كأنّ عقلها لا يتذكّر شيئًا مهمًّا، لكنّ قلبها يحفظه كاملاً.
لأنّ ذلك الشعور لا يمكن أن يكون كاذبًا، أيقنتْ فانيسا أنّه لا بدّ حدث شيء آخر في الماضي. ربّما لم يكن تخلّيها عن رودي بإرادتها.
بل، هي تجرؤ على القول إنّه لم يكن بإرادتها أبدًا.
إذن، ما الحقيقة؟
مَنٔ الذي فرّق بينها و و بين رودي، و تسبّب في سوء فهم هائل، و حتّى دفن ذكرياتها…
شخص قادر على فعل ذلك…
‘… هل يمكن أن يكون أبي…’
… رغم تفكيرها أنّ ذلك مستحيل، إلّا أنّ أكثر شخص مشتبه به هو والدها بالتأكيد. كان والدها دائمًا يحميها بشكلٍ مفرط.
إذا لم يعجبه وجود “رودي”، عبد القتال ذي العيون الحمراء الغريبة، بقربها…
“… ربّما لم أتخلَّ عنكَ، بل كان سوء فهم.”
مع إضافة فانيسا ذلك بهدوء، ارتجف حاجب يورغن قليلاً. رسم جانب فمه المرتعش خطًّا منحنيًا ساخرًا. كانت عيناه الذهبيّتان مفعمتين بعدم الثقة فقط.
برؤية ذلك التعبير أيقنتْ فانيسا مجدّدًا.
صدقي لا يصل إليكَ حقًّا.
“الآن، بعد كلّ هذا…”
اقترب منها، و أحنى رأسه. أمسك ذقنها بيده الكبيرة الخشنة بعنف، فاضطرّتْ لمواجهة عينيه مباشرة.
في تلك العينين الذهبيّتين اللّتين واجهتهما دون فرصة للهروب، لمع جنون حادّ كسيف صقلته السنين الطويلة.
“تريدين القول إنّكِ لم ترتكبي أيّ خطأ؟ إذا كان كذلك، فلماذا أنقذتني حينها، فانيسا؟ كان يجب أن تتركيني أموت.”
لم تعرف فانيسا متى كان “حينها” الذي يتحدّث عنه يورغن، و لا الحادث الذي يقصده بالضبط. لكنّها استشعرت بحدسها فقط. النبرة التي يتحدّث بها، كأنّه…
“… هل أردتَ الموت؟”
مع السؤال الذي انزلق منها دون قصد، اهتزّتْ عينا يورغن لحظة، ثمّ عادتا إلى باردتين و قاسيتين. ألقى ذقن فانيسا بعنف، و تراجع خطوات إلى الخلف.
شعرتْ فانيسا كأنّ بردًا ينزل منه يجمّد عظامها.
“قلتُ لكِ، فانيسا.”
رسمتْ على شفتيه ابتسامة قاتمة.
هل يمكن تسمية تلك بابتسامة؟ كان أشبه… بوحش يكشّر عن أنيابه.
“أخبرتكِ أنّ تذكّركِ لن يغيّر شيئًا.”
“ذلك―”
فتحتْ فانيسا فمها، لكنّ يورغن استدار عنها ببرود و خرج من الغرفة مباشرة. دون أن يلتفت مرّة واحدة.
علقتْ الكلمات التي لم تخرج بعد على طرف لسانها.
‘ يبدو الأمى و كأنّك تقول إنّكَ قد تحطّمتَ تمامًا.’
لذا لن يكون هناك طريقة للإصلاح.
لا أنتَ، و لا الماضي المنقطع، و لا هذه العلاقة…
* * *
“… وباء في إقليم دريك؟”
مع الخبر غير المتوقّع الذي وصل صباحًا باكرًا، رسم ديكلان تعبيرًا متعجّبًا، لكنّه رفع جانب فمه قليلاً.
‘أخيرًا…’
قبل ثلاثة أيّام، أرسل الجاسوس الذي زرعه في إقليم دريك رسالة تفيد بتقييد الدخول و الخروج من القلعة.
يبدو أنّ يورغن حاول إخفاء خبر انتشار الوباء بدقّة، لكنّه تسرب أخيرًا.
“أريد أن أسخر قائلاً إنّه عقاب سماويّ على غروره…لكنّ ذلك لا يبدو صحيحًا.”
إيسكال دريك. لا شكّ أنّ ذلك الرجل وراء هذا الحادث.
‘نشر الوباء مستغلاً عودة يورغن إلى الإقليم’…. إنه أمر يناسب تمامًا ذلك الرجل الدنيء.
‘يبدو أنّه مصمّم جدًّا، فالوباء ليس من النوع الذي يُصنع له علاج بسهولة. لكنّ فانيسا… تلك الفتاة في إقليم دريك…’
بما أنّ فانيسا تستخدم كلمة الحياة المقدّسة، يمكنها علاج المصابين بسهولة. … ذلك الواقع يبدو كأنّ القدر يحمي يورغن من قبل الحاكم، فازداد غيظ ديكلان.
‘إذا أدّتْ فانيسا دورًا بارزًا في هذه الأزمة و أُطلق عليها لقب قدّيسة، ثمّ تحالفتْ مع كنيسة لافينسيا لترفع مكانتها في أسترا…’
سيصبح ذلك تهديدًا كبيرًا لديكلان مباشرة. ففانيسا تريد الانتقام منه.
‘لا يمكنني إزالة دوق إيفانوود فورًا، ولا إيجاد طريقة للتخلّص من فانيسا. ماذا أفعل إذن؟’
نهض ديكلان قلقًا من كرسيه، و تجوّل في قاعة العرش الفارغة.
على جدران القاعة المغطّاة بسجاد أحمر من الجانبين، معلّقة لوحات مشهورة جمعها حسب ذوقه بترتيب مثاليّ.
لمس ديكلان عصا الملك الفخمة التي صنعها بعد تولّيه العرش. غطاء أحمر مطرّز بخيوط ذهبيّة يتدلّى من كتفيه إلى كاحليه، و حزام ذهبيّ مرصّع بياقوت و حجر كريم من الدرجة الأولى يزيّن ملابسه الحريريّة بأناقة.
كان مصمّمًا على عدم السماح لأحد بسرقة السلطة التي بناها. لذلك، هو مستعدّ لفعل أيّ شيء.
ربّما لأنّ بسبب يأسه ، وصلت أمنيته إلى الشيطان.
حدث أمر لا يمكن تفسيره إلّا هكذا أمام عيني ديكلان.
“م، مَنٔ أنت؟! اكشف عن هويّتك!”
في المكان الذي يصل إليه النظر مباشرة، ظهر ذلك الشبح فجأة من فراغ لا أحد فيه.
شعر أبيض طويل إلى درجة يعمي البصر، و عيون سوداء تمامًا على النقيض منه.
ملابس رماديّة داكنة خالية من أيّ نقش أو زخرفة تعطي شعورًا بالتنزّه عن الدنيا، و الذراعان و الرقبة المكشوفة جزئيًّا ملفوفة بضمادات كثيفة.
“يا هذا! قائد الحرس! هناك متسلّل في قاعة العرش! ألا يوجد أحد هنا؟!”
حاول ديكلان استدعاء الناس بيأس، لكنّ صوته كان يدور في القاعة فقط، كأنّ جدارًا غير مرئيّ يحجبه.
في هذا المكان الآن، كان فقط هو و ذلك الغريب فقط.
أمسك ديكلان عصا الملك بقوّة ليلوّح بها إن لزم الأمر. كان خطأه الفادح عدم حمل سلاح، ظنًّا أنّ قاعة العرش آمنة.
“ما هي هويّتكَ… مَنٔ أرسلك؟”
خمّن ديكلان أنّ ذلك الشخص ذو الشعر الأبيض قاتل مأجور أرسله عدوّ.
من الغريب أنّه لا يخفي وجهه بالنسبة لكونه قاتلا، لكنّ ذلك ليس مستغربًا إذا كان واثقًا من مهارته.
‘يبدو ساحرًا…’
السحرة صعبو المواجهة. خاصّة و هو غير مسلّح تمامًا، و في يده عصا الملك فقط… لا أمل في حلّ الوضع بالقوّة.
‘اهدأ. لا يمكنني الموت هكذا.’
رفع ديكلان عينيه بحدّة، و سأل الساحر المشتبه به كقاتل بهدوء مصطنع:
“مَنٔ الذي أرسلكَ؟ دوق إيفانوود؟ الماركيز غيوم؟ أم… مستحيل… فانيسا؟”
احتمال أن ترسل فانيسا، المشغولة بأزمة الوباء في إقليم دريك، قاتلاً إليه ضعيف، لكنْ مَنٔ يدري.
تلك المرأة تتجاوز أحيانًا المنطق السليم.
“أجـب! مَنٔ…!”
“… ليس كذلك.”
أخيرًا، كان الصوت الذي خرج من الطرف الآخر مختلفًا عن التوقّع.
صوت هادئ و جميل كتلاوة شعر.
صوت يناسب فنّانًا أكثر من قاتل. و فوق كلّ ذلك، لا يُشعر بالعداء.
هل هذا الشخص ليس هنا ليقتلني؟
معظم القتلة المأجورين من نقابة القتلة، مرتزقة لا ولاء لهم، يتحرّكون للمال فقط.
لذا فكّر ديكلان في رشوة ذي الشعر الابيض. إذا عرض أكثر ممّن دفع لقتله، سينقلب عليه فورًا، كان نصف متأكّد من ذلك.
لكنّ الشخص أمامه مختلف عن القتلة العديدين الذين رآهم ديكلان. … بل، بالدقّة، يشعر بغرابة لا تختلط بأيّ بشر.
‘ما هويّته إذن؟’
حدّق ديكلان فيه مليئًا بالتساؤل، فأجاب الطرف كأنّه يقرأ أفكاره:
“اسمي ساسكيا. ساحرة تابعة لسيّدي ليروي.”
“… ماذا؟”
مع هويّة غير متوقّعة تمامًا، شعر ديكلان بالذهول أكثر من الخوف. ضحك ساخرًا مذهولاً، ثمّ سأل بحذر لسببٍ مختلف:
“لماذا تظهر ساحرة ليروي تيريفرون أمامي؟”
“نحتاج مساعدتكَ، جلالة ملك لوينغرين.”
كان أسلوب ساسكيا مهذّبًا، لكنّه يحمل غطرسة غريبة.
شعر ديكلان أنّها تخفي قوّة أخرى غير السحر. أولئك الذين يطلبون معونة دون انحناء حقيقيّ عادة لديهم دعامة.
على أيّ حال، الآن وقت التراجع خطوة.
“لا يمكنني مساعدة ملك تيريفرون الذي حُكم عليه بأمر جلالة الإمبراطور. أنتِ تعلمين ذلك جيّدًا؟”
مساعدة بقايا تيريفرون الموسومين بالجريمة خيانة للإمبراطور. قد يؤدّي ذلك إلى إبادة العائلة الملكيّة في لوينغرين هذه المرّة.
“أعرف. لكن… بعد سماع ما سأقدّمه مقابلًا، ستغيّر رأيكَ حتمًا.”
أكّدتْ الساحرة التي تُدعى ساسكيا بثقة تامّة.
متعجّبًا ممّا تعتمد عليه لتكون بهذه الجرأة، سأل ديكلان ليستمع:
“ما ذلك المقابل إذن؟”
تردّدتْ ساسكيا لحظة، ثمّ أمسكتْ طرف الضمادة الملفوفة حول ذراعها، و قالت:
“… مرّة واحدة فقط. عندما تريد.”
انحلّتْ الضمادة البيضاء كشريط، و كشفتْ عن نقش أسود كثيف يغطّي بشرتها الشاحبة.
ذلك النقش― لا، “الوسم”، عرفه ديكلان فاتسعتْ عيناه.
التعليقات لهذا الفصل " 56"