سارع الممرّضون إلى السيطرة على العجوز، ثمّ ألقوا نظرات محرجة و متوترة نحو هذا الجانب.
كان وجه يورغن متجهّمًا بشكلٍ مخيف، أمّا فانيسا فقد وقفت جامدة دون أن تستطيع حتّى رسم ابتسامة مصطنعة.
شعور ثقيل بالضيق و الكآبة ملأ صدرها حتّى كادت تختنق.
‘هذه ليست المرة الأولى و لا الثانية التي أمرّ بها بهذا.’
كلمات مثل «امرأة مشؤومة»، الاتّهامات التي تلقي باللوم كلّه عليها، النظرات الممزوجة بالاحتقار و الخوف… لقد تحمّلت الكثير منها حتى الآن.
عندما كان والدها على قيد الحياة، كان بمثابة حاجز أمواج متين يحميها، لكن بعد اختفاء ذلك الحاجز، أصبحت فانيسا تعصف بها أمواج العالم الخشنة دون أيّ مقاومة.
خلال الفترة التي قضتها كملكة تيريفرون، كانت حياتها جحيمًا حقيقيًّا. كان أهل البلاط يلعنونها حتّى لو كُسر صحن واحدة فقط، قائلين إنّ كلّ شيء بسبب فانيسا.
في ذلك المكان الذي لم يكن فيه أحد يقف إلى جانبها، تشبّثت فانيسا بكلّ شراسة و بقيت على قيد الحياة.
لم تكن تتخيّل أبدًا أنّ المكان الذي ستصل إليه في النهاية هو شمال الإمبراطورية، بجانب دوق دريك.
“لا، ما الذي يحدث هنا…”
في تلك اللحظة وصل الطبيب إلى غرفة المرضى و استمع إلى الوضع من الممرّضين. ظلّ الطبيب يلقي نظرات جانبية نحو فانيسا و يورغن طوال الوقت، ثمّ تنهّد بعد قليل و اقترب ليطلب العفو و كأنّ الأمر كلّه من مسؤوليّته.
“أنا آسف جدًّا، سموّ الدوق. و سموّ الأميرة أيضًا. ذلك المريض الذي كان هناك للتوّ ليس بوعيه الكامل….أرجوكما أن تعفوا عنه.”
مريض متألّم و غير متزن عقليًّا… ماذا يمكن أن يقال في مثل هذا؟
اكتفت فانيسا بالابتسام قالت إنّها بخير. أمّا يورغن فقد ظلّ يراقبها في صمت.
“إذا كنتم قد جئتم للاطمئنان على حالة المرضى… فجميعهم في حالة جيّدة نسبيًّا باستثناء سبعة أشخاص تفاقمت لديهم حالة الجهاز التنفّسي. التدخّل الأوّلي من قبل السيّدة جينيلي كان ملائمًا جدًّا.”
مقارنة بالأراضي الأخرى التي لا يوجد فيها أطبّاء أكفّاء أو صيادلة أو سحرة أو كيميائيّون فيُترك الوباء ينتشر دون علاج، فإنّ إقليم دوق دريك يتمتّع بنظام طبّي جيّد نسبيًّا.
حتّى عندما كانت فانيسا في تيريفرون، انتشر وباء في إحدى المدن الصغيرة التابعة لأراضي الملك، لكنّ حاكم تلك القلعة تحصّن داخل قصره و كأنّ الأمر لا يعنيه و ترك المواطنين لمصيرهم.
بعض المسؤولين القلائل ذوي الضمائر الحيّة رفعوا عرائض إلى الملك ليروي، لكن ليروي تجاهلها كالمتوقّع بالطبع.
كان ملكًا فاسدًا يرتدي التاج لكنّه يرفض تحمّل وزنه.
إذا فكّرت في الأمر بهدوء، فربّما كان اقتلاع جذور الفساد الذي يتزعّمه ليروي و تولّي الإمبراطور الوصاية أفضل ما حدث لشعب تيريفرون.
“الحالة الخطيرة تتركّز غالبًا بين كبار السن. كلّما كان الشخص أصغر سنًّا ازدادت قدرته على مقاومة المرض. لكن بالنّسبة للأطفال دون السادسة و الرضّع فقد يكون قاتلاً.”
استمر الطبيب في شرح التفاصيل بينما استمع يورغن و البقيّة بصمت، و هم يومئون برؤوسهم أو يطرحون سؤالاً من حين لآخر.
بينما كانت فانيسا تستمع إلى حديث الآخرين و تتفقّد الغرفة بعينيها، التقت نظراتها فجأة بطفلة صغيرة.
بدت الطفلة في السابعة تقريبًا، شعرها بلون عسلي كثيف و عيناها بنيّتان، و ملامحها دقيقة و جميلة.
فكّرت فانيسا أنّها ستكبر لتصبح جميلة جدًّا، فابتسمت دون وعي، فردّت الطفلة بابتسامة مشرقة نحوها.
‘يا لها من طفلة لطيفة.’
نظرت فانيسا خلسة إلى يورغن و البقيّة ثمّ اقتربت ببطء من الطفلة.
حتّى عندما اقتربت فانيسا، لم تبدِ الطفلة أيّ توتّر أو خوف. مع أنّها بالتأكيد سمعت الشائعات عن «المرأة المشؤومة»…
“مرحبًا.”
“مرحبًا!”
عندما وصلت أمام السرير و قامت بتحيتها، ردّت الطفلة بابتسامة عريضة و مشعّة.
تلقّت فجأة معاملة غير رسميّة من طفلة في السابعة، لكن فانيسا لم تشعر بأيّ ضيق، بل شعرت أنّ الطفلة التي لا تجيد الآداب بعد لطيفة جدًّا.
“ما اسمك؟”
“كارلا.”
“كارلا إذًا. اسمي فانيسا.”
“أختي فانيسا.”
توقّفت فانيسا لحظة من المفاجأة عند هذه التسمية غير المتوقّعة، ثمّ انفجرت ضاحكة.
عند سماع ضحكتها التفتت أنظار الجميع نحوها.
عندما ألقت نظرة خلفها، التقت عيناها بعينيّ يورغن كعادته بتعبير غير مبالٍ. كانت هناك طاقة غريبة تتلألأ في عينيه الذهبيّتين.
أبعدت فانيسا عينيها عن نظراته دون تردّد، ثمّ عادت إلى الطفلة و سألتها:
“هل أنتِ تتألمين كثيرًا؟”
“لا، لقد تناولتُ الدواء فأنا بخير.”
“حسنًا، طفلة جيدة.”
رتبّت فانيسا غرّة الطفلة المتشعّثة، ثمّ وضعت ظهر يدها على جبينها. كانت هناك حمّى خفيفة.
ألا يجب إعطاؤها المزيد من خافض الحرارة؟
“متى تناولتِ الدواء؟”
“قبل قليل، بعد الأكل.”
“قبل قليل؟ متى بالضبط؟”
“لا أعرف… لكنّي جائعة مجدّدًا…”
وضعت الطفلة يدها على بطنها بملامح حزينة.
الآن عندما فكرت في الأمر، يبدو أنّ وقت توزيع العشاء على المرضى قد حان.
“قبل قليل” التي تقصدها الطفلة ربّما تعني وقت الغداء منذُ زمن.
ابتسمت فانيسا و هي تربّت على كتفي الطفلة.
“اسمعي، هل يمكن للأخت أن تفعل لكِ شيئًا؟”
“أيّ شيء؟”
“شيء يساعدكِ على الشفاء بسرعة.”
“هل الأخت ساحرة؟”
“لستُ ساحرة، لكن لدي شيئ مشابه.”
ابتسمت فانيسا ابتسامة مشرقة و رفعت يدها اليمنى فوق رأس الطفلة.
في اللحظة التي ظهر فيها الوسم المقدّس على ظهر يدها اليمنى، لمعت عيناها الزرقاوان القاتمتان بلون أبيض خالص لجزء من الثانية.
تدفّق ضوء أبيض ناصع و نقيّ من أطراف أصابعها و تغلغل بلطف داخل جسد الطفلة.
“واو…!”
فتحت الطفلة عينيها بدهشة و هي تتحسّس جسدها في كلّ مكان. ثمّ استدارت فجأة نحو فانيسا و صرخَت بصوتٍ مليء بالحماس:
“رائع!”
“كيف تشعرين؟ هل أصبحتِ أقوى قليلاً؟”
“نعم! أشعر أنّني رائعة جدًّا جدًّا!”
لم يكن لدى الطفلة مفردات غنيّة للتعبير سوى كلمة «رائعة»، لكن ذلك كان كافيًا.
كان واضحًا بالعين المجرّدة أنّ حالتها تحسّنت كثيرًا عمّا قبل.
“أختي أنتِ مذهلة! شكرًا!”
“لا، أنا من يجب أن أشكركِ.”
شكرًا لأنكِ لم تخافي منّي. شكرًا لأنكِ ابتسمتِ لي.
همست فانيسا في قلبها فقط، ثمّ مسحت رأس الطفلة.
احتضنتها الطفلة بذراعيها الصغيرتين حول خصرها و هي تفرك خدّها بقماش الفستان الناعم.
“فستان أختي ناعم جدًّا.”
“أجل… صحيح…”
لأنّه من المخمل.
تمتمت فانيسا بالكلمة الأخيرة بهمس، ثمّ نظرت حولها.
كان الجميع ما عدا يوغن و غارسيا و رينيه مفتوحي الأفواه متجمّدين في أماكنهم. و حتّى جينيلي التي وصلت إلى الباب دون أن يلاحظها أحد.
“كلـ… كلمة مقدسة…!”
كانت جينيلي أوّل مَنٔ فتحت فمها. مع أنّها بالتأكيد رأت قوّة الحاكم من قبل بوجود يورغن، إلّا أنّها أحدثت ضجّة كبيرة. ربّما لأنّها كلمة الحياة المقدّسة.
“إذًا كانت الشائعات التي تقول أنّ الدّوقة تحظى بحماية فينيا صحيحة…! أمر لا يُصدّق… كلمة الحياة المقدّسة…! هذه أوّل مرّة أراها في حياتي! يا للعجب!”
كانت لا تزال تنادي فانيسا «الدوقة».
تردّدت فانيسا بشدّة: هل تطلب منها تصحيح لقبها لأنّها لم تتزوّج يورغن بعد، أم تترك الأمر لأنّ حفل الزفاف سيُعقد قريبًا على أيّة حال؟
“إذًا هذا هو وسم فينيا المقدّس…! هل يظهر الوسم دائمًا؟ أم يختفي أحيانًا؟”
“في اليوم الذي تلقّيت فيه النعمة الأولى ظلّ ظاهرًا طوال اليوم، لكن من اليوم التالي أصبح يظهر فقط عندما أستخدم كلمة مقدسة…”
“كم عدد الكلمات المقدّسة التي يمكنكِ استخدامها؟ لقد لمعت عينا الدّوقة للحظة بلون أبيض، و هذه خاصّية تظهر فقط لدى حاملي السلطة المقدّسة. هل من الممكن أن تملكي سلطة مقدسة أيضًا؟”
“لا أستطيع استخدام السلطة المقدّسة. أمّا العينان… فلا أعرف السبب حقًّا. حاليًّا أستطيع فقط استخدام كلمة مقدسة ترفع الحيويّة لدى الهدف.”
“يا للروعة! كلمة مقدسة ترفع الحيويّة، بالتأكيد ستساعد كثيرًا في هذه الأزمة! إذًا ، لقد أتيتِ اليوم لتمنحي كلمة مقدسة للمرضى!”
كانت جينيلي التي تُفرغ الكلمات بلا توقّف تشبه تمامًا عصفورًا ثرثارًا. كلّما تحدّثت معها شعرت فانيسا أنّ طاقتها تُسحب منها، فوضعت ابتسامة محرجة على شفتيها.
كأنّها شعرت بحالة فانيسا، شدّت كارلا على خصرها بعناق أقوى و عبست تجاه جينيلي و هي تتمتم:
“لا تُزعجي أختي فانيسا.”
“ماذا؟ لا، لم أزعجها أبدًا!”
أنكرت جينيلي بذعر، لكن كارلا نظرت إليها بنظرة غاضبة و قالت: “أختي الساحرة شرّيرة.”
بدأت جينيلي تلوّح بيديها و رجليها لتنفي بشدّة أنّ ذلك غير صحيح.
“كيف للأخت أن تُزعج الدّوقة! إنّها زوجة سموّ الدوق! لو فعلت ذلك لقتلني سموّه!”
“ها؟ أختي فانيسا هي زوجة سيّدنا؟”
“نعم، لذلك عليكِ أن تكوني مهذّبة معها.”
“آه!”
فتحت كارلا عينيها بدهشة كمَنْ استيقظت للتوّ، غطّت فمها بكلتا يديها و نظرت إلى فانيسا.
اكتفت فانيسا بإطلاق ضحكة مرحة و هزّت رأسها نفيًا. كان منظر شخص بالغ يشبه الأطفال و طفلة حقيقيّة يتهامسان معًا مضحكًا و لطيفًا جدًّا.
التعليقات لهذا الفصل " 46"