تبع يورغن فانيسا التي خرجتْ أولاً من غرفة المرضى. بدا أنّها تنوي الذهاب إلى الغرفة التالية.
حسب يورغن عدد المرضى المقيمين هنا في ذهنه. حتّى بتقدير تقريبيّ، كانو يتجاوزون المئة، لذا لا بدّ أنّ فانيسا استخدمتْ الكلمة المقدسة أكثر من خمسين مرّة حتّى الآن.
لسبب ما، شعر بالانزعاج. مسح وجهه بيده، تنهّد، ثمّ قال:
“يبدو أنّ المرضى المتبقّين حوالي ستّين. إذا كنتِ تنوين علاجهم جميعًا اليوم، فتوقّفي عن ذلك. ستؤذين جسدكِ هكذا.”
ليس قلقًا عليها مطلقًا، بل لأنّه يكره حدوث أمور مزعجة. في النهاية، سيكون هو مَنٔ يتولّى التنظيف خلفها.
لكنّ فانيسا هزّتْ رأسها رافضة كلامه، و قالت:
“أنا بخير حتّى الآن. قرّرتُ علاج المرضى في العيادة فقط و الراحة اليوم. علاوة على ذلك، غارسيا و رينيه يساعدانني جيّدًا…”
في تلك اللحظة، صادفا رينيه و غارسيا اللذين ظهرا من زاوية الممرّ. كان كلّ منهما يحمل معطفًا صوفيًّا و صينيّة خشبيّة، و عليها وجبة خفيفة بسيطة من الخبز و الماء و الفواكه المجفّفة.
“آه، سيدي؟ متى وصلتَ؟”
“أقدّم تحيّاتي لصاحب السموّ الدّوق.”
على عكس غارسيا الذي سأل مندهشًا بعيون واسعة، انحنت رينيه بأدب و احترام.
التقى الأربعة في نقطة واحدة قريبًا. وضعتْ رينيه أوّلًا المعطف الصوفيّ على كتفي فانيسا. و في أثناء ذلك، رفعتْ نظرها إلى يورغن قليلاً، ثمّ شرحتْ كأنّها تعرف أنّه سيتساءل:
“صاحبة السموّ الملكيّ تشعر بالبرد.”
ثمّ أضافتْ و هي تتحقّق من تعبير فانيسا:
“يبدو أنّ جسدها ضعف بسببِ الإفراط في استخدام الكلمة المقدسة.”
بدتْ و كأنّها أيضًا من المعارضين لإجهاد فانيسا.
ثمّ تدخّل غارسيا كأنّه ينتظر دوره:
“و تتخطّى الوجبات أيضًا. صاحبة السموّ، تناولي القليل الآن و لو قليلاً. و إلّا ستسقطين حقًّا.”
قدّم الصينيّة أمام فانيسا، فتردّدتْ لحظة ثمّ أمسكتْ قطعة خبز واحدة.
رؤيتها تأكل قطعة صغيرة بشهيّة ضعيفة و تمضغ ببطء جعلتْ يورغن يبتسم ساخرًا دون قصد.
لم يكن يستطيع فهمها. هذا الغباء في اختيار معاناة تؤذي الجسد.
بينما كان يفكّر في حملها على كتفه و الخروج من العيادة، انتهتْ فانيسا من قطعة الخبز الصغيرة و شربتْ بعض رشفات الماء.
أخيرًا، وضعتْ بعض الزبيب في فمها، مضغته ثمّ ابتلعته، ثمّ نظرتْ إلى يورغن خلسة و مرتْ من جانبه. كانتْ تراقبه بوضوح خوفًا من تصرّف مفاجئ منه.
حدّق يورغن في مؤخّرة رأسها المستدير بحدّة كأنّه يغرز إبرة، ثمّ تبعها بخطواتٍ واسعة. عندما اقترب من جانبها، رفعتْ فانيسا نظرها إليه قليلاً و قالت:
“لا أشعر بالجوع الآن لذا آكل القليل فقط، و سآكل جيّدًا بعد انتهاء كلّ شيء. جسدي يشعر ببعض القشعريرة فقط، لا توجد مشكلة كبيرة.”
كذب واضح.
بالطبع، لم يصدّق يورغن كلام فانيسا.
كان يعرف من خبرته مدى عنادها، و أنّها لا تتخلّى عما تقوم به أبدًا حتّى تحقّق هدفها.
لسخرية القدر أنّه يعرفها جيّدًا بقدر كرهه لها.
وصلتْ فانيسا إلى غرفة المرضى التالية، و استخدمتْ كلمة الشفاء المقدّسة للمرضى كالعادة.
لا يزال غير معروف إن كانت قوّة فينيا الكامنة فيها تمنع الإصابة المتكرّرة بالوباء، لكنّها بالتأكيد تشفي جميع الأعراض و تعالج المرض تمامًا.
هكذا دارتْ فانيسا على جميع الغرف المتبقّية و شفيتْ المرضى، و تركها يورغن تفعل ما تشاء. كان يفكّر أنّه إذا أصابها الإرهاق هذه المرّة و أُغمي عليها أو مرضتْ، فذلك أفضل.
بعد تجربة ردّ فعل كهذا مرّة، ستحرص في المستقبل على استخدام كلمة الحاكم بحذر.
بعد قليل، انتهى علاج جميع المرضى في العيادة، و خرجتْ فانيسا من آخر غرفة و هي تترنّح، فساعدها غارسيا و رينيه مسرعين.
كان تعبيرهما قلقًا جدًّا.
“صاحبة السموّ الملكيّ، هل أنتِ بخير؟”
“صاحبة السموّ…”
ردّتْ فانيسا بابتسامة خافتة على كلامهما المليء بالقلق.
كانت ابتسامة هشّة كندفة ثلج صغيرة معلّقة على طرف غصن شجرة شتويّة عارية، تتكسّر بلمسة.
“أنا بخير، الآن سنصعد إلى الغرفة و…”
لم يعد لدى يورغن صبر للمشاهدة أكثر.
اقترب من فانيسا بخطوات واسعة، ثمّ رفعها بين ذراعيه كأنّه يخطفها. لم يحملها على كتفه كحقيبة، فكان ذلك رحمة منه نسبيًّا.
“الدوق…! ماذا تفعل الآن―”
“إذا لا تريدين عضّ لسانكِ، أغلقي فمكِ.”
لم يكن التحذير كلامًا فارغًا، إذ عبر يورغن الممرّ بسرعة البرق.
كانت خطواته سريعة جدًّا حتّى اهتزّ جسد فانيسا. خوفًا من عضّ لسانها حقًّا، أغلقتْ فمها و هدأتْ.
في أقلّ من دقيقتين، خرج يورغن من العيادة و توجّه مباشرة إلى الإسطبل. رحّب الحارس به بحرارة، لكنّه ارتبك و ارتعشتْ جفناه عندما رأى فانيسا محمولة بين ذراعيه كأسيرة.
تجاهل يورغن ردّ فعله، و وضع فانيسا على سرج أليكساندر.
كان من الطبيعيّ أن يتبعه رينيه و غارسيا، فيتبادلا نظرات صامتة ثمّ يخرجا حصانيهما من الإسطبل.
* * *
‘اختطاف آخر.’
فكّرتْ فانيسا بفتور.
‘و سجن آخر.’
نظرتْ فانيسا ببطء في غرفة النوم الداخليّة في قلعة ريباديل، التي تشعر و كأنّها لم تزُرها منذ زمن.
لم يتغيّر الديكور الداخليّ كثيرًا عن السابق، لكنّ الستائر أصبحتْ بلون أفتح، و أُضيفت خزانة زينة أخرى قرب النافذة.
ألقى يورغن فانيسا في هذه الغرفة، أغلق الباب بثلاثة أقفال، ثمّ اختفى إلى مكانٍ ما.
و منذُ عشر دقائق، لم يدخل أحد، فكانتْ وحدها في الغرفة.
تنهّدتْ فانيسا بعمق، ثمّ استلقتْ على السرير الواسع جدًّا لشخص واحد. بعد تجربة السجن مرّتين، لم تعدْ تهتمّ. فقط تشعر ببعض العصبيّة.
‘إنه وقح حقًّا…’
شتمتْ يورغن في سرّها، متمنّية أن يعطيها شيئًا لتسلية نفسها. أو يلقي إليها كتابًا على الأقلّ.
كانتْ تعيش حياة مشغولة حتّى الآن، فالاستلقاء هكذا دون فعل شيء يثير حكّة في جسدها.
مع اقترابها من الحدّ، بدأتْ تفكّر في فتح النافذة والقفز منها.
كليك، كليك―
“…..!”
سمعتْ صوت فكّ الأقفال من خارج الباب.
انتفضتْ فانيسا و نهضتْ من مكانها، محدّقة في الباب. سرعان ما فُتح الباب، و دخل يورغن.
لم يكن وحده. كان مع شخص آخر، وجه تعرفه فانيسا.
الطبيب الخاصّ بعائلة دريك.
دخل يورغن الغرفة الداخليّة دون تردّد مصطحبًا الطبيب الخاصّ، و وقف أمام فانيسا الجالسة على حافّة السرير.
بوجه خالٍ من الإنسانيّة لا يُقرأ فيه أيّ عاطفة، أشار برأسه نحو فانيسا و أمر:
“افحص نبضها.”
“نعم، سموّ الدّوق.”
“…..؟”
دهشتْ فانيسا من الوضع غير المتوقّع. لم تتخيّل أنّ يورغن سيهتمّ بصحّتها.
‘ألا يتصرف بهذه الطّريقة الآن لأنّه يكره تصرّفي كما أشاء، و يكره حدوث أمور مزعجة…’
إذا انتشر خبر امتلاكها قوّة الشفاء بسبب هذا الحادث، فسيكون أمرًا مزعجًا من نواحٍ عديدة.
بالنسبة إلى سيد عائلة دريك الذي سيتعيّن عليه التعامل مع ذلك، أي يورغن.
أمّا بالنسبة إلى فانيسا، فكان ذلك خطّة مقصودة. أن تصبح كائنًا يحترمه الجميع و يطمعون في قوّته سيرفع مكانتها في قارّة أسترا إلى أعلى مستوى.
بالطبع، رغبتها في إنقاذ الناس كانت حقيقيّة أيضًا.
“لحظة إذن، صاحبة السموّ الملكيّ.”
مدّ الطبيب الخاصّ يديه إلى فانيسا بأدب. كان يريد فحص نبض المعصم، فطلب التعاون.
أومأتْ فانيسا بهدوء، و مدّتْ يدها للطبيب دون تردّد.
بينما يمسك الطبيب يدها بحذر و يفحص النبض داخل المعصم، التقتْ عينا فانيسا بعينيّ يورغن الواقف على مسافة قريبة.
تبادلا نظرات طويلة في الصمت.
ما كان يظهر في عينيه هو يقينه بأنّه يعرفها جيّدًا لكنّه لا يفهمها، و ما في عينيها رغبتها في فهمه لكنّه لا يزال بعيدًا.
توتر خانق يسدّ النفس.
مع انتهاء الطبيب الخاصّ من الفحص و إطلاق يدها و تراجعه خلسة، انفرج الجوّ المتجمّد.
لكنّ النظرات الواضحة التي تشرّح حتّى النخاع ظلّتْ موجّهة نحو بعضهما البعض.
التعليقات لهذا الفصل " 53"