بالطّبع، قد يكون اعتقادها بأنّها تستطيع التعامل مع يورغن وهمًا كبيرًا جدًّا.
فذلك الرّجل كان قلعة حديديّة لا تستطيع فانيسا أن تقترب منها بسهولة، فضلاً عن اختراقها.
و ليس هذا فحسب؛ فهو، رغم مظهره الهادئ الآن، شبح انتقام مغطّى بالدّماء بكلّ ما تعنيه الكلمة.
كونها قد شهدت بنفسها ضغينته و جنونه في الماضي، فمجرد تذكّر تلك اللّحظات كان كفيلًا بأن ترتجف.
“لماذا ترتجفين فجأة؟ هل تشعرين بالبرد؟”
“هاه؟ آه، قليلاً…”
تنهد يورغن من جوابها، ثمّ زاد من سرعة دخول الغابة قليلاً. لكنّه ما إن شعر بحركة فريسة حتّى نزل عن جواده، انخفض، و أخفض صوت خطواته.
نزلت فانيسا خلفه، ربطت لجام أنايس بعمود شجرة، ثمّ أمسكت القوس المربوط على ظهرها، اتّخذت وضعيّتها، و أمسكت سهمًا بيدها.
في اللّحظة التّالية، مرّ غزالان بسرعة أمامهما.
أطلق فانيسا يورغن وترَي قوسيهما تقريبًا في الوقت نفسه.
طاخ!
انطلق السّهمان مع صوت الوتر الثّقيل، شقّا الهواء، ركبا اتّجاه الرّيح، و أصابا كلّ غزال في مقتل.
انهار الغزالان المسكينان دون أن يُطلقا صرخة ألم.
كلاهما أصيب في نقطة حيويّة، فكان الموت فوريًّا.
‘لحسن الحظّ، انتهت معاناتهما دون ألم.’
أنزلت فانيسا قوسها و تنهّدت تنهيدة خفيفة.
إنهاء حياة الفريسة بسرعة و دون تعذيب؛ كان أحد واجبات الصّيّاد التي علّمها إيّاها والدها.
[إذا تردّدتِ لحظة في إطلاق الوتر، فسينحرف السّهم و يزيد عذاب الحيوان فقط. الصّيّاد الذي يعرف كيف يشكر النّعم التي تمنحها الطّبيعة، عليه أن يقطع حياة فريسته قطعًا حاسمًا.]
تذكّرت فانيسا كلام والدها، ثمّ اقتربت من الغزالين الميتين.
كان السّهم قد غرز عميقًا في قلب أحدهما، فانقطع نَفَسه فورًا، و عيناه السّوداوان الفارغتان لا تزالان تعكسان منظر الغابة الذي لن يركض فيه بعد اليوم.
أغمضت فانيسا عينيه بلطف و همست: “آسفة”.
تظاهرت أنّها لم تلحظ النّظرة الغريبة التي وجّهها إليها يورغن من الجانب.
في البداية غزالين، ثمّ أرانب و طيور الحجل؛ ستّة أرانب و سبعة حجل.
ثمّ، ربّما لأنّهما توغّلا كثيرًا في الغابة، صادفا خنزيرًا برّيًّا.
بالطّبع، لم يكن قوس فانيسا القصير بمقدوره مواجهته.
كان صيد الخنزير من نصيب يورغن.
شدّ قوسه الأسود الطّويل، و حمّل السّهم بقوّة فيوس الذّهبيّة، ثمّ أطلقه.
أصاب السّهم رأس الخنزير فقتله في الحال.
ما إن أسقط الأوّل حتّى انقضّ خنزير آخر من الزّاوية الميتة، متّجهًا مباشرة نحو يورغن.
توقّف قلب فانيسا لحظة، ثمّ عاد لينبض بقوّة وهي تخشى أن يُصاب.
لكنّ قلقها كان عبثًا.
استلّ يورغن خنجره بسرعة البرق، و حمّله القوّة الذّهبيّة نفسها، فقطع عنق الخنزير حرفيًّا.
مع صوت اختراق العظم و الجلد، تناثرت الدّماء الحمراء الدّاكنة في الهواء، و انهار الخنزير و هو يطلق عواءً مرعبًا.
وقفت فانيسا مذهولة أمام المشهد.
كانت حركة الخنزير و ردّة فعل يورغن سريعة جدًّا لدرجة أنّها لم تستوعب ما حدث بالضّبط.
مسح يورغن قطرات الدّم التي تناثرت على خدّه بظهر يده، ثمّ التفت إليها.
ارتجفت فانيسا تلقائيًّا و رفّت بعينيها بسرعة.
ارتسمت سخرية باردة على شفتيه، ثمّ نفض دم الخنجر و أعاده إلى غمده.
استفاقت فانيسا أخيرًا، و تذكّرت أنّ عليها ربط جثّة الخنزير بحبل، فتسلّلت بهدوء نحو يورغن حاملة الحبل.
“تفضل…”
“…..”
تسلّم يورغن الحبل دون كلام، و ربط جثّة الخنزير بإحكام تام.
كان ذلك الخنزير المسكين الذي قُطع عنقه هو آخر فريسة في ذلك اليوم.
ربط فانيسا و يورغن الفرائس كلّها بحبال، و جعلا الجوادين يسحبانها، ثمّ خرجا من الغابة بهدوء.
عندما وصلا إلى مدخل الغابة، كانت الشّمس تغرب في الأفق الغربيّ.
كانت السّماء المسائيّة تبدو كحرير ورديّ طويل ممدود، جميلة إلى درجة مذهلة.
بينما كانت فانيسا تنظر إلى المنظر مذهولة، نزل يورغن عن جواده و بدأ يضع الفرائس في العربة الكبيرة التي أحضراها، مرتبًا إياها حسب ثقلها.
عادت فانيسا إلى رشدها بسرعة، نزلت عن فرسها، و هرعت لمساعدته.
كان الغزالين ثقيلين عليها لوحدها، فتركتهما ليورغن، و انشغلت بنقل الأرانب والحجل بجدّ.
عندما جمعا غنيمة اليوم كلّها، كانت كمّية لا بأس بها؛ تكفي أهل المستوصف لأسبوعين على الأقلّ دون جوع.
نظرت فانيسا إلى الفرائس الممتلئة وهي تثرثر بسعادة:
“لنرجع فورًا و نشوي الخنزير كاملاً و نوزّعه على أهل القلعة. حجمه هائل، سيخرج منه لحم كثير. العظام المتبقّية سنغلي منها مرقة عظام… و باقي الفرائس نصفّي دماءها جيّدًا…”
كان يورغن يحدّق بها وهي تتكلّم دون توقّف، ثمّ أطلق ابتسامة شائكة، و قفز على جواده فجأة.
أدركت فانيسا أنّه يتجاهلها، فصمتت و لم تعد تثرثر، و ركبت فرسها.
بدأ الجوادان بسحب العربة المحمّلة بالفرائس. كانا يسيران ببطء بسبب الثّقل.
في تلك اللّيلة، أقيمت حفلة شواء في ساحة المدينة. تمامًا كما أرادت فانيسا.
كانت الكمّية قليلة جدًّا لإطعام الجميع في القلعة، لكنّ النّاس تنازلوا لبعضهم و تقاسموا الطّعام، فلم يتشاجروا.
بعد انتهاء الحفلة الهادئة، تم غلي كمّية وفيرة من مرقة العظام من البقايا، و وزّعت على النّاس بوعاء لكلّ شخص.
هكذا استُهلك خنزيرا البرّيّان بالكامل دون إضاعة ذرّة.
شعرت فانيسا بفخر لا يُضاهى وهي ترى النّاس ينظرون إليها بفضول فقط، دون خوف أو ريبة كالسابق.
على الرّغم من أنّها مرّت بمواقف كادت تودي بحياتها مرّات لا تُحصى، و على الرّغم من أنّ تحمّلها لجحيم تيريفرون كان صعبًا جدًّا، إلّا أنّها شعرت في تلك اللّحظة، و بصدق تامّ، أنّها فعلت الصّواب بعدم استسلامها أبدًا.
* * *
في صباح اليوم التّالي، جاء مواطنون إلى العيادة بعد سماعهم شائعات عن فانيسا.
كانوا يريدون أن تمنحهم أيضًا كلمة الحاكم.
تصدّى لهم غارسيا، و معه رينيه التي ظهرت فجأة دون أن يعرف أحد متى وصلت.
أحنت رينيه رأسها بأسف و هي ترى فانيسا تقف مذهولة أمام الباب الرّئيسيّ.
ابتسمت فانيسا لها بمعنى “لا بأس”، فلم تكن تحمل ضغينة لأنّ رينيه تركتها و ذهبت.
على أيّة حال، المشكلة العاجلة الآن هي الحشد أمام العيادة.
“ابني في الخامسة الآن. يقال إنّ الأطفال الصّغار عرضة للأمراض المعدية، فهل يمكن لصاحبة السّمو أن تمنحه كلمة الحاكم؟”
“ابني أيضًا…”
“ابنتي رضيعة ولدت لتوّها. إذا أصيبت بالعدوى و ماتت… آه…”
“والدتي تُصاب بالسّعال كثيرًا عادة، و أخشى أن تسوء حالتها بسرعة و تموت إذا أصيبت بالعدوى. الشّهر القادم عيد ميلادها… أرجوكِ، يا صاحبة السّمو، احمي حياة والدتي!”
كان كلّ شخص يتوسّل إلى فانيسا لأسبابه الخاصّة كي تمنحه كلمة الحاكم.
أغمضت فانيسا عينيها بقوّة.
كان هذا المشهد نسخة مصغّرة من العاصفة الكبرى التي قد تواجهها في المستقبل.
الآن هو مجرّد كلام روحيّ للنّشاط و الحيويّة فحسب، لكن ماذا لو استيقظت فيها يومًا قوّة شفاء الجروح و علاج الأمراض؟ بل و علاج المرضى المحتضرين؟
عندها ستنشأ كارثة لا تقاس بما يحدث الآن.
“صاحبة السّمو، أرجوكِ!”
“صاحبة السّمو!”
“أرجوكِ، امنحينا كلمة الحاكم للحياة، يا صاحبة السّمو!”
أدركت أخيرًا، و بشكلٍ مؤلم، أنّ نعمة الحاكم ليست مجرّد بركة و امتياز، بل واجب و مسؤوليّة ثقيلة أيضًا.
“لا، أيّها السّادة! اهدؤوا قليلاً! كلمة الحاكم ليست علاجًا لكلّ داء! حتّى لو منحتكم صاحبة السّمو كلمة الحاكم، فلا أحد يمكن أن يضمن أنّكم ستتجنّبون العدوى تمامًا!”
كان غارسيا هو مَنٔ تقدّم لتهدئة النّاس المحمومين.
شعرت فانيسا في الآونة الأخيرة أنّ وجود غارسيا كان كالمطر المنعش في القحط.
“لكنّنا سمعنا أنّ مَنٔ يعملون في العيادة قد رأوا مفعولاً واضحًا!”
“نعم! نريد نحن أيضًا أن ننال كلمة الحاكم!”
“أرجوكِ! يا صاحبة السّمو!”
“قلت لكم إنّ الأمر ليس بهذه البساطة… و صاحبة السّمو ليست لديها طاقة لانهائية أيضًا!”
حاول غارسيا إقناعهم مرّة أخرى، لكنّ الجميع كانوا يكرّرون الكلام ذاته كالدُّمى.
علمت فانيسا من خلال خبرتها أنّه بمجرّد أن يصدّق الحشد فرضيّة ما، فلا فائدة من تقديم الحقيقة.
تنهّدت تنهيدة ثقيلة يائسة.
يبدو أنّه لا مفرّ من تلبية طلبهم في النّهاية. لكن…
“توقفوا. أنصتوا جميعًا بهدوء.”
تقدّمت فانيسا متجاوزة غارسيا و رينيه، و وقفت أمام المواطنين وقالت.
في تلك اللّحظة، ساد صمت مطبق كأنّ فأرًا لن يجرؤ على الحركة.
رُفعت عشرات العيون المليئة بالأمل الأعمى و التّوقّع نحو فانيسا و أخذت تنظر إليها باحترام.
التعليقات لهذا الفصل " 50"