“انخفضتْ قواها الجسديّة قليلاً، لكنّ الأمر ليس خطيرًا، فإذا تناولتْ غذاءً مغذّيًا متوازنًا و أخذتْ قسطًا كافيًا من الراحة، ستتعافى سريعًا.”
بمعنى آخر، هي متعبة فقط، و لا توجد مشكلة كبيرة.
نظرتْ فانيسا إلى يورغن بنظرة تقول “ألم أقل لك؟”.
أطلق يورغن ضحكة ساخرة كأنّه مذهول، ثمّ قال للطبيب:
“حسنًا. يمكنكَ الانسحاب الآن.”
“نعم، صاحب السموّ.”
بعد خروج الطبيب، عاد الصمت إلى الغرفة التي بقيا فيها وحدهما. راقبتْ فانيسا يورغن بحذر، ثمّ فاجأته قائلة:
“أيّها الدوق، قل الحقيقة.”
“…..”
“أنتَ قلق عليّ الآن، أليس كذلك؟”
فجأة، تجعّد وجه يورغن غضبًا. احترقتْ عيناه الشرسة، كأنّه يقول “ما هذه الترّهات؟”.
كان واضحًا أنّه يشتمها بنظراته، فأدارتْ فانيسا رأسها قليلاً متظاهرة باللامبالاة. من الأفضل عدم استفزازه عندما يبدو على وشكِ الانفجار بلمسة واحدة.
منذ اليوم التالي، أُزيلتْ الأقفال، فأصبحتْ فانيسا قادرة على التجوّل بحرّيّة في قلعة ريباديل. بالطبع، كان رينيه و غارسيا دائمًا معها.
كان التابعون في القلعة يتساءلون إن كانتْ فانيسا قد حصلتْ فعلاً على قوّة الشفاء. مهما سمعوا شهادات حيّة، فالناس يريدون رؤيتها بأمّ عينهم.
بالصدفة، دخل فارس يعرج إلى غرفة الطعام مصابًا في ساقه أثناء التدريب، فنادته فانيسا لتمنحه الكلمة المقدسة.
بدتْ عليه الدهشة طوال الوقت، كأنّه لم يتوقّع هذا الحظّ. منحته فانيسا الشفاء بابتسامة لطيفة.
سرعان ما أصبح قادرًا على المشي كما قبل الإصابة، فصفّق الناس الذين شهدوا هذا المشهد المذهل لفانيسا.
وسط المديح المتدفّق، بدأتْ فانيسا طعامها بمزاج سعيد. تناول الطعام في غرفة الطعام التي يستخدمها التابعون ليس سلوكًا يليق بسيّدة نبيلة، لكنّ فانيسا كانت تتبع مبدأ “و ما المانع؟”.
كان الأكل مع رينيه و غارسيا أفضل بكثير من الأكل لوحدها.
جاء الخبر السيّئ في ذلك اليوم متأخّرًا بعد الظهر.
“بدأتْ وحوش الصقيع تهبط جنوبًا.”
جاء يورغن بنفسه ليبلغها، مرتديًا درعه بالفعل. تجمّدتْ فانيسا لحظة، ثمّ سألتْ بصوت مرتجف:
“ما حجمها؟ هل الوضع خطير؟”
“إنه خطير. لديهم ذكاء أيضًا، فهم دائمًا يتحقّقون من قوّتنا أوّلاً، ثمّ يهاجمون بضعف العدد.”
كان من المفاجئ أنّ لوحوش الصقيع ذكاء، لكنْ أن يواجهوا دائمًا ضعف عدد الجيش كان صادمًا.
“فرص الفوز… موجودة، أليس كذلك؟”
كان في صوتها توتّر و قلق. سخر يورغن ضاحكًا، ثمّ أكّد بثقة:
“سؤال بديهيّ.”
ثمّ أضاف بهدوء:
“غارسيا قوّة رئيسيّة في فرقة فرسان فليوغل، لذا سيشارك في هذه المعركة و يقود المقدّمة. حراستكِ سيتولّاها فينسنت بدلاً منه.”
فهمتْ الآن لماذا لم ترَ غارسيا من الصباح. كان فينسنت الذي يشبه الجرو الخجول يحرس غرفتها النوم بدلاً منه. أومأتْ فانيسا موافقة.
ثمّ حذّرها يورغن من عدم إثارة مشاكل غير ضروريّة في غيابه.
مع انتهاء كلّ ما لديه، استدار دون تردّد و خرج من الغرفة.
لم يكن لدى فانيسا المزيد لتقوله له، لكنّ قلبها لم يكن مرتاحًا، فتبعته مسرعة بخطواتٍ صغيرة. نظر إليها يورغن الذي تتبعه بفتور، ثم تنهّد بضجر.
كانت خطواته سريعة جدًّا حتّى أصبحتْ فانيسا تلهث قليلاً. عند الوصول إلى الوجهة، انتظرتْ حتّى يستقرّ تنفّسها دون أن يلاحظ.
كانت الوجهة ميدان التدريب الخارجيّ حيث يتجمّع فرسانه النخبة.
صمت الفرسان الذين كانوا يتحدّثون فور ظهور يورغن. نظر إليهم ببطء، ثمّ أصدر صوتًا مليئًا بهيبة لا تُقاوم:
“لا بدّ أن قائد الفرقة قد شرح لكم كلّ شيء، لكنّي سأكرّر مرّة أخرى. قوّة وحوش الصقيع التي رصدها حرس الجبهة الشماليّة تفوق الضعف مقارنة بالسابق.”
‘تفوق الضعف؟’
فغرتْ فانيسا عينيها مذهولة.
يعني أكثر من الضعف…
“بخلاف العمليّات السابقة التي دفعناهم فيها إلى حدود أرض البرد القارس، سنركّز هذه المرّة على الدفاع فقط. سنمنع إهدار المؤن الحربيّة و نقلّل الخسائر من جانبنا قدر الإمكان.”
“نعم، سيدي!”
“تلقّينا الأمر!”
ما إن انتهى يورغن من كلامه، حتّى سلّم الفرسان بانضباط و أجابوا بصوتٍ مدوٍّ. اختفى سلوكهم المرح المعتاد، و أصبحوا مثال الانضباط العسكريّ.
سرعان ما ركب يورغن حصانه أوّلاً، و تبعه الفرسان. بينما يقود الطريق على أليكساندر، التفتَ يورغن فجأة إلى فانيسا.
التقتْ نظراتهما في الهواء.
عيون ذهبيّة و زرقاء داكنة، تشابكتْ الحدقتان للحظة بدتْ كالأبد.
حتّى بعد أن أدار يورغن رأسه بتعبيره البارد المعتاد، لم تستطعْ فانيسا نزع نظرها عن ظهره.
* * *
مرتْ ثلاثة أيّام منذ خروج يورغن و فرقة فرسان فليوغل إلى الجبهة الشماليّة.
حسب الأخبار الواردة، كان خطّ الدفاع الذي بناه يورغن فعّالاً جدًّا.
لا يُعرف كم سيستمرّ القتال مع قوّة وحوش الصقيع الهائلة، لكنّ الوضع أفضل ممّا توقّع.
لم يكن وضع الإقليم و مدينة القلعة سيّئًا أيضًا. كانت جينيلي منهمكة في البحث لصنع علاج مثاليّ و تحديد ناقل الوباء، و فانيسا تساعدها أحيانًا أو تشفي المصابين الجدد.
لحسن الحظّ، لم يظهر مصابون متكرّرون، لكنّ جينيلي تقول إنّه لا يجوز التراخي.
كما أكّدتْ جينيلي أنّه مهما كانت قوّة فانيسا عظيمة، فتحميلها كلّ العبء وحدها غير صحيح.
للأسباب التالية:
“في المجتمع، عند حدوث صعوبات، يجب أن يتحد الجميع لحلّها. حلّ المشكلة بطريقةٍ غير إنسانيّة بالتضحية بشخص واحد غير صحيحة. مهما كانت قوّة صاحبة الدوق تفوق قدرات البشر بفضل الحاكم.”
دهشتْ فانيسا داخليًّا من كلام جينيلي الجادّ، التي كانتْ تبدو طفلة بريئة. يبدو أنّ جينيلي أعمق تفكيرًا ممّا تبدو.
‘حقًّا، لا يجوز الحكم على الناس من مظهرهم.’
مر يومان آخران دون حوادث، كانت أيّام هادئة.
لم يثر أيّ مريض مشكلة، و عدد المصابين يتناقص تدريجيًّا.
تمنّتْ فانيسا أن تحلّ كلّ المشاكل بهدوء هكذا. الوباء و الحرب… دون موت أو إصابات…
لكنْ، كالعادة، تحدث الأمور غير المتوقّعة، عكس رغبات الناس.
“كم عدد المصابين الجدد؟”
“حتّى اليوم، 116 شخصًا، صاحبة السموّ…”
أطرق الطبيب الذي أجاب على سؤال فانيسا بحزن.
أصبح أملها في أن يمرّ كلّ شيء بسلام حتّى اكتمال العلاج بلا معنى، إذ انتشر الوباء أخيرًا في المدينة بأكملها.
لم يقتصر على السكّان العاديّين، بل أصاب الجنود الحراس للمدينة، و وصل حتّى إلى المزارع خارجها.
و ما زاد الطين بلّة هو ظهور مصابين متكرّرين منذ هذه الظهيرة.
بما أنّ العلاج المثاليّ غير موجود بعد، فالملاذ الوحيد هو فانيسا.
التعليقات لهذا الفصل " 54"