نظرَتْ فانيسا إلى المواطنين ببطء، ثمّ أصدرتْ صوتًا ثقيلًا و منخفضًا عمدًا.
“سأمنحكم ما تريدون.”
“صاحبة السموّ الملكيّ…!”
ابتهج الناس فورًا بكلامها، لكنّ غارسيا أصيب بالذهول و أطلق تنهّدًا.
نظرتْ فانيسا برهة إلى غارسيا القلق، ثمّ رسمتْ ابتسامة على شفتيها.
كانت تلك الابتسامة بدلًا من قولها “لا بأس”.
“لكنْ، هناك أمر يجب أن تحفره في أذهانكم.”
انتشر صوت فانيسا الثقيل و القويّ بخلاف المعتاد في الشارع. بدا الناس مسحورين بهيبتها، فأمسكوا أنفاسهم و ركّزوا عليها.
“تلقّي بركة الحيويّة لا يعني بالضرورة النجاة من الوباء بشكلٍ حتميّ. إنّه يقلّل فقط من احتمال الإصابة به.”
ربّما بسبب حزم موقف فانيسا، لم يجرؤ الناس على إبداء اعتراض يبدأ بـ”لكنْ”، و اكتفوا بالاستماع بهدوء.
“إذا وعدتم بتذكّر هذه الحقيقة و عدم الثقة بشكلٍ أعمى بقوّة الكلمة المقدّسة، فسأستخدم الكلمة المقدسة بكلّ سرور.”
مع انتهاء كلامها، انتشرتْ جلبة صغيرة بين الناس. وسط همهمات التردّد، رفع أحدهم يده عاليًا فجأة. وجّهتْ فانيسا نظرها نحوه، فقال الرجل الذي رفع يده بوجه حازم:
“سأحفر كلام صاحبة السموّ في ذهني. لن أثق بقوّة الكلمة المقدسة بشكلٍ أعمى، لذا أرجوكِ أن تمنحي كلمة الحاكم لأمّي…!”
بدءًا من ذلك الرجل، رفع العديد ممّن حسموا أمرهم أيديهم و صاحوا بأنّهم يعدونها بذلك. في تلك الفوضى التامّة، رفعتْ فانيسا يدها ببطء لإيقاف الناس. ثمّ نظرتْ إلى الجمع و أصدرتْ أمرًا بهدوء:
“واحدًا تلو الآخر، التزموا النظام و تقدّموا أمامي.”
لم يكن السيطرة على الحشد أمرًا صعبًا على فانيسا التي ترعرعتْ و تلقت تعليمًا كأميرة. كان في صوتها هيبة لا تُقاوم، فاصطفّ الناس كأنّهم مسحورون.
هكذا بدأتْ فانيسا باستخدام الكلمة المقدسة ابتداءً من الشخص الأوّل في الصفّ.
“حسنًا، ما اسمك؟”
“ف، فيليب، يا صاحبة السموّ الملكيّ.”
“أردتَ البركة لوالدتكَ العجوز، أليس كذلك؟”
“نعم، إنّها هنا…”.
منحتْ فانيسا كلمة الحاكم لكلّ من الأمّ و ابنها. بدا الاثنان متأثّرين جدًّا بكرمها، فقاما بالإنحناء مرارًا شاكرين و انصرفا.
ثمّ جاء دور الشخص التالي. هذه المرّة امرأة شابّة تحمل طفلًا رضيعًا. رحّبتْ بهما فانيسا بابتسامة أكثر لينًا.
“حسنًا، ما اسمكِ؟”
في ذلك اليوم وحده، تلقّى أكثر من مئة شخص بركة الحياة من فانيسا. حفظتْ فانيسا أسماءهم جميعًا بدقّة.
رأى غارسيا فانيسا تعود إلى مكان الإقامة و تسجّل بدقّة على ورق الرقّ أسماء تلك الأعداد الكبيرة و أماكن سكنهم و أسباب طلبهم الكلمة المقدسة، فأخرج لسانه متعجّبًا.
“كيف تحفظين كلّ ذلك؟ على الأقلّ لم تحفظي وجوههم جميعًا، أليس كذلك؟”
“لا؟ لقد حفظتُ الوجوه أيضًا.”
“… حقًّا ذاكرة صاحبة السّمو مذهلة…”.
نعم، كانت فانيسا بارعة في نسيان الأمور غير الضروريّة أو غير المثيرة للاهتمام، لكنّها تمتلك ذاكرة استثنائيّة تحفظ ما تحتاجه بدقّة.
و الأمور التي نسيتها فانيسا خلال حياتها كانت تلك التي اعتبرتْها هي نفسها لا تستحقّ التذكّر…
‘أمر رودي… هل نسيته حقًّا بنفسي؟ أم أنّ هناك شيئًا لا أعرفه…’.
بينما تُعيد التفكير في الشكّ الذي يقلقها أكثر من أيّ شيء هذه الأيّام، دغدغتْ فانيسا أنفها بريشة القلم.
في مكان مظلم يضيئه ضوء ثلاث شموع فقط، تسلّل ضوء القمر الخافت من النافذة المغطّاة بالصقيع الأبيض.
كتبتْ فانيسا الاسم المشكوك فيه كأنّها مسحورة.
[رودي]
لماذا تشعر بألم خفيف في جزء من صدرها كلّما نطقتْ بهذا الاسم؟
تذكّرتْ فانيسا فجأة الابتسامة الودودة التي أظهرها يورغن عندما كان يهذي في نومه. كان الشعور الذي يتدفّق دون تردّد هو الأسف.
شعور غامض لا تفهمه رغم أنّه شعورها هي…
‘… بالتأكيد يكمن حلّ هذه العلاقة في ذاكرتي المفقودة.’
يورغن، أو رودي.
أريد معرفة مَنٔ أنتَ.
الآن، أكثر من رغبتي في جعلكَ في صفّي…
* * *
في اليوم التالي أيضًا، منحتْ فانيسا الكلمة المقدسة للناس الذين جاؤوا إلى العيادة.
كان عدد الذين سمعوا الشائعة و جاؤوا أكبر بكثير ممّا كان في اليوم السابق. بدأتْ منح كلمة الحاكم من الصباح، و لم تأكل غداءً مناسبًا ، و أمضتْ ستّ ساعات بالفعل.
رغم أنّ الإنسان يجب أن يتعب، لم تُظهر فانيسا أيّ علامة تعب، و اكتفت بترديد الكلمة المقدسة بصمت كالآلة.
ابتلع غارسيا تنهّده و فكّر.
‘هكذا قد تسقط مغشيًّا عليها…’.
مهما كانت مباركة من الحاكم، فحدود الإنسان واضحة، و إذا لم يتحمّل الوعاء انكسر.
في الواقع، كان وجه فانيسا شاحبًا بشكل خفيف، و أطراف أصابعها ترتجف بصورة دقيقة.
يبدو أنّها لا تزال تتحمّل، لكن إذا اضطُرّتْ لصبّ قوتها على مئات الأشخاص حتّى الليل، فقد يُغمى عليها حقًّا.
“إذن، التالي…”.
يبدو أنّ صوتها يفقد قوّته تدريجيًّا أيضًا.
لا يمكن ترك الأمر هكذا.
قطع غارسيا، الذي حسم أمره، بين فانيسا والحشد و أعلن من تلقاء نفسه.
“حسنًا، إلى هنا! سنرتاح ساعة واحدة من الآن، فلتعودوا حوالي الساعة الثالثة! تفرّقوا!”
“ماذا قلتَ؟”
“لقد انتظرنا ستّ ساعات…”
“صاحبة السموّ لم تقُل شيئًا، فلماذا يقرّر الفارس بنفسه…”
بالطبع، امتلأ الناس بالتذمّر و اعترضوا أو حدّقوا في غارسيا بنظرات حادّة. تجاهل غارسيا الجميع، التفتَ إلى فانيسا و قال: “ارتاحي ولو لساعة واحدة.”.
كادتْ فانيسا تقول إنّ ذلك غير ضروريّ، لكنّ نظرته الحازمة سدّتْ فمها لحظةً فأغلقته. أمسك غارسيا بها كأنّه يحتضنها و ساعدها على الدخول إلى الداخل.
ما إن أغلق الباب و اختفوا عن أنظار الحشد، حتّى انفرج توتّرها فجأة. و في الوقت نفسه، اجتاحها الجوع. هنا أدركتْ فانيسا أنّها جائعة جدًّا.
ذهبتْ أوّلًا إلى غرفة الطعام و أكلتْ غداءً متأخّرًا. كان الطبق حساءً مصنوعًا من أرنب صيد من الغابة.
بما أنّ اللحم كان نادرًا جدًّا، لم يكن هناك الكثير من قطع اللحم في الفم، لكنّه كان كافيًا لملء معدتها الجائعة.
بعد انتهاء الطعام، صعدتْ إلى الغرفة مع غارسيا و رينيه. كان ذلك للراحة التامّة في الثلاثين دقيقة المتبقّية.
“أشعر بالأسف لأنّني وحدي مَنٔ أستلقي على السرير… لماذا لا تذهبان إلى غرفتيكما و ترتاحان؟”
سألتْ فانيسا غارسيا و رينيه و هي مستلقية على السرير. تبادلا الاثنان نظرة صامتة برهة. بدا أنّهما اتفقا بينهما دون كلام. سرعان ما تقدّم غارسيا ممثّلاً عنهما.
“إذا كان وجودنا يزعجكِ، سنخرج إلى الممرّ. لا يُتوقّع حدوث شيء داخل القلعة، لكنْ للاحتياط، من الأفضل حراسة صاحبة السموّ الملكيّ جيّدًا.”
ابتسمتْ فانيسا رغم تفكيرها في أنّهما يبالغان.
كانت تعرف الآن أنّ حراستهما لها أصبحتْ حرفيًّا. لم تعدْ فانيسا بالنسبة إليهما هدف مراقبة.
“ألن تتعبا إذا وقفتما في الممرّ طوال الوقت؟ لا تفعلا ذلك، بل استلقيا هنا أيضًا.”
دعتهما فانيسا و هي تربّت على الفراغ بجانبها، فسأل غارسيا الذي نادرًا ما يظهر الجدية
“… هل تقصدين ذلك حقا؟”
“إنها مزحة.”
ضحكتْ فانيسا بصوت خفيف، فابتسم غارسيا و رينيه رغم دهشتهما.
بدلًا من الاستلقاء على السرير، جلب الاثنان كرسيًّا خشبيًّا و مقعدًا و وضعاهما في مكان مناسب و جلسا.
رمشتْ فانيسا بعينيها و نظرتْ إليهما، ثمّ وجّهتْ نظرها إلى السقف و سألتْ كأنّها تتحدّث إلى نفسها.
“ماذا يفعل يورغن الآن؟”
“آه؟ حسنًا…”
خدش غارسيا رأسه و هو يردّ تلقائيًّا. قبل أن يفتح فمه مجدّدًا، أجابت رينيه بجواب دقيق.
“سيكون مشغولًا بوضع تدابير ضدّ الوباء. إذا انتشر الوباء خارج الأسوار بشكلٍ كبير، فسيكون الوضع كارثة. كما أنّه يشرف على التدريب العسكريّ كلّ صباح. لسوء الحظّ، هذه الفترة هي ذروة غزوات وحوش الصقيع.”
“وحوش الصقيع…”
بينما تهمس فانيسا بذلك الكلمة بذهول، غمرتها فجأة فكرة مشؤومة.
إذا غزتْ وحوش الصقيع بعد حلّ مشكلة الوباء، فذلك أفضل، لكنْ هل سيتطابق التوقيت تمامًا؟
ربّما تسمع قريبًا خبر خروج يورغن في حملة عسكريّة.
“بالمناسبة، صاحبة السموّ الملكيّ لم ترَ وحوش الصقيع من قبل، أليس كذلك؟”
سأل غارسيا بلا مبالاة و بنبرةٍ خفيفة. جلستْ فانيسا من وضع الاستلقاء و أومأتْ برأسها.
“رأيتها في لوحة لرسّام ما. لا أعرف إن كانت تبدو كذلك فعلًا.”
“لوحة؟”
ضحك غارسيا بصوت عالٍ و هو يميل رقبته كأنّه يسمع نكتة مضحكة. و بينما يقهقه، قال:
“لا أعرف مدى جودة الرسم، لكنّه بالتأكيد يختلف عن الواقع. و فرصة رؤيتها فعلًا… لن تكون إلّا في حالات نادرة.”
تجاهلتْ فانيسا كلامه و تذكّرتْ لوحة وحوش الصقيع التي رأتها منذ زمن.
بشرة شاحبة بلون أزرق، عيون حمراء تمامًا دون بياض، حدقات مشقوقة رأسيًّا، أذان مدبّبة، وأظافر حادّة و قاسية تخترق الصخور.
‘وقيل إنّ طولها يصل إلى مترين.’
فرصة رؤيتها فعلًا “نادرة”، لكنْ إذا رأتها أمام عينيها مباشرة… ربّما تتجمّد في مكانها دون حراك.
التعليقات لهذا الفصل " 51"