انقضتْ فترة الراحة القصيرة، فعادتْ فانيسا للوقوف أمام الناس مجدّدًا.
شعرتْ و كأنّها حيوان في مسلخ يُسحب دمه، لكنّها هي مَنٔ اختارتْ ذلك بنفسها، فلم يكن أمامها سوى قبوله بصمت.
استمرّ صف المواطنين الذين تجمّعوا لتلقّي البركة من فانيسا حتّى ساعة متأخّرة من تلك الليلة. بدا الصفّ الطويل الذي لا يبدو أنّه سينتهي يتناقص تدريجيًّا فقط عندما اقتربتْ الساعة من الحادية عشرة ليلاً.
مع منح الكلمة المقدسة لآخر شخص، أصبح الوقت منتصف الليل بالفعل. أطلقتْ فانيسا تنهّدًا طويلًا و نهضتْ من الكرسيّ المؤقّت.
ما إن فكّرتْ أن الأم انتهى أخيرًا، حتّى ظهر التوتّر فجأة، و اجتاحها تعب كثيف كموجة. سارع غارسيا إلى مساعدتها وهي تترنّح بلا قوّة.
نظر إلى وجهها قلقًا و سأل:
“هل أنتِ بخير؟”
“نعم، أنا بخير. بدلاً من ذلك… أنتما أيضًا بقيتما بجانبي طوال الوقت فلم تتناولا عشاءً مناسبًا و تعبتما، اذهبا سريعًا و…”
“لا داعي للقلق علينا. صاحبة السموّ الملكيّ التي تعبتْ طوال اليوم باستخدام كلمة الحاكم هي أكثر ما يقلقنا. وجهكِ الآن شاحب كورقة بيضاء.”
أصدر غارسيا صوت تذمر منخفضًا، ثمّ تمتم “لحظة إذن.” و رفع فانيسا بين ذراعيه دون انتظار موافقتها.
نظرتْ إليه فانيسا مندهشة بعيونٍ واسعة، فابتسم غارسيا.
“سأحملكِ إلى الغرفة هكذا. رغم التعب، استحمّي بماء ساخن، و تناولي الطعام، ثمّ نامي.”
“لا…”
فطنتْ رينيه سريعًا في المعنى الخفيّ في كلام غارسيا، فهرعتْ إلى المطبخ.
بينما ذهبتْ لجلب الطعام، صعدتْ فانيسا محمولة بين ذراعي غارسيا إلى الغرفة.
رغم أنّ غارسيا و رينيه يعتنيان بها جيّدًا، إلّا أنّها لم تتوقّع هذا القدر من الرعاية الشديدة، فشعرتْ ببعض الذهول.
لأنها لم تتخلص من مشكلة الجوع و الاستحمام حتّى تجاوز الوقت الواحدة بعد منتصف الليل، استيقظتْ في اليوم التالي متأخّرة عن المعتاد.
لحسن الحظّ، لم يكن عدد الذين تجمّعوا اليوم لتلقّي البركة من فانيسا كبيرًا.
بعد منح الكلمة المقدسة لستّة عشر شخصًا إجمالاً، عادتْ فانيسا إلى العيادة فسمعَتْ خبرًا سارًّا في الوقت المناسب.
“الدّوقة! نجحتُ أخيرًا في صنع العلاج!”
ابتهجتْ جينيلي فور رؤية فانيسا، و قفزتْ كالأرنب بسعادة و هي تخبرها. ابتسمتْ فانيسا ابتسامة واسعة و هنّأتها.
وجود علاج يعني عدم القلق حتّى لو انتشر الوباء كثيرًا، فكان أمرًا مريحًا جدًّا.
لكنْ بعد ساعة واحدة، واجهت جينيلي و الفريق الطبّيّ عقبة غير متوقّعة.
“هناك مَنٔ يستجيب للعلاج و هناك منَ لا يستجيب. هكذا… سيكون من الصعب شفاء الجميع.”
تنهّد الطبيب و هو يتصبّب عرقًا باردًا. كان التعب الكثيف يعلو وجهه بعد أيّام من العناء.
“هل تحوّر الوباء في هذه الأثناء؟ إذن… لا خيار سوى تحسين العلاج مجدّدًا…”
كان وجه جينيلي شاحبًا و مظلمًا أيضًا. لم يكن ذلك غريبًا، فقد قضتْ أكثر من أسبوع دون نوم كافٍ، و هي منهمكة في بحث الأعشاب و الكيمياء لصنع العلاج.
مسحتْ جينيلي وجهها بيدها وأكملتْ:
“أوّلًا، قد يظهر مصابون مجدّدًا من بين المتعافين تمامًا، فلا تُعيدوهم إلى منازلهم فورًا. سأحسّن العلاج أكثر…”
في تلك اللحظة، جاءتْ ممرّضة تركض من الممرّ الأيمن و هي مذعورة. كان وجهها شاحبا. وصلتْ إلى جينيلي و الفريق الطبّيّ وألقتْ الكلام مذعورة:
“ك، كارثة! المريض ذو الحالة الخطيرة، السيد روبيرت…!”
تبادل الجميع نظرات صامتة إثر قراءة الجوّ غير الطبيعيّ. ثمّ ركضوا جميعًا إلى غرفة المرضى ذي الحالات الخطرة دون أن يسبق أحدهم الآخر.
عند الوصول، كان رجل مسنّ شعره أشيب يسعل بألم و يتقيّأ دمًا. سارع الطبيب إلى فحصه و سأل بصوت مرتفع:
“منذ متى بدأ هذا؟!”
أجابتْ الممرّضة التي ترعاه بصوتٍ يشبه البكاء:
“منذ قليل، منذ ثلاث دقائق زاد عدد مرّات السعال فأعطيته دواء السعال و الماء قليلاً قليلاً، لكنْ منذ دقيقة بدأ يتقيّأ دمًا فجأة…”
كان الرجل المسنّ يسعل بعنف و يتقيّأ دمًا كأنّه على وشكِ الموت، فكان المشهد فوضى تامّة. تذكّرتْ فانيسا فجأة أنّ هذا المسنّ من بين الذين عاملوها بلطف من اليوم الأوّل.
[الناس أغبياء، يا صاحبة السموّ. لا تقلقي كثيرًا…]
توقّف المسنّ فجأة عن السعال و انهار كأنّ قوّته نفدتْ. تحت جفنيه الذي يرتعشان دون وعي، كانت حدقتاه السوداوين تفقدان بريق الحياة.
‘لا…’
في تلك اللحظة، تمنّتْ فانيسا لا إراديًّا بشدّة أن تمتلك القوّة لشفاء هذا المسنّ. لو استطعتُ إنقاذ من منحني الدفء هذه المرّة―
هل استجاب الحاكم للرغبة اليائسة التي ملأتْ قلبها؟
مع اهتزاز هائل يخترق العمود الفقريّ، انغرست في ذهنها كلمة مقدسة جديدة تحمل قوّة جديدة.
[لتبقَ الحياة التي لامستْها يديّ خالية من الألم و الفساد.]
كانت كلمة الشفاء المقدسة.
ركضتْ فانيسا مذعورة إلى جانب المسنّ و استخدمتْ كلمة الشفاء مسرعة.
كان نفس المسنّ لا يزال ضعيفًا لكنّه موجود، وإذا فعلتْ قوّة الشفاء، فكانت فرصة إنعاشه كبيرة.
‘أرجوك، أرجوك…’
امتدّ ضوء أبيض نقيّ كالثلج من أطراف أصابع فانيسا و غلّف جسد المسنّ بالكامل دون فراغ.
أغمض المسنّ عينيه مرّتين أو ثلاثًا، ثمّ رفع الجزء العلويّ من جسده من وضع الاستلقاء وسعل بقوّة.
“هاه… ي، يا سيدي!”
“م، ما الذي حدث للتوّ…”
نظر الأطبّاء المذهولون تارة إلى المسنّ الذي بدا كأنّه عاد من الموت، و تارة إلى فانيسا. تقيّأ المسنّ الدم المتبقّي في جسده عدّة مرّات، ثمّ طلب ماءً بصوت أجشّ.
شرب المسنّ بعض رشفات من الماء الفاتر الذي ناولته إيّاه الممرّضة، ثمّ التفتَ إلى فانيسا بوجه أصبح لونه أفضل بكثير. كانت حدقتاه واسعتين كمَنْ شهد شيئًا مذهلا.
كان قد تلقّى تقريرًا عن حركات وحوش الصقيع غير الطبيعيّة، فقلّل حتّى من ساعات نومه و انغمس في التدريب العسكريّ.
في وضع مشدود قد ينشب فيه القتال في أيّ لحظة، كان من المفترض أن يكون حصول فانيسا على كلمة الشفاء المقدّسة خبرًا سارًّا، لكنّه لسبب ما لم يشعر بالارتياح.
“أمر رائع. بالتأكيد يجب الاستمرار في تتبّع سبب الوباء، لكنْ إذا ظهر مصابون الآن، يمكن لصاحبة السموّ شفاؤهم، فلا قلق بعد الآن.”
“…..”
ساء مزاج يورغن أكثر بسبب ميلارد الذي يتحدّث كأنّه لا بأس بتحميل كلّ العبء على فانيسا وحدها.
من الناحية العقلانيّة، استخدام فانيسا التي تحمل حماية الحياة إلى أقصى حدّ هو الطريق لصالح الإقليم. لكن… شعور بعدم الراحة غير معروف السبب كان يزعج أعصابه باستمرار.
خرج يورغن من ميدان التدريب و ركب حصانه المفضّل، أليكساندر. بدا أليكساندر سعيدًا بركوب صاحبه، فأشرقتْ عيناه و ركض متّسقًا مع تنفّس يورغن.
كانت الوجهة عيادة فانيسا.
كانت تلك المرأة قد أجهدتْ نفسها أصلاً بمنح كلمة الحيويّة للمواطنين.
فكرة أنّها تعالج المرضى الآن بقوّة أكثر إرهاقًا للجسد جعلتْ صدره يشعر كأنّ حبرًا أسود ينتشر فيه.
وصل يورغن إلى العيادة، سلّم الحصان ، ثمّ دخل مباشرة.
رحّب به الناس الذين رأوه بحرارة و سألوا عن حاله، لكنّ يورغن أجاب بفتور و بحث عن فانيسا فقط.
“صاحبة السموّ الملكيّ الآن في غرفة المرضى رقم 106.”
توجّه يورغن إلى الغرفة التي أخبرته بها الممرّضة التي صادفها، و كانت خطواته محمّلة بالعجلة.
عند وصوله إلى غرفة 106، رأى فانيسا تستخدم الكلمة المقدسة لمريض مستلقٍ قرب النافذة.
تدفّق ضوء أبيض كالثلج من أطراف أصابعها و غلّف جسد المريض بلطف. أرخى المريض الذي كان يمسك صدره من الألم يده تدريجيًّا، و أصبح وجهه مرتاحًا بالتدريج.
انهلتْ دموع عائلة المريض المذهولين ، و شكروا فانيسا مرّات عديدة.
ردّتْ فانيسا ابتسامة و منعتهم من الانحناء مرّات كثيرة، ثمّ ابتعدتْ عن المكان و تقدّمتْ نحو باب الغرفة حيث يقف يورغن.
رغم ظهوره المفاجئ، لم تبدُ فانيسا مندهشة كثيرًا. كانت فقط تبتسم بهدوء و تنظر إليه كأنّها كانت تعرف أنّه سيأتي.
التعليقات لهذا الفصل " 52"