لماذا يجب أن أشعر بهذا الشعور التعيس؟ هل ما زلتُ حتّى الآن…
“ها…”
خرجتْ ضحكة فارغة من بين شفتيه المعوجّتين، و هو مذهول من نفسه من ردة فعله تجاه هذا التفكير. خفق قلبه بقوّة و صخب، كأنّه يدرك ضعف سيّده البائس.
كان يشعر أنّه سيدمّره.
الانتقام، الذي جعله الدليل الوحيد في حياته، يبدو أنّ وجود هذه المرأة سيدمّره أخيرًا.
كان يعيد التأكيد مرّات عديدة أنّ ما يريده منها هو الانتقام فقط، لأنّ ذلك بدأ يتزلزل منذ زمن بعيد.
كان يعرف.
كان يجب أن يدرك. منذ اليوم الذي أخرج فيه فانيسا من ذلكَ السجن تحت الأرض…
أنّ وجودها سيُزلزله حتمًا.
كما فعلتْ منذ زمن بعيد جدًّا.
… شعور قذر لا يُطاق.
هل سأظلّ عالقًا في ظلّكِ مدى الحياة؟ رغم غسل دماغي بأنّكِ مجرّد هدف للانتقام، لا شيء أكثر…
‘ربّما أقتلها الآن.’
في هذا المكان بالذات.
القتل سهل. يكفي أن يمدّ يده. أن يخنق تلك الرقبة…
‘إذا اختفيتِ تمامًا من العالم…’
لن تبقى ثغرة لتلك الهمسات الضعيفة التي تخترق قلبه.
دارتْ في عينيّ يورغن الذهبيّتين، المخفيّتين خلف كفّه، لمحة حمراء فجأة.
مدّ يده نحو رقبتها العارية دون دفاع. أمسك برقبة رفيعة قد تنكسر بقليل من القوّة، بسهولة مخيّبة.
نبض، نبض―
رنّ خفقان قلبه المضطرب بقوّة.
ببطء، أضاف قوّة و هو أسير الجنون و نيّة القتل.
انتقل إليه دفء جسدها الحيّ و نبضها كاملاً.
تخيّل فجأةً أن يبرد هذا الدفء و يختفي النبض منه تمامًا. اجتاحته آنذاك شعور قوي بالفقدان إلى درجة لا تُصدّق.
ارتجفتْ يده التي نادرا ما ترتجف، و هو مذهول من صدى عاطفة لا يفهمها هو نفسه.
اندفعتْ الأفكار في ذهنه مشوّشة و متشابكة مع ذكريات قديمة، و كانت تعاد عشوائيًّا دون ترتيب.
[إذا أصبحتِ في صفّي، سأكون في صفّكِ تمامًا.]
[إذن سنبقى معًا مدى الحياة؟ هيّا، وعد!]
[أنا سعيدة جدًّا بوجودكَ، رودي.]
[أيّها العبد القذر. كيف تجرؤ على إغواء صاحبة السموّ الملكي، كنز لوينغرين؟]
[صاحبة السموّ قالت إنّك تثير اشمئزازها، و طلبتْ إزالتكَ من أمام عينيها فورًا. و قد قالت إنّها ملّتْ منكَ.]
[ابتعد، أيّها الشؤم. إذا ظهرتَ أمام فانيسا مجدّدًا…سآخذ حياتكَ حتمًا.]
لم يصدّق.
كيف يتخلّى عنه شخص كان يبتسم له بلطف حتّى الأمس؟
لذا تبع موكب ملك لوينغرين المغادر للعاصمة مخاطرًا بحياته. ليتأكّد بنفسه من فانيسا إن كانتْ تخلّتْ عنه حقًّا.
التقى بها أخيرًا متخفّيًا عن أعين الآخرين… لكنّها لم تتعرّف عليه.
[مَنٔ أنتَ؟]
لا، بالتأكيد تظاهرتْ بعدم المعرفة.
ما إن شعر بقدوم الباحثين عن فانيسا، حتّى استدار يورغن و هرب. عاد مسرعًا إلى العاصمة في الطريق الذي جاء منه.
كلّ ذلك بدا له كابوسًا مريعًا، فإذا وصل إلى الفيلا التي عاش فيها مع فانيسا― ربّما يستيقظ من هذا الحلم المريع.
لكنّ تخلّي فانيسا عنه كان واقعًا لا حلمًا، و أيقظته قطرات المطر الباردة التي تضرب بشرته بحدّة.
جلس أمام الفيلا الفارغة تمامًا بعد رحيل الجميع، و صرخ، ثمّ اضطرّ للاعتراف.
أنّ الشخص الفريد الذي كان مستعدًّا للتضحية بروحه من أجله، تخلّى عنه بقسوة.
* * *
حلمتْ حلمًا.
في الحلم، كانت فانيسا مع فتى بعيون حمراء، و شعرتْ برضا هائل لا يُضاهى بوجوده وحده.
كان الفتى يجعل فانيسا أكثر الكائنات خصوصيّة في العالم، و كان حليفها الكامل الذي لن يخونها مهما حدث.
لم تكن تلك العلاقة عائليّة أو صداقة. رغم أنّ وضع الفتى كعبد جعلها تبدو أحيانًا كعلاقة سيّدة و عبد، إلّا أنّها لم تكن بهذه البساطة، إذ كانا يقدّران بعضهما أكثر من اللازم.
[يجب أن تبقى بجانبي مدى الحياة.]
[نعم.]
[يجب أن تحميني حتمًا. قيل إنّني ولدتُ جميلة جدًّا، فمصيري تعيس.]
[حسنًا.]
كلّما ظهر في عينيه الحمراوين ذلكَ الخضوع الأعمى و الحبّ الكامل نحوها، شعرتْ فانيسا أنّها تملك العالم.
منذ لقاء “رودي”، بدا كلّ يوم بالنّسبة لها كعيد ميلاد.
“… آه…”
استيقظتْ فانيسا فجأة من الحلم. دخل السقف المألوف الآن في مجال رؤيتها.
التعليقات لهذا الفصل " 55"