“مهما كنتِ محبوسة في برجكِ و جاهلة بأمور العالم الخارجي، هل يعقل ألا تعرفي وجه المرأة التي ستكون الدّوقة؟”
“م… ماذا؟! الدوقة؟”
فتّحت جينيلي عينيها على وسعهما، و استدارت بسرعة لتنظر إلى فانيسا.
كان نظرها متشبتا إلى درجة أحرجت فانيسا، فاضطرّت أن تشيح بوجهها قليلاً.
“الدّوقة… آه!”
كأنّها تذكّرت شيئًا ما فجأة، غطّت جينيلي فمها بكلتا يديها و تجمّدت تمامًا.
في تلك اللحظة بالذات، أفلتها غارسيا دون رحمة.
تدحرجت جينيلي على الأرض دون أن تتمكّن من استخدام تقنية السقوط الآمن، ثمّ رفعت رأسها بسرعة و رمقت غارسيا بنظرة نارية، لكنّها سرعان ما انتفضت و نظرت إلى فانيسا بحذر.
بدت متوترة و قلقة بشكل واضح.
عندما كادت فانيسا أن تفتح فمها من شدّة الضيق:
“أنا آسفة جدًّا!”
ملأ صراخ جينيلي المدوّي أرجاء العيادة.
زحفت على أربع إلى قدمي فانيسا، انحنت انحناءة كاملة، ثمّ قالت:
“كيف أجرؤ على الاختباء خلف ظهر سيّدي بينما زوجة الدوق المستقبليّة تقف بجانبي! أقسم لكِ أنّني لا أمـتّ لسيّدي بصلة، و أنّ ظهره بدا مكانًا مثاليًّا للاختباء فقط!”
مهما نظرت إلى الأمر، لم تكن في كامل عقلها.
هل كلّ مَنٔ في عائلة دريك مجانين؟
“لا داعي لأن تهتمّي، لا حاجة لأن…”
“لا لا! عاقبيني كما تشائين، سأتقبّل العقاب برضا! إذا أمرتني بالنباح كنباح الكلب، سأنبح!”
ظلّت جينيلي ملتصقة بالأرض و هي تردّ بصوت عالٍ على كلّ كلمة من فانيسا.
كان غارسيا يمسك بطنه من الضحك، و رينيه كعادتها تقف مستقيمة بلا تعبير، ترفّ بعينيها فقط.
قرّرت فانيسا أنّ هذين الاثنين لا فائدة منهما، فأرسلت نظرة استغاثة إلى يورغن.
نقر لسانه بضيق، ثمّ أمسك جينيلي من مؤخّرة رقبتها كما فعل غارسيا و رفعها دفعة واحدة.
‘حقّاً… هل هي قطّة صغيرة؟’
“كفى يا جينيلي، فانيسا محرجة”.
عند كلمات يورغن، رمشَت جينيلي بعينيها مذهولة، ثمّ شكّلت وجهًا باكيًا، و كادت تعود للانحناء مجدّدًا:
«آسفة جدًّا، سيّدتي الدّوقة! لم أقصد إحراجكِ… أنا حقّاً آسفة!”
رغم أنها لم تتزوّج بعد، ها هي تُدعى «الدوقة» بالفعل. ابتسمت بافانيسا بمرارة و أومأت.
كان غارسيا بارعًا جدًّا في استفزازها. كلّما تعاملت معه، تتحرّك جينيلي كقطّة شرسة.
نسيت فانيسا إحراجها السابق، و شعرت بتضامن قويّ مع جينيلي. لو تحدّثتا عن مدى كونه غارسيا مزعجًا، ستتفاهمان تمامًا.
“غارسيا، كفّ عن ذلك. جينيلي، ما الذي اكتشفتِه عن هذا الوباء حتى الآن؟”
تدخّل يورغن ليُهدّئ الجوّ، فأغلق غارسيا فمه وهو يهزّ كتفيه، و حدّقت جينيلي فيه بنظرة لاذعة.
أخذت نفسًا عميقًاوكأنّها تهدّئ غضبها، ثمّ بدأت تجيب بهدوء:
“ناقل الوباء و مصدره الأوّليّ لا يزالان قيد التحقيق. أوّل مصاب، كما في التقرير، طفل في الثامنة، تعرّض لعضّة حيوان برّيّ في كاحل قدمه قبل ستة أيّام على ضفاف النهر خارج المدينة. لا يمكننا التأكيد أنّ هذا هو السبب، لكن…”
قالت “انتظروا لحظة”، ثمّ عادت من مكتبها المبعثر حاملة قارورة مثلّثة تحتوي سائلاً شفّافاً يتلألأ مع حركة يدها.
“العلاج قيد التطوير، و أعتقد أنّه سيكتمل قريبًا. أعراض هذا الوباء تشبه وباء ديلما الذي انتشر قبل أربع سنوات، لكنّه أشدّ. لحسن الحظّ، لم يصل بعد إلى درجة التسبّب بوفيات… على الأرجح…”
تلعثمت جينيلي و خفت صوتها لعدم التأكّد.
نظر إليها يورغن بهدوء دون أن يسأل عن السبب.
ساد صمت ثقيل كأنّ الجميع غُمر في أعماق الماء، و تحركت الأنظار بصمت.
بعد لحظة، تنهّدت جينيلي تنهيدة عميقة، ثمّ كشفت السبب أخيرًا:
“هناك مصابون يعانون تلفًا في الرئتين و يتقيّأون دمًا أحيانًا”
“….لكنّ ديلما لم يكن بهذا الخطورة”
أومأت جينيلي برأسها على كلام يورغن و تابعت:
“صحيح. كانت الأعراض حينها مجرّد حمّى شديدة، و كان الشفاء ممكنًا بالمسكّنات. لكنّ هذا الوباء يؤثّر بشكلٍ خاصّ على الجهاز التنفّسيّ، لذا أركّز على هذا الجانب في صنع العلاج”
“متى سيجهز؟”
“إذا سارت الأمور بسرعة يومان، و إن تأخّرت أربعة أيّام”
“حسنًا….. أسرعي ما استطعتِ. إذا ساءت حالة الجهاز التنفّسيّ كما تقولين، فقد نضطرّ لجمع الجثث في اليوم الذي تتساقط فيه الثلوج”
أثقلت الكلمات القاسية الجوّ.
أومأت جينيلي برأسها بحرارة و كأنّها على وشك البكاء.
أرادت فانيسا أن تربت على كتفها و تشجعها لكنّهما ليستا قريبتين بعد، فلم تستطع فعل ذلك.
الخطوة التالية كانت زيارة المرضى المعزولين في الأجنحة.
قبل الدخول، استخدمت فانيسا كلامها المقدس لتمنح غارسيا و رينيه بركة الحيويّة كإجراء وقائيّ ضدّ العدوى.
غطّى غارسيا و رينيه أفواههم وأنوفهم بقماش و ارتدوا قفّازات تحسّبًا لأيّ طارئ، أمّا يورغن و فانيسا فلم يكونا بحاجة لذلك، لأنّ احتمال إصابة “صاحبة البركة” بالمرض ضئيل جدًّا.
لكنّ يورغن أصرّ على أن ترتدي فانيسا كمّامة و قفّازات أيضًا
“أنّ الكلام المقدس الوحيد الذي تستطيعين استخدامه هو واحد فقط، يعني أنّ القوّة التي داخلكِ ضعيفة نسبيًّا .كلّما كانت البركة أضعف، زادت فرصة إصابتكِ بالسموم أو الأمراض. فارتديها دون نقاش”
“لا أريد. لو ظهرتُ بهذا الشكل، سيظنّني الناس جبانة. أصلاً سمعتي سيّئة كأميرة تجلب الحظ السيء، فهل أجعلها أسوء؟”
استمرّت فانيسا في الرفض و الهروب، حتى أمسكها يورغن فجأة و حاول إجبارها على ارتداء الكمّامة، لكنها عضّت يده بقوّة.
نظر يورغن إلى أثر أسنانها في يده، تشوّه وجهه، ثمّ رمى الكمّامة و القفّازات أرضًا بغضب.
‘يا لعصبيّته…’
ضيّقت فانيسا عينيها و حدّقته.
ردّ يورغن بنظرة جليديّة و صرخ:
“افعلي ما يحلو لكِ. إذا مـتِّ بالوباء، فهذا سيكون بسببِ غباءكِ أنتِ”
“ماذا؟ غباء؟”
اندهشت فانيسا و ردّت بحدّة، لكنّ يورغن تجاهلها تمامًا و مضى في طريقه.
ركضت فانيسا خلفه بعيون غاضبة بعد أن أشارت إليه بإصبعها.
كان غارسيا يسير خلفهما، فهمس لرينيه فقط بصوتٍ منخفض جدّاً:
“شجار زوجيّ منذ الآن، أليس كذلك؟”
“……”
رمقته رينيه بنظرة باردة و لم تجب.
وصلوا أخيرًا إلى أوّل جناح مرضى، و كان فيه خمسة و عشرون مريضًا.
كان من الواضح بالعين المجرّدة مَنٔ هو في حالة حرجة و مَنٔ ليس كذلك: المرضى الأخفّ يبتسمون و يضحكون مع الممرّضين، أمّا الأشدّ فوجوههم شاحبة كالموتى، كانت خاملة و كئيبة.
ما إن ظهر يورغن حتى أشرقت وجوه الجميع كأنّ الشمس طلعت في ليل مظلم، لكنّهم عندما رأوا فانيسا بجانبه، شحبوا كأنّهم شاهدوا ملاك الموت.
يبدو أنّ خبر حصولها على البركة لم يصل بعد.
إذًا، بالنسبة لسكّان الإقليم، فانيسا لا تزال الساحرة التي تجلب الحظ السيء.
كانت تعلم أنّ سمعتها سيّئة، فلم تصعق كثيرًا، لكن طعم فمها كان مريرًا.
رسمت فانيسا ابتسامة لطيفة بجهد و جالت بين المرضى بهدوء.
التعليقات لهذا الفصل " 45"