جانبه، فساسكيا ستكون بالتأكيد حليفة قوية و مفيدة.
“حسنًا… أمر مربك بعض الشيء، لكنني فهمت متطلباتكِ جيدًا. و ليست طلبات يصعب عليّ تلبيتها، فلا داعي للمزيد من الكلام الطويل.”
كان ديكلان يحب لوينغرين.
هدفه كان رفع هذا البلد من دولة زراعية ضعيفة إلى قوة عظمى تمتلك ثروة هائلة و قوة عسكرية.
قيمته كانت في المستقبل، أما خنجر عتيق لا يُستخدم إلا لحفظه في أنقاض قصر قديم، فهو مجرد ماضٍ.
“أنا أقبل عرضكِ، ساسكيا. آمل أن نصبح حلفاء جيدين من الآن فصاعدًا.”
لمع الطموح في عينيّ ديكلان الزرقاوين.
كان لمعانا شديدا، و كأن نجمًا يتساقط يحرق جسده كله.
* * *
“و-وجدتها! وجدتها!”
بعد عودة يورغن إلى الإقطاعية بثلاثة أيام كاملة.
اندفعت جينيلي إلى مكتب الدوق بوجه يبدو على وشك البكاء، و هي تصرخ.
كانت تضرب قدميها على الأرض و هي تردد:
“لقد فعلتها! فعلتها! آه، كدت أجن!”
عندما تكون جينيلي في حالة هيجان مجنونة كهذه، لا فائدة من الحديث معها، فالأفضل الانتظار.
بعد أن تهدأ قليلاً، ستبدأ هي بنفسها في الثرثرة و الشرح.
و لم يخيب ظنّه، إذ انفجرت جينيلي أخيرًا بالبكاء و هي تصرخ:
“اللعنة! الشيء الناقل لجرثومة الوباء اللعين… كان الفأر!”
التعليقات لهذا الفصل " 57"