كان من الطّبيعي جدًّا أن يسأل يورغن بصوت مليء بالذّهول و الاستغراب.
لم يكن يعرف هل يضحك بسخرية و يتجاهل الأمر، أم يغضب.
كان شعوره سخيفًا و مُربكًا إلى هذا الحد.
الشّيء الوحيد المؤكّد هو تلك الرّغبة العارمة التي انتابته فجأة: أن يمسك هذه المرأة أمامه الآن، يسحبها و يحبسها في القلعة فورًا.
حتّى لا تُحدث مشاكل لا داعي لها، و حتّى لا تتحطّم من تلقاء نفسها، بل تبقى دائمًا بين يديه، في مرمى عينيه…..
“……”
كبت يورغن تلك المشاعر الجامحة ببراعة مألوفة، ثمّ مرّر كفه على وجهه.
دائمًا ما كان الأمر هكذا.
فانيسا لوينغرين.
منذ ذلك الوقت البعيد جدًّا…
[لماذا أنقذتِني؟]
[في ذلك الوقت… شعرتُ أنّكَ ستموت إن لم أنقذكَ. و في الحقيقة، كنتُ أريد إنقاذ الأطفال الآخرين أيضًا. لكنّ والدي عارض…]
[وما شأنكِ أنتِ لتنقذي عبيد الحرب في الشّمال؟ هل تظنّين نفسكِ تمارسين عملا خيريًّا؟ أم تريدين أن تصبحي قدّيسة؟ لا تُضحكيني.]
[لماذا تغضب؟ أنا فقط أعتقد أنّه يجب فعل ذلك، هذا كلّ ما في الأمر.]
كانت فتاة غريبة الأطوار.
في عالم جهنّميّ لا يبالي أحد بحياة العامّة، فضلاً عن العبيد، سواء ماتوا أو عاشوا، كانت تتعامل مع هؤلاء العبيد كبشر متساوين و تقول إنّ إنقاذهم واجب طبيعيّ.
في البداية، كان يكره ذلك الجانب من فانيسا و يراه نفاقًا مقيتًا. لكنّ فيما بعد…
“…….”
مرتّ السّنوات، و عندما التقيا مجدّدًا، كانت فانيسا كما هي.
عنيدة، مصرّة، ملحّة بشدّة، رحيمة بشكلٍ مفرط، لا تتراجع أمام الظّلم. لا تثق بالنّاس بسهولة، لكنّها إذا أعطت قلبها لشخص ما، تقف إلى جانبه كليًّا و تصبح رحيمة إلى درجة مزعجة.
رغم أنّ عواصف العالم قد نحتت منها شيئًا ما، إلّا أنّها لم تتغيّر.
كان يورغن يستطيع أن يخمّن بسهولة أنّ فانيسا، حتّى عندما كانت في تيريفرون، رفضت الاختلاط بالطّبقة الحاكمة الفاسدة هناك، و لم تنحنِ لإرادتها، فتمّ عزلها.
في ذلك الوكر القذر، رغم كلّ المعاناة التي تحمّلتها.
عندما رأى عينيها الزّرقاوتين الشّفافة تلمعان دائمًا و تقول إنّها ستساعد النّاس…
في تلك اللّحظة بالذّات، انتابته رغبة عنيفة في تدمير كلّ شيء أمامه و حرقه.
هل كان ذلك الدّافع غضبًا؟ كراهية؟ أم شيئًا آخر؟
كانت مشاعره تجاهها دائمًا مختلطة و مشوّشة إلى درجة لا يستطيع معها تمييز شيء.
لكنّ شيئًا واحدًا كان واضحًا جدًّا: أنّ الكائن الوحيد الذي يوقظ فيّ مشاعر بهذه الشّدّة هو أنـتِ فقط.
رفع يورغن رأسه بعد أن كان مدفونًا في كفّيه، ثمّ حدّق بفانيسا بنظرةٍ حادّة كأنّه سيعضّها و يمزّقها.
توقّفت عيناه تباعًا على شعرها المجدول بسرعة، و ثوب التمريض الرّماديّ، و المريلة المغطّاة بالغبار.
كانت تبدو بائسة. و مع ذلك، لو وقفت أمام النّاس بهذا الشّكل وقيل: «هذه هي أميرة لوينغرين»، لصدّق الجميع فورًا.
لأنّ فانيسا لوينغرين، حتّى بهذا الهيئة، كانت تتلألأ ببريق مخيف تقريبًا.
كما لا يفقد الجوهر الكريم لمعانه في الطّين، و كما لا يخبو ضوء نجم الفجر في الظّلام الدّامس، كانت كذلك تمامًا.
“إذا كنتَ ستذهب معي، فلن نحتاج إلى مرافقة السّير غارسيا. و على أيّة حال، مهاراتكَ في الصّيد تبدو أفضل من مهارات السّير غارسيا”
“ألا تظنّين أنّكِ تُبالغين قليلاً يا سموّ الأميرة؟ أنا أقف بجانبكِ مباشرة! لقد بذلتُ كلّ ما في وسعي منذُ الأمس!”
“أنا فقط قلتُ الحقيقة يا سيّد غارسيا. أنا ممتنّة لكَ من قلبي حقًّا.”
نظر يورغن بحدّة إلى غارسيا و فانيسا اللّذين بدا أنّهما تقاربا كثيرًا، فارتجف غارسيا قليلاً كأنّه شعر بنظراته اللّاذعة، و سعل بتكلّف و هو يتلصّص حوله.
ابتسم يورغن بسخرية باردة، ثمّ اقترب من فانيسا بخطوات واسعة، و دون كلام، جذبها فجأة و ألقاها على كتفه.
“م-ما الذي تفعله فجأة؟!”
تخبّطت فانيسا المذعورة بقدميها و انهالت بلكمات على ظهره، لكنّ يورغن رفعها و أجلسها على صهوة جواده، ثمّ قفز بنفسه بسهولة إلى السّرج.
“يا دوق، ما الذي تفعله فجأة؟”
“أنا أفعل ما تريدينه بالضّبط، هل لديكِ اعتراض؟”
“…..!”
شدّ يورغن خصر فانيسا النّحيل بذراعه بقوّة، و أمسك اللّجام باليد الأخرى. أطلق الجواد زفيرًا خفيفًا و هو ينفث من أنفه، ثمّ بدأ يسير بهدوء.
وجهته كانت مستودع الأسلحة للحرّاس.
“أتذكّر أنّ مهارتكِ بالقوس كانت سيّئة جدًّا. و بما أنّكِ تريدين الصّيد، فلا بدّ أنّكِ تحسّنتِ قليلاً، أليس كذلك؟”
“… هل كنّا نطلقان السّهام معًا عندما كنّا صغارًا؟”
“……”
كان الأمر مضحكًا و مُغيظًا أن تكون هي قد محت تلك الذّكريات تمامًا وهو وحده مَنٔ يحتفظ بها.
أطلق يورغن ضحكة شرسة كأنّه ممسوس، ثمّ زاد من سرعة الجواد.
في مستودع الأسلحة، اختارت فانيسا أبسط قوس قصير.
صغير و خفيف و سهل الحمل، لكنّ مداه قصير و قوّته ضعيفة. لن يخترق جلد دبّ أو ذئب. ربّما يصطاد أرنبًا أو غزالاً بصعوبة…
“إذا انتهيتِ من الاختيار فلا تتردّدي و اتبعيني.”
“آه، نعم.”
الوجهة التّالية كانت الإسطبل. لا يمكنها أن تصطاد وهي على جواد يورغن طوال الوقت، لذا كان عليها اختيار جواد لها.
أيّ جواد تختار؟
نظرت فانيسا إلى يورغن الذي يمسك اللّجام و يمشي بجانبها، ثمّ سألت بهدوء:
“بالمناسبة، ما اسم جوادكَ الأسود؟”
“ألكيساندر.”
“… يناسبه جدًّا.”
اسم فخم جدًّا لجواد، لكنّ جواد يورغن الأسود كان أضخم بكثير من البقيّة و عضلاته بارزة، لذا بدا الاسم مناسبًا له إلى أقصى درجة.
انتبه أليكساندر أنّهما يتحدّثان عنه، فرفع رأسه بفخر و صهل بقوّة. كان يبدو شديد الفخر بنفسه.
ابتسمت فانيسا بدهشة خفيفة، ثمّ مدّت يدها بحذر لتمسح على عنق أليكساندر. لم يهرب من يدها، بل حدّق بها بعينين عسليّتين داكنتين.
“يبدو أنّه أعجب بي.”
“……”
“عندما أنظر إليه جيّدًا، فهو يشبه الدّوق قليلاً أيضًا.”
نظر إليها يورغن و كأنّه يقول: “ما هذه الترّهات؟”، لكنّ فانيسا لم تعد تكترث، فابتسمت له ببراءة و نظرت إليه مباشرةً بفخر.
في الإسطبل، تفحّصا خمس عشرة فرسًا لم يُحدّد أصحابها بعد. أعجبت فانيسا بفرسً بلون القمح الفاتح.
لكنّ أليكساندر بدا متحمّسًا بشكلٍ غريب عندما رآها، فاستغربت فانيسا.
هل أعجب بها؟
كانت الفرس هادئة جدًّا، لم تخف من فانيسا رغم أنّها المرّة الأولى التي تراها فيها .
عندما أعطتها تفّاحة، تبعتها بسعادة، حتّى ظنّت فانيسا أنّها كلب يحبّ البشر و ليست حصانا.
“هذه إذن؟”
“نعم، هل يمكنني أخذها حقًّا؟”
“… افعلي ما يحلو لكِ.”
“ههه، إذن يجب أن أضع لها اسمًا.”
بينما كان يورغن يضع السّرج و اللّجام بمهارة، فكّرت فانيسا في اسم للفرس.
لكنّها لم تجد اسمًا مناسبًا مهما فكّرت، فاستعانت بيورغن في النّهاية.
“يا دوق، هل لديكَ اقتراح اسم؟ مهما فكّرت لا يخطر ببالي اسم جيّد.”
“……”
نظر إليها يورغن للحظة، ثمّ أجاب دون تردّد:
“أنايس.”
“آه، رائع جدًّا!”
الاسم الذي قاله كأنّه لا يبالي كان يناسب الفرس ذات لون القمح تمامًا. أعجبت فانيسا به بصدق و مدحته:
“أيها الدوق، لديكَ حسّ مذهل في اختيار الأسماء.”
“……”
زفر يورغن فقط بنفاد صبر، و كأنّه غاضب لسبب ما.
ركبا معًا و توجّها إلى غابة قريبة من الأسوار الخارجيّة. لم تكن بعيدة.
عندما وصلا و بدآ الاستعداد للصّيد، تذكّرت فانيسا فجأة ذكرياتها مع والدها. كان والدها هو مَنْ علّمها الصّيد.
بفضله، أصبحت تجيد القوس، و تقطيع الحيوانات الميتة لم يكن صعبًا عليها. رغم أنّها لا تزال تشعر بالأسف تجاه الحيوانات.
“آه، الهواء نقيّ جدًّا.”
عندما ملأ عبير الغابة المنعش رئتيها، تحسّن مزاج فانيسا كثيرًا.
مساعدة المستوصف لم تكن شاقّة، لكنّها كانت تشعر بالضيق ما على ما يبدو.
“لا تظهر حيوانات خطرة في هذه المنطقة عادة، لكن للإحتياط كوني حذرة. لا تذهبي بمفردكِ، و لا تبتعدي عنّي.”
التعليقات لهذا الفصل " 49"