عندما نطقت بهذه الكلمات، أبدى يورغن، على غير عادته، اضطرابًا واضحا للعيان.
توقّفت فانيسا لحظة، مندهشة سرًّل من ردّ فعله غير المتوقّع.
هو الرجل الذي يبدو كأنّه لن ينزف قطرة دم حتى لو طُعن، و مع ذلك يظهر أحيانًا ردود فعل لا يمكن توقّعها.
ربّما يعود هذا التقلّب الخفيف إلى ماضيهما الذي لا يزال يُبقيه لغزًا.
شعرت فانيسا، للمرّة الأولى و بصدق، بالأسف الشديد لأنّها لا تتذكّر شيئًا على الإطلاق.
“……أنتِ ستساعدين؟ و كيف بالضبط تنوين فعل ذلك؟”
بعد لحظة، سيطر على نفسه و سألها بنبرةٍ تحقيقيّة.
أخرجت فانيسا الجواب الذي أعدّته و هي تسير ذهابًا و إيابًا في الممرّ بانتظاره:
“سأستخدم كلمة الحاكم على المرضى. قد لا أستطيع شفاء الوباء كليًّا، لكنّني على الأقلّ أستطيع تخفيف الأعراض”
الكلام المقدس الذي تستطيع فانيسا استخدامه بمهارة حاليًّا هو فقط منح الحيويّة للهدف.
ربما في المستقبل، إذا منحتها حاكمة الحياة فينيا نعمة أكبرى، ستتمكّن من استخدام كلام أقوى، مثل شفاء الأمراض و الجروح تمامًا .لكن في الوقت الحالي، منح الحيويّة هو الحدّ الأقصى.
لكن حتى هذا وحده… سيكون بالتأكيد عونًا كبيرًا لمَن يتألّمون من أعراض الوباء.
“أوّلاً، سألتقي بالساحرة جينيلي هذه، و أسمع رأيها حول الوباء المنتشر في المدينة…”
“ما هي حدود قوتكِ برأيكِ؟”
قاطعها يورغن بنبرة حادّة و نظرة شرسة. تجمدت فانيسا دون إرادة و تحرّكت شفتاها دون كلام.
“صاحبة قوّة مقدسة تجمع بين الإجلال و التوقّع من الجميع. حتى لو كنتِ تستخدمين الآن فقط كلام منح الحيويّة، فستتمكّنين تدريجيًّا من استخدام قوة أكبر. و يومًا ما… قد تصبحين قادرة على استخدام قوة أكبر”
“هذا….”
القوة التي تساعد الأشخاص المحتضرين.
من النادر جدًّا أن يرتقي مستخدم كلام مقدس إلى مرتبة صاحب سلطة بفضل نعمة مقدسة أعظم، لكن حدث ذلك من قبل.
لو أصبحت كذلك، و أمكنها مساعدة الأشخاص الذين يحتضرون…
“لو انتشرت شائعة أنّكِ عالجتِ شخصا يحتضر، فسيأتي الناس من كلّ أنحاء القارة إلى قلعة ريباديل يتوسّلون إليكِ لتحقيق معجزة”
“…….”
“عندها ستندلع فوضى لا يستطيع حتى جلالة الإمبراطور السيطرة عليها. الجميع سيطمع في قوتكِ، و في أسوأ الحالات قد تندلع حرب. مهما كان جلالته قوّة ردع، فدائمًا سيظهر مجانين يشعلون الفتن”
فهمت فانيسا بسهولة ما يحذّرها منه يورغن.
ثم سألت نفسها: لو أصبحت قادرة على ذلك، هل ستستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي أمام شخص يحتضر أمام عينيها؟
……الجواب كان «لا».
لن تستطيع تجاهل أناس يموتون بين آلام رهيبة.
ستساعدهم جميعًا في النهاية.
لكن إذا فعلت ذلك ستعمّ الفوضى العالم.
‘عندها ستسحب الحاكمة فينيا بركتها منّي’.
ماذا سيحدث لقدّيسة فقدت نعمة الحاكم و قوّتها المقدّسة؟
ستتلقّى كلّ لعنات و كراهية مَنٔ لم تستطع إنقاذهم، و ستُتّهم بالسحر… و ستُحرق.
بدت تلك النهاية البائسة واضحة جدًّا، فلم تستطع فانيسا الكلام لفترة.
‘…لكن ….’
“إذا فهمتِ، ارجعي إلى غرفتكِ الآن. تجنّبي التجوّل بدون داعٍ لبعض الوقت. إذا أصبتِ بالوباء ستكونين مصدر إزعاج”
استدار يورغن و تحدّث ببرود و هو يدير لها ظهره.
لو كان ذلكَ في السابق لثارت غضبًا، لكنّها الآن، بعد أن واجهت الواقع و نظّمت أفكارها، شعرت بهدوء نسبيّ، ففتحت فمها:
“أنا صاحبة بركة. لن أُصاب بالوباء”
“…..تذكّري أنّ البركة ليست شاملة كلّ شيء”
“فهمتُ مخاوفكَ جيّدًا”
أمسكت فانيسا بقوّة بطرف ثوبه و هو على وشك المغادرة. كان بإمكانه نزع يدها بسهولة، لكنّه توقّف و استدار نحوها.
“لذلك… كن أنت قوّة الردع التي تمنعني من اتّخاذ خيار خاطئ”
“……ماذا؟”
“نحن على وشكِ الزواج، حتى لو كان السبب نيّة غير طاهرة منكَ بأن تمتلكني و تحطّمني. إذا كنا سنعيش كزوجين مدى الحياة، فهذا أقل شيء”
طلبت منه فانيسا بكلّ وقاحة أن يمنعها إذا ما أصبحت صاحبة سلطة و أرادت استخدام قوّتها.
“……”
نظر إليها يورغن مطوّلاً دون كلمة، و ارتسم على وجهه الذهول.
” ا-الأمر ليس صعبًا إلى هذا الحدّ، أليس كذلك؟ عليكَ مراقبتي فقط؟ الأمر لا يختلف كثيرًا عمّا تفعله عادة…”
“……”
رمقها بنظرة باردة، ثمّ مرّر يده بعنف في مقدمة شعره. بدا منزعجًا.
بسبب طلب سخيف؟ أم لأنّها تجرؤ على فعل شيء بينما هي في موقع مَنٔ يجب أن يتلقّى الانتقام فقط؟
مهما كان السبب، لم تكن فانيسا تنوي التراجع بهدوء. امتلأ قلبها بعناد قويّ بأنّ عليها إقناعه مهما كلّف الأمر.
“فكّر جيّدًا. شائعة أنّني حصلت على بركة الحياة وصلت بالتأكيد إلى هنا. إذا لم أستخدم هذه القوّة الآن، ألن يقول الناس إنّني لا أستحقّ لقب صاحبة البركة؟ و كزوجة دوق دريك أيضًا…. ماذا سيظنّ بي سكّان الإقليم؟”
“……لم أتوقّع أن تأخذي منصب زوجة الدوق على محمل الجدّ. جانبي سيكون مرعبًا بالنّسبة إليكِ”
“في البداية كان كذلك. لكن الآن… لم يعد مرعبًا إلى هذا الحدّ. على الأقلّ، أنتَ لا تضربني”
عندما أضافت هذه الجملة الأخيرة، لسبب ما انتفض حلق يورغن، و برزت عروق زرقاء عند فكّه.
مرّت في عينيه شظايا من مشاعر لا يمكن قراءتها. بعد لحظة، نطق بصوت كأنّه يتعرض للخنق:
“أنتِ……”
لكنّه لم يكمل.
أغلق فمه، محا كلّ اضطراب، و عاد إلى وجهه البارد القاسي المعتاد. رفع جدارًا حديديّا لا فتحة فيه، و نظر إليها من علوّ.
“حسنًا، كلامكِ فيه شيء من الصحّة”
“إذًا…!”
“لكن حدود القوّة التي ستستخدمينها هي كلام الشفاء فقط. حتى لو حصلتِ يومًا على السلطة، لا تحلمي باستخدامها”
“بالطبع! و إذا فقدتُ السيطرة على نفسي، احبسني في غرفتي. هكذا لن يكون هناك أي قلق، أليس كذلك؟”
“……و احفظي هذا جيّدًا : قوّة الحاكم ليست بئرًا لا تنضب. إذا أفرطتِ في استخدامها فوق طاقتكِ، ستنفد”
“….و ماذا يحدث إذا نفدت؟”
خافت فجأة من سؤال لم تفكّر فيه أبدًا. تذكّرت الآن أنّ رئيسة الكهنة قالت يوماً إنّ حجم الوعاء الذي يحمل قوّة الحاكم يختلف من شخص لآخر…
“ستنهكين، و قد تفقدين وعيك. أصلاً نحن نستعير قوّة تفوق قوة البشر، فلا بدّ أن يرهق ذلكَ الجسد البشريّ”
“آه، يا لها من معلومات…”
يبدو أنّ يورغن، على عكسها، على دراية أفضل. شعرت فانيسا بالحرج من جهلها فسعلت سعالاً خفيفًا.
و هكذا، بعد أن توصّلا إلى اتّفاق، ذهبت فانيسا معه لملاقاة جينيلي.
الساحرة التابعة لعائلة دريك تقيم عادة في البرج الغربيّ، لكن بما أنّها تقود جهود مكافحة الوباء، كان من الممكن مقابلتها في العيادة شمال المدينة.
“جـ…جميعًا؟! انتظروا لحظة…! هذه العشبة ليست خافضة للحرارة…! آه، سيّدي الدّوق!”
اكتشفت جينيلي يورغن أخيرًا وهي تعطي تعليمات متلاحقة للجنود المساعدين في العيادة.
أعطتهم أوامر إضافيّة، ثمّ هرعت نحوهما.
راقبت فانيسا بهدوء مظهر الساحرة المنعزلة التي تلتقيها للمرّة الأولى.
أوّل ما لفت الانتباه كان شعرها الأحمر المتموّج الطويل حتى خصرها، متشعّث كأنّه تعرّض لانفجار، و الذي بدو خشنًا كالسلك إذا لمسته.
ثانياً، عيناها الخضراوان الكبيرتان البرّاقتان، تعطي إحساسًا طفوليًّا، و تزداد هذه الانطباع مع أنفها الصغيرة و شفتيها و وجهها المستدير.
كيف أصِفها… كأنّها حيوان صغير لطيف…
“سيّدي! لقد عدتَ أخيرًا! أنا حتى الآن في أبحاث العلاج… أمم، لكن… مَنٔ هذه السيّدة…؟”
توقّفت جينيلي فجأة عندما انتبهت إلى فانيسا، ورفعت حذرها كقطّة صغيرة.
طولها حوالي 155 سم، كانت صغيرة نسبيًّا كامرأة بالغة، فاختبأت خلف ظهر يورغن الضخم بكثير مقارنة بها، و أخذت تتلصّص على فانيسا.
كان المشهد يشبه تمامًا قطّة تخاف من غرباء، فلم تستطع فانيسا كبح ضحكة خفيفة.
التعليقات لهذا الفصل " 44"