ظلّ غارسيا يراقب فانيسا وهي تُجهد نفسها في شدّ الحوض و هي تُطلق أنينًا خفيفًا، ثمّ قال بنبرة لا تخلو من السخرية:
“يا لها من قوّة عضليّة تشبه غزالاً حديث الولادة. يا إلهي، هل ستتمكّنين حقًّا من تحمّل أعمال المستوصف بهذه القوّة؟”
“لا… أنا لستُ ضعيفة إلى هذا الحدّ. إنّ هذا الحوض الخشبيّ ثقيل جدًّا فحسب.”
“نعم، نعم، بالتأكيد.”
شعرت فانيسا بالظلم حقًّا.
بالنّسبة لها ، كانت تملك قوّة تفوق المتوسّط بكثير ، الأمر فقط هو أن شمال البلاد مليء بالوحوش البشرية.
ردّت بنبرة فيها بعض الغضب:
“قد أكون نحيفة بعض الشيء، لكنّ قوّتي كبيرة نسبيًّا. أنا أجيد رمي السهام أيضًا.”
“يمكن لأيّ شخص أن يرمي السهام إذا عرف الحركة الصحيحة.”
رفع غارسيا الحوض الذي لم يتحرّك قيد أنملة مهما شدّته فانيسا، و حمله بسهولة تامّة و وضعه داخل الغرفة.
أمام هذا المشهد المذهل، فتحت فانيسا عينيها على وسعهما و فكّرت:
‘بالفعل، يورغن و فرسانه أقوياء بشكل مبالغ فيه.’
“ماذا تأكلون لتصبحوا بهذه القوّة؟ معظم فرسان فصيلة فليوغل كذلك. ما نوع التدريب الذي تمارسونه بالضبط…؟”
نظر غارسيا إلى فانيسا التي تهمس بعدم تصديق، ثمّ ضحك ضحكة خفيفة. أدخل يده في حوض الاستحمام و أخرج قارورة ماء صغيرة، رغم أنّها كانت بحجم قدر كبير.
“نربط أكياس رمل حول الكاحلين و نركض، هذا التدريب الأساسيّ كلّ صباح، لمئة دورة.”
“…. ألا تموتون؟”
” نربط أكياسًا مليئة بالحجارة حول الخصر لتمارين تقوية العضلات، و نرفع جذوع الأشجار على الأكتاف و نقف و ننحني مئة مرّة… آه، بالطبع هناك تدريبات على فنون القتال و السيف، و بعضهم يتدرّب على الرمح أو السهام.”
“و تفعلون ذلك كلّ يوم؟ ألا تموتون…؟”
“لا نموت بهذا القدر. إنّكم يا أهل الجنوب مدلّلون جدًّا بالسلام.”
غضبت فانيسا للحظة، لكنّها أدركت بعد تفكير أنّه محقّ، فصمتت. فالشمال هو مَنٔ يتحمّل وحده خطر صدّ جيوش وحوش الجليد…
“…. إذًا فانتشار الوباء في إقليم دوق دريك أخطر بكثير ممّا كنتُ أظنّ.”
“نعم، بالطبع. إذا انقطعت المدينة عن العالم الخارجيّ بسبب الوباء و تحوّلت إلى فوضى، فسيؤثّر ذلك على حماية الجبهة الشماليّة.”
“لو استطعتُ استخدام المزيد من الكلمات المقدّسة لكان ذلك أفضل.”
تمتمت فانيسا بحزن، فتوقّف غارسيا وهو يحمل القارورة متّجهًا إلى الممرّ، ثمّ استدار إليها و قال بنبرة جديّة لا تتناسب معه:
“أنتِ تقومين بأمر عظيم بالفعل، يا سموّ الأميرة. فلا تحفري لنفسكِ حفرة من الحزن، و استعدّي للاستحمام فقط. سأحضر الماء بسرعة ثمّ أستحمّ أنا أيضًا.”
“سأساعدكَ.”
“لا حاجة، اجلسي بهدوء. أنا وحدي أسرع.”
كان صادقًا.
ذهب غارسيا و عاد بسرعة بين الصنبور و الغرفة دون أيّ تعب ظاهر، حتّى امتلأ الحوض بالماء البارد بعد أكثر من عشر رحلات.
أخرجت فانيسا حجر الطاقة السحريّ الذي أعطته إيّاها جينيلي من جيبها، همست بكلمة التشغيل التسخين، ثمّ وضعته في الحوض.
في أقلّ من خمس دقائق، أصبح الماء ساخنًا و تصاعد البخار الكثيف.
وضعت فانيسا يدها في الماء لتختبر الحرارة، فسمعته يقول من خلفها بصوتٍ يحمل ضحكة:
“لحسن الحظّ أنّ لديكِ هذا. و إلّا لكان على سموّ الأميرة النبيلة أن تستحمّ بالماء البارد و تصاب بالزكام.”
“ماذا تقول، أيها الفارس؟ أنا مباركة من الحاكم . لن أُصاب بالزكام.”
“شكرًا لكَ على جلب ماء الاستحمام، يا غارسيا. بفضلكَ سأرتاح و أنام جيّدًا.”
“على الرحب و السعة. حتّى في مكان كهذا، لا يجوز أن تبدو فتاة لامعة مثلكِ قذرة… على أيّة حال، سأخرج الآن. استخدمي الماء و اتركيه كما هو، سأنظّفه صباحًا، فلا تتعبي نفسكِ و نامي فقط. إذًا، تصبحين على خير.”
خرج غارسيا من الغرفة كسخص يفرّ هاربًا.
عبست فانيسا قليلاً من الدهشة، ثمّ تجاهلت الأمر ، و بدأت بالاستعداد للاستحمام.
وزّعت الأعشاب و الزهور المجفّفة التي أعطتها إيّاها جينيلي في الماء جيّدًا، ثمّ خلعت ملابسها كلّها و دخلت الماء ببطء من أطراف قدميها.
كانت حرارة الماء المعتدلة مثاليّة للاستحمام.
أرخت فانيسا جسدها في الماء الدافئ و تنفّست بعمق. كانت بتلات الزهور المنتفخة بالماء تطفو على السطح.
“يا لها من رائحة جميلة.”
يجب أن أشكر جينيلي مجدّدًا غدًا.
ابتسمت فانيسا برِقّة و هي ترمش برموشها المبلّلة.
* * *
في البداية، عندما أعلنت أميرة لوينغرين أنّها ستساعد في أعمال المستوصف، كان الجميع متشكّكًا.
كان امتنانهم كبيرًا لأنّ شخصا مباركا من الحاكم مثلها يمنح كلماته المقدسة، لكن تكليفها بالأعمال الشاقّة الأخرى، مثل رعاية المرضى، تحضير الطعام في المطبخ، و التنظيف، كان أمرًا مستحيلاً في نظرهم.
كان الجميع يعتقدون في سرّهم أنّ أميرة نشأت في الترف لا تستطيع عملًا شاقًّا، فكانوا قلقين و لا يتوقّعون شيئًا، و كلّ ما يتمنّونه ألّا تعرقل الأميرة سير العمل في المستوصف المزدحم أصلاً.
لكن ما إن بدأت الأميرة العمل فعلاً، حتّى انقلبت الآراء رأسًا على عقب في لمح البصر.
كانت الأميرة تقوم بكلّ شيء دون تذمّر.
في هذا الشتاء القارس، كانت تغسل الملابس عند البئر دون تردّد، و تمسك بالخرق المتّسخة و تنظّف ممرّات المستوصف دون اكتراث.
بل و حتّى ساعدت في أعمال المطبخ، و إن كان تقشير البطاطس بمهارة أمرًا مقبولاً، فإنّ قدرتها على تقطيع الوحوش و اللحوم كانت لغزًا محيّرًا.
لكن المفاجآت لم تتوقّف عند هذا الحدّ.
“هل أنتم قلقون من نفاد الطعام؟”
“نعم… إقليمنا لا ينتج كميّات كبيرة من الحبوب، فنعوّض النقص بشراء أكبر قدر ممكن من التجار القادمين من الخارج. لكن الآن، و بسبب الوباء، لا يستطيع التجار الدخول…”
“همم…”
استمعت الأميرة إلى كلام إحدى الممرّضات و فكرت قليلاً، ثمّ ذهبت فجأة إلى قائد الحرس و طلبت منه أن يأخذها إلى مخزن الأسلحة.
سألها قائد الحرس مذهولاً عن السبب، فجاءه جواب لا يُصدّق:
“سأذهب إلى الغابة خارج الأسوار الخارجيّة و أصطاد الوحوش. هكذا سنحلّ مشكلة الطعام ولو قليلاً.”
صُعق قائد الحرس و أعاد السؤال:
“أن… أنتِ يا سموّ الأميرة؟”
“و مَنٔ غيري سيذهب؟ حاليًّا يُمنع خروج الجنود. أنا مباركة من الحاكم فلن أُصاب بالعدوى و لن أنقلها للخارج، لذا لا خيار سواي.”
“لكن… حتّى لو…”
شعر قائد الحرس بالقلق الشديد خوفًا من أن يصل الخبر إلى أذن الدوق فتحدث كارثة.
حرّك شفتيه و نظر إلى الفارس الذي جاء مع الأميرة.
كان السير غارسيا من أقرب المقرّبين للدوق، وهو الوحيد القادر على ردع الأميرة في هذا الوضع.
لكن غارسيا هزّ كتفيه فقط و سأل بحركة شفاه: “ماذا ؟” . لم يكن ينوي إيقافها البتّة.
تنهّد قائد الحرس تنهيدة يائسة بعمق.
“لكن، يا سموّ الأميرة، الذهاب إلى الغابة وحدكِ خطر. لا نعلم أيّ وحش قد يظهر. أحيانًا تنزل ذئاب أو دببة جائعة إلى أطراف الغابة…”
قال ذلك بصوت مرعب عمدًا ليجعلها تخاف، لكن الأميرة رمشت بعينيها فقط بنظرة “و ماذا بعد؟”.
يئس قائد الحرس كعادته، لكن لحسن الحظّ بدا أنّ الأميرة ليست عديمة التفكير تمامًا.
“سأذهب إلى الغابة مع السير غارسيا. لقد استخدمتُ عليه الكلمة المقدسة مرّتين اليوم، فلا داعي للقلق من نقل العدوى. و إن كنتم لا تزالون قلقين، يمكنكم نقعه في برميل خمر ثمّ إخراجه.”
كان غسل الجسد بالخمر خرافة تقول إنّها تمنع المرض.
أمسك قائد الحرس جبهته و هو مغمض العينين، ثمّ قال
“حسنًا، انتظري قليلاً”
و أرسل رسالة سرّيّة إلى الدوق.
ما لبث أن وصل الدوق إلى نقطة الحراسة.
ظهر راكبًا جواده الأسود بكامل هيبته، و عبس فور رؤية الأميرة، ثمّ قفز عن جواده.
كأنّ الهواء حولهم تجمّد من شدّة حضوره.
“…….”
حدّقت فانيسا مباشرةً في يورغن و هو يقترب منها.
توقّف أخيرًا أمامها، فارتسمت على شفتيه سخرية خفيفة مشوّهة.
كانت عيناه الذهبيّتان حادّتين كشفرات جليديّة.
“تفعلين أمورًا لا طائل منها.”
بدأ كعادته باللوم.
رمشت فانيسا بهدوء و كأنّها كانت تتوقّع ذلك، دون أيّ غضب أو انفعال.
التعليقات لهذا الفصل " 48"