استخدمت فانيسا كلماتها المقدّسة لجميع المرضى الآخرين في تلك الغرفة أيضًا، بما فيهم العحوز الذي نعتها بالشيطانة.
عندما نظر إليها العجوز و جميع المرضى بعيون تغيّرت مئة و ثمانين درجة، شعرت فانيسا بمرارة لا مفرّ منها.
لو لم أكن أحمل نعمة الحاكم، لكنتُ اتُّهمتُ بأنّني ساحرة جلبت الوباء. أنا ممتنّة حقًّا للحاكمة فينيا التي منحتني هذه النعمة كي لا يحدث ذلك… لكنّ.
‘لا سبيل للهروب من الكآبة.’
ابتلعت فانيسا تنهّدها و واصلت أداء دورها في صمت. على أيّة حال، مساعدة الناس و سماع كلمات الشكر منهم أمر ذو معنى و مُجزٍ.
بدت لها و كأنّ الشائعات السيّئة عنها ستزول قريبًا إذا استمرّت في مساعدة الناس هكذا.
في الواقع، كان تكرار ظهور «الحظّ السيّئ» في حياتها اليوميّة يتناقص، لذا كانت هذه الفرصة الوحيدة لترك انطباع جيّد في نفوس سكّان هذا الإقليم.
‘أنا لستُ معرّضة للإصابة بالعدوى أصلاً، لذا يجب أن أبيت هنا و أساعد الناس.’
قد يكون الأمر مزعجًا قليلاً، لكنّه لن يكون مشكلة كبيرة. ففانيسا ليست تلك السيّدة الرقيقة التي لا تستطيع فعل شيء بدون خادمة تخدمها.
بعد أن اتّخذت قرارها، قامت فانيسا بإيقاغ يورغن عندما خرجت من آخر غرفة مرضى، ثمّ أعلنت رغبتها بجديّة واضحة
“أيّها الدوق، ارجع أنتَ إلى القلعة أوّلاً. أريد أن أبقى هنا و أساعد الناس.”
“ماذا قلتِ؟”
ردّ يورغن فورًا بنبرة مندهشة واضحة. سارعت فانيسا إلى سدّ الثغرات التي قد يعترض منها:
“على أيّة حال، هذه المدينة ليست خطيرة لهذه الدرجة، لذا ليست هناك حاجة لوضع حرّاس بجانبي.”
قالت ذلك و هي تلقي نظرة خفيفة على غارسيا. كان هو أيضًا يرمش بعينين مندهشتين تمامًا.
“أنا لستُ زهرة دفيئة لا تستطيع فعل شيء بدون مَنْ يخدمها.”
قالت هذه الكلمات و هي تنظر إلى رينيه. بدت الأخيرة، و هو أمر نادر، و كأنها قد فقدت اتّزانها المعتاد.
“و… لم يعد هناك حاجة لوضع مراقب عليّ بعد الآن. لقد قلتَ إنّك إذا لم تستطع تركي و شأني فسوف تمتلكني… و أنا أيضًا، إذا لم أستطع الهروب منكَ، فقد قرّرتُ أن أجعلكَ في صفّي بدلاً من ذلك.”
عندئذٍ انتفض حاجب يورغن، ثمّ تحوّل وجهه سريعًا إلى وجه وحش مخيف.
لا شكّ أنّ الجملة الأخيرة قد أثارته.
لكن فانيسا تظاهرت بأنّها لا تعلم شيئًا و استمرّت في موقفها الوقح. كان عنادها المعتاد، الذي يدفعها للمضيّ في قرارها مهما قال الناس، يظهر بوضوح.
ظلّ يورغن يحدّق بها طويلاً دون كلام، ثمّ قال و كأنّه يصرّ على أسنانه:
“تجعليني في صفّكِ؟ كلام مضحك حقًّا.”
“…إذا أصبحتَ في صفّي، فسأكون أنا أيضًا كليًّا في صفّكَ.”
كانت مجرّد كلمات اختبار عابرة، لكن يورغن، لسبب غير مفهوم، انتفض بوضوح و أظهر اضطرابًا واضحًا.
تمايلت عيناه كشعلة شمعة أمام ريح قارسة. حدّقت فانيسا به بدهشة و هي ترمش بسرعة.
بعد صمت طويل، غيّر يورغن لون وجهه فجأة و اقترب منها بخطوات سريعة.
تراجعت فانيسا تلقائيًّا من الذعر، لكنّ يورغن أمسك خصرها بذراعه و جذبها إليه فلم تستطع التراجع قيد أنملة.
في هذه المسافة القريبة التي كادت فيها أنفاسهما تختلطان، اقترب يورغن من أذنها بشفتيه و همس بصوت قاتل:
“كلّما فعلتِ هذا، أتوق لقتلكِ من شدّة الغيظ.”
أمام هذه العداوة المفاجئة، لم تشعر فانيسا بالخوف بقدر ما شعرت بالحيرة. كان دائمًا هكذا. محبوس في ماضٍ لا تعرفه، و يتفوّه بكلمات غامضة.
“تقولين إنّكِ لا تتذكّرين، ثمّ تؤذينني في كلّ وقت و حين.”
لم تفهم فانيسا أيّ سياق هذا الكلام، فحركت لسانها بضجر.
بدأ قلبها يخفق متأخّرًا من الخوف، لكنّها شعرت بيقين غير منطقيّ أنّه لن يقتلها على أيّة حال.
‘لو أراد قتلي لقتلني منذ زمن.’
إنّه يكرهني لدرجة تمنّي موتي.
لكنّه في الوقت نفسه لا يستطيع قتلي حقًّا.
ربّما يكون هذا التناقض نابعًا من شعور…
“افعلي ما شئتِ. سواء تصرّفتِ كما يحلو لكِ و مـتِّ أو عشـتِ، لن أهتمّ بعد الآن.”
حدّق يورغن بها بقوّة و كأنّه غاضب جدًّا، ثمّ مرّ من جانبها بخطواتٍ ثقيلة.
تبادل رينيه و غارسيا النظرات بينهما في حيرة، ثمّ أرسلت رينيه نظرة اعتذار خفيفة إلى فانيسا و هرعت خلف يورغن.
لكن غارسيا بقي مكانه كما لو كان جذرًا في الأرض، و أطلق تنهّدة عميقة.
فرك شعره بيده و تمتم:
“آه، اللعنة…”
نظرت فانيسا إليه بهدوء ثمّ سألته بنبرةٍ عابرة:
“ألن تتبع يورغن، أيها الفارس؟”
جاء الجواب بنبرةٍ فيها بعض الضيق:
“آه، لن أذهب.”
“لماذا؟ قلتُ إنّني لا أحتاج حرّاسًا. و لا مراقبة أيضًا.”
“سموّ الأميرة، أعلم أنّكِ بالرغم من كونكِ من العائلة المالكة تتمتّعين بشخصيّة صريحة و أكثر عنادًا ممّا تبدين، لكن البقاء وحدكِ في مكان كهذا أمر مبالغ فيه. ليس لديكِ حتّى ملابس لتغييرها! مَنٔ سيحضر لكِ ماء الاستحمام؟”
“يمكنني ارتداء ملابس الممرّضات، و سأحضر ماء الاستحمام بنفسي. و سأطلب من جينيلي أن تعطيني غرفة فارغة. وإن لم تكن هناك غرفة، فسأنام مع البقيّة في السكن المشترك.”
“يا إلهي… مَنٔ سيصدّق أنّكِ أميرة؟ كيف عشتِ حياتكِ أصلاً؟”
“لقد تعلّمتُ منذ الصغر مع والدي كيف أعيش في ظروف قاسية بموارد محدودة أثناء التخييم المتكرّر. و في تيريفرون، كنتُ كثيرًا ما أُحبس في زنزانة انفراديّة أو في سجن تحت الأرض. ليس بالأمر الكبير.”
“……”
نظر غارسيا إليها و كأنّه فقد قدرته على الكلام حقًّا. و بعد صمت طويل، تكلّم أخيرًا بنبرةٍ خافتة:
“أنتِ… إن قلتُها بلطف فأنتِ هادئة و بليدة الحسّ، وإن قلتُها بصراحة فأنتِ قاسية جدًّا.”
“و ما السيّئ في القسوة؟ إنّها صفة مثاليّة للعيش في هذا العالم القاسي.”
أجابت فانيسا بهدوء تامّ، ثمّ اتّجهت نحو مختبر جينيلي. تبعها غارسيا بخطواتٍ سريعة و استمرّ في الكلام كعصفور لا يملّ:
“على أيّة حال، لو بقيتُ بجانب سموّكِ، سيشعر سيّدنا بالقليل من الراحة، أليس كذلك؟ هو في الحقيقة يقلق عليكِ سرًّا.”
“ربّما يتمنّى يورغن أن أموت بدلاً من أن يقلق عليّ.”
“لا، كيف تقولين هذا؟ أنتما على وشك أن تصبحا زوجين، هل يجوز أن تكون هناك مثل هذه التصوّرات المرعبة؟”
لم يكن هناك داعٍ لتصحيح أنّه ليس سوء فهم بل حقيقة كاملة. تجاهلت فانيسا غارسيا المزعج و فتحت باب المختبر.
عندما أعلنت أنّها ستبيت هنا حتّى تنتهي أزمة الوباء، صُعقت جينيلي في البداية.
لكن سرعان ما بدأت تُقيّم فائدة بقاء فانيسا، و بعد قليل رحّبت بالفكرة بحماس و مدّت يدها لمصافحتها.
عندما قبضت فانيسا على يدها، هزّت جينيلي ذراعها بحماس و ابتسمت ابتسامة عريضة:
“إذا استمرّت الدّوقة في منح كلماتها المقدسة للمرضى بانتظام، فستكون مساعدة هائلة حقًّا.”
“حسنًا، كنتُ أفكّر أيضًا في استخدام الكلمة المقدسة عليكِ و على الممرّضين. لا أعرف بالضبط، لكن يبدو أنّها قد تمنع العدوى.”
“يا إلهي، حقًّا؟ سنكون شاكرين جدًّا إذا فعلتِ!”
استخدمت فانيسا الكلمة المقدسة على جينيلي فورًا.
أغمضت جينيلي عينيها لفترة طويلة كأنّها تتذوّق شعور قوّة البركة و هي تتغلغل في جسدها.
نظر غارسيا إلى جينيلي و قال كلمة واحدة:
“منحرفة.”
“……!”
غضبت جينيلي فورًا، فتحت عينيها و زمجرت تجاه غارسيا. لكن غارسيا ضحك علنًا و دفع جبهتها بطرف إصبعه.
بدت لفانيسا و كأنّ غارسيا ينسى كثيرًا أنّ جينيلي ساحرة. و السحرة معروفون بألاعيبهم الغريبة التي يُوقعون بها الناس في المقالب.
قد يقع غارسيا ضحيّة مرّة واحدة إذا استمرّ هكذا.
“ستندم، يا غارسيا. سأجعلك يومًا أصلع تمامًا بإزالة كلّ شعرة في رأسك…!”
“آه؟ هذا… مخيف قليلاً…؟”
ضحكت فانيسا ضحكة خفيفة وهي ترى الاثنين يتشاجران كأعداء، ثمّ هزّت رأسها.
* * *
[إذا أصبحتَ في صفّي، فسأكون أنا أيضًا كليًّا في صفّكَ.]
تلك الكلمات ظلّت تدور في أذنيه بلا توقّف.
اختلط صوتها الناضج مع ذلك الصوت الطفوليّ القديم.
[إذا أصبحتَ في صفّي، فسأكون أنا أيضًا كليًّا في صفّكَ.]
مضحك حقًّا.
رغمَ أنكِ نسيت كلّ شيء إلا أنكِ تتفوّهين بنفس الكلمات مجدّدًا. أليس هذا خداعًا صريحًا؟
خرج يورغن من الحمّام بسخرية باردة و مسح الماء عن جسده بمنشفة بلا اكتراث.
شعر فجأة بألم حادّ في ظهره.
كان ألمًا وهميًّا ينبعث من الندبة الطويلة التي تمتد من كتفه الأيسر إلى خصره الأيمن.
هذا الجرح العميق الكبير الذي كاد يقتله مرّة، لا يزال يؤلمه أحيانًا حتّى بعد مرور كلّ هذه السنوات.
بعض الجروح لا تشفى تمامًا. و لهذا اختار يورغن الانتقام.
نفض شعره المبلول قليلاً، ثمّ أمسك رداءه المعلّق على الكرسي و ارتداه.
حاول طرد أفكار فانيسا التي تتسلّل إلى رأسه باستمرار، و سحق ذلك الهمس الضعيف الذي بدأ يستقرّ في ركن من قلبه منذ مدّة.
لا، مستحيل. لا توجد مغفرة.
مسامحة الخائنة التي نقضت الوعد تعني خيانة كلّ السنوات الماضية، و خيانة نفسي السابقة التي تحمّلت تلك الأزمنة.
اقترب يورغن من الطاولة في منتصف غرفة النوم، و فتح بقسوة سدّادة زجاجة الخمر.
سكب الخمر المرّ في معدة فارغة فاحترقت معدته كأنّها اشتعلت.
ذلك الألم الحارق ذكّره.
أنّ الهدف الوحيد في حياته هو الانتقام فقط.
كرّر هذه الحقيقة في قلبه، ثمّ سكب ما تبقّى من الخمر في فمه دفعة واحدة.
* * *
ساعدت فانيسا الممرّضين حتّى الساعة الحادية عشرة ليلاً، ثمّ صعدت إلى غرفتها في الطابق الرابع من المستوصف.
كانت تشعر بألم في عضلاتها من الإرهاق بعد مدّة طويلة، لكنّها كان عليها أن تستحم و تنام بسرعة كي تستيقظ باكرًا في الصباح.
‘أوّلاً، ملابس لأغيّرها غدًا…’
“سموّ الأميرة؟ أنا هنا.”
طرق غارسيا الباب من الخارج بقوّة.
وضعت فانيسا الملابس الإضافيّة و ملابس الممرّضات التي أعطتها إيّاها جينيلي على السرير، ثمّ اتّجهت إلى الباب.
ما إن فتحت الباب حتّى التقى نظرها بنظرات غارسيا الذي ابتسم ابتسامة عريضة.
أشار بنظرة جانبيّة إلى حوض الاستحمام الخشبيّ الكبير الذي وضعه على الأرض وقال:
“اخترتُ الأنظف و الأقوى. عمل جيّد، أليس كذلك؟ قالوا إنّ ماء الاستحمام يُحمل من الصنبور في نهاية الممرّ. لحسن الحظّ أنّ المبنى مزوّد بمرافق المياه.”
نعم، كان ذلك من حسن الحظ حقًّا. و إلا لاضطرّت إلى جلب الماء من البئر في الخارج.
“شكرًا لكَ، يا غارسيا”
ابتسمت فانيسا بخفّة و فتحت الباب أكثر. ثمّ أمسكت الحوض الخشبيّ بكلتا يديها وحاولت جره إلى الداخل. لكنّه كان ثقيلاً جدًّا فلم يتحرّك قيد أنملة.
التعليقات لهذا الفصل " 47"