كان الطعام فعلاً رائعًا مقارنة بالنزل السابق الذي أقاموا فيه.
حتى فانيسا التي لم يكن لديها شهيّة عندما طلبت الطعام، ما إن ذاقت لقمة من يخنتس الدجاج و الفاصوليا حتى انبهرت بالطعم، ثمّ أنهت نصيبها كاملاً بسرعة تجعل المرء يظنّ أنّ الجوع استولى عليها.
سمعت لاحقًا أنّ صاحب النزل و طاهيه عمل عشر سنوات طبّاخًا في إحدى العائلات النبيلة الشماليّة.
خلفيّة تجعل الطعم الممتاز مفهومًا تمامًا.
بفضل هذه الوجبة المُرضية، تحسّن مزاج فانيسا كثيرًا عمّا كان عليه عندما استيقظت صباحًا، حتى إنّها نسيت مشكلتها مع يورغن مؤقّتًا.
بل إنّها، بعد أن أكلت الكمّثرى المسلوقة التي قدّمها صاحب النزل كهديّة حلوى خاصّة، بدأت تغنّي بصوت منخفض وهي سعيدة.
كانت تغنّي في مزاج رائع، حتى خرجت إلى الخارج…
“……!”
ما إن استنشقت الهواء الطلق حتى اصطدمت بيورغن وجهًا لوجه.
كان يقف بجانب سائق العربة يتفقّد العجلات، وهو يطعم الحصان جزرة.
كان يرتدي فقط قميصًا أسودا طويلا و معطفا خفيفًا فقط، أخفّ بكثير من ملابسه المعتادة.
اقتربت فانيسا منه بخطوات متردّدة نادرة عليها.
الجوّ بارد أصلاً، و هو قد قضى الليل كلّه بهذا الزيّ الخفيف، و كلّ ذلك بسببها هي.
“أمم… دوق…”
همّت فانيسا في الكلام، ففتحت فمها بحذر…
دق دق!
انبعث صوت عالٍ من جهة عجلات العربة. كان السائق منهمكًا بفعل شيء ما.
انتفضت فانيسا و هي متفاجئة من الصوت، ثمّ تنهّدت و أعادت الكرّة. كان يورغن قد أنهى إطعام الحصان الجزرة و استدار نحوها.
“أمم، بالأمس…”
“لا تعيدي ذلك مرّة أخرى أبدًا”.
قاطعها بتحذير حاد كالسكين قبل أن تبدأ بالاعتذار أو التبرير. غضبت فانيسا للحظة، لكنّ شعورها بالذنب كان أقوى، فأغلقت فمها و أومأت برأسها فقط.
“إذا كنتِ فضوليّة بشأن الماضي، تذكّريه بنفسكِ. ليس لديّ أدنى نية لأخبركِ بكلّ شيء بالتّفصيل”
“…لكنّك قلتَ إنّ تذكّري لن يغيّر شيئًا؟”
حاولت كبح نفسها، لكنّها انفجرت في النهاية.
رمقها يورغن بنظرة حادّة فأشاحت فانيسا بنظرها و تظاهرت باللامبالاة.
“أعلم أنّ الماضي بالنسبة إليك كقشرة التنّين التي لا تُمسّ. لكن… إذا واصلتَ رفع هذا الجدار، لن يتغيّر شيء أبدًا، هذا ما أعتقده”
أرادت فانيسا الآن، و بصدق، أن تهزّ جداره و تهدمه.
كانت روحها مزيج من روح التحدّي و شيء من الأسف.
هل يمكن أن يكون سعيدا بينما يقضي حياة أسير الحقد و يصف نفسه بشبح الانتقام؟
تذكّرت فانيسا الابتسامة اللطيفة التي رأتها في حلمه بالأمس.
وجهه عندما سقطت عنه طبقة الحذر التي يرتديها دائمًا، كان يبدو مرتاحًا.
لو كان هكذا دائمًا، لكان رائعًا.
“مهما تدخّلتِ، فهذا بالنسبة إليّ مجرّد خداع، يا فانيسا”
ناداها هذه المرّة بصوت بارد تمامًا ، مختلف عن الليلة الماضية. مرّ من جانبها متجهًا إلى مكان تجمّع الفرسان، فظلّت فانيسا تقف في مكانها تنظر إلى ظهره.
مسافة تبدو و كأنّها لن تتقلص مهما حاولت.
و مع ذلك…
‘لن يستطيع تركي. هو يكرهني و مع ذلك يتشبّث بي’.
لا أدري هل يدرك هذا التناقض بنفسه أم لا، لكنّ شيئًا واحداً مؤكّد:
هذه العلاقة قنبلة موقوتة لا تعرف متى قد تنفجر.
* * *
غادر الموكب النزل حوالي الساعة التاسعة صباحًا. لم يبقَ سوى القليل حتى إقليم دوق دريك، فالنسيا، فتقدّموا بسرعة أبطأ من المعتاد، مرتاحين.
مرّت الساعات…
عندما اقتربوا من حدود الإقليم، بدأ معظم أفراد الموكب يشعرون بشيء غير طبيعيّ.
و لا عجب في ذلك ، فردّ فعل سكّان الإقليم عند رؤية عربة السيّد كان مختلفًا تمامًا عن المعتاد.
كانوا في الأصل يلوّحون بأيديهم أو ينحنون بتحيّة أو يبتسمون فرحًا، لكن الجميع اليوم كانوا ينظرون إليهم فقط بوجوه قلقة عميقة.
“هل انتشرت شائعة أنّ سموّ الدوق خسر مبارزة و أصبح أعرج؟”
في الحقيقة الأعرج هو توليمان فقط، لكن الشائعات تُحرَّف دائمًا، فتخمين غارسيا لم يكن هراء تمامًا.
“حتى لو كان كذلك، فالأمر غريب. هذه المرة الأولى التي أرى فيها وجوه السكّان قلقة إلى هذا الحدّ. هل حدث شيء في الإقليم…؟”
عندما قال فينسنت، أصغر أعضاء فرقة الفرسان، ذلك بقلق، ظهر ظلّ كثيف على وجوه الجميع الذين كانوا حتى تلك اللحظة يفكّرون «مستحيل».
إذا كان قد حدث شيء فعلاً في الإقليم، فالأمر خطير. تسارعت خيول الفرسان، كأنّ قلقهم و توترهم قد انتقل إليها.
في هذه الأثناء، كانت فانيسا و رينيه داخل العربة تنظران من النافذة بعيون متعجّبة أيضًا
“سكّان الإقليم… يبدون منهكين تمامًا ، أليس كذلك؟ شيء غريب…”
همست فانيسا، فضمّت رينيه شفتيها و أومأت بهدوء. حتى في نظرها كان جوّ الإقليم غير طبيعيّ.
‘سنعرف التفاصيل عندما نصل إلى الحيّ الخارجيّ. أتمنى ألا يكون شيئًا خطيرًا”.
أومأت فانيسا بصمت و تنهّدت عندما قالت رينيه ذلك.
لم تكن تشعر بأيّ انتماء أو مسؤوليّة تجاه هذه الأرض الغريبة، لكن مجرّد احتمال أن يكون قد حدث مكروه ما جعل قلبها ثقيلاً. ربما لأنّها تذكّرت وجوه السكّان المشرقة و السعيدة التي رأتها في زيارتها الأولى.
‘أتمنّى ألا يكون شيئًا خطيرًا..’
بدأ المشهد خارج النافذة يمرّ أسرع من ذي قبل. يبدو أنّ السائق زاد السرعة لأنّه شعر بالقلق أيضًا. ظلّت فانيسا تنظر إلى الخارج و هي أسيرة شعور غريب بالتوتر.
كانت الغيوم السوداء التي أمطرت طوال الليل لا تزال تحتلّ السماء.
“سمو الدّوق!”
ما إن وصلوا إلى البوّابة الجنوبيّة للحيّ الخارجيّ حتى اندفع قائد الحرس راكضًا.
انحنى ليورغن باحترام، ثمّ قال بصوت جدّي:
“سيّدي، منذ أربعة أيّام و الوضع في المدينة ليس على ما يرام”.
” ما الذي تقصده بليس على ما يرام؟”
ينقسم إقليم دوق دريك إلى أراضٍ و غابات غير صالحة للزراعة، و قرى يعيش فيها الفلاحون، و مدينة داخل الأسوار الخارجيّة، و قلعة السيّد داخل الأسوار الداخليّة.
من كلام قائد الحرس، يبدو أنّ المشكلة وقعت في المدينة داخل الأسوار الخارجيّة.
أجاب و هو في ارتباك واضح:
“انتشر وباء في المدينة. الأعراض تشبه الإنفلونزا لكنّها أكثر فتكًا. الوضع لم يصل بعد إلى درجة الخطورة القصوى، لكن بما أنّه وباء، لا نعرف متى قد ينتشر بسرعة، لهذا الجميع قلقون”
“…وباء؟”
كرّر يورغن السؤال بصوت منخفض، و ارتفع حاجبه.
سرعان ما أصبح وجهه جديًّا مثل وجه قائد الحرس. كذلك فعل الآخرون الذين كانوا يستمعون.
تقدّم المساعد ميلارد فجأة وقال:
“وباء مفاجئ؟ نظافة إقليمنا كانت دائمًا ممتازة؟ هل عرفتم سبب الوباء؟ ما الذي تسبب في انتشاره؟ هل هناك دواء فعّال؟”
أمام سيل الأسئلة، تحرّكت شفتا قائد الحرس قليلاً، ثمّ أجاب واحدًا تلو الآخر بهدوء:
«السبب لا يزال قيد التحقيق. نشكّ بأنّ حيوانات بريّة هي الناقل، لكننا لم نتأكد بعد. السيدة جينيلي تبحث حاليًا عن علاج فعّال، و بعض مسكّنات الحمّى و الألم تساعد المرضى إلى حدّ ما. كما وضعنا الجنود لتنظيف كلّ أنحاء المدينة و الحفاظ على النظافة بكلّ ما أوتينا من قوّة. أوقفنا تشغيل الحمّامات العامّة أيضًا”
لحسن الحظّ، يبدو أنّ الأتباع الذين بقوا في القلعة تصرّفوا بشكلٍ صحيح. تنهّد ميلارد براحة و نظر إلى يورغن.
“علينا العودة إلى قلعة ريباديل بأسرع وقت لنفهم الوضع بالتفصيل. على الأقلّ لم يصل الأمر إلى درجة حرجة، هذا يعتبر من حسن الحظّ “
أضاف غارسيا فجأة:
“صحيح. حتى المنعزلة جينيلي تفيد أحيانًا”
رمقه ميلارد بنظرة غاضبة لأنّه يمزح في هذا الوقت، ثمّ جاء أمر يورغن بهدوء:
“سنعود إلى قلعة ريباديل في الحال. قائد الحرس، سيطر على دخول و خروج الحيّ الخارجيّ تمامًا، و تأكّد ألا يدخل أو يخرج أحد طالما الوباء منتشر”
“حاضر، سيّدي!”
تركوا قائد الحرس يجيب بحماس، و انطلق الموكب بأقصى سرعة ممكنة عبر الطريق الرئيسيّ للمدينة.
في هذه الأثناء، كانت فانيسا قد فتحت نافذة العربة قليلاً و سمعت كلّ شيء، فاستولى عليها قلق وتوتر لا حول لها بهما.
* * *
ما إن وصلوا إلى قلعة ريباديل حتى بدأت الأمور تتحرّك بسرعة جنونيّة.
أوّل ما فعله يورغن هو قراءة التقارير التفصيليّة التي سجّلت مجريات الأيّام الماضية.
لحسن الحظّ، كان أتباعه قد بذلوا قصارى جهدهم في أماكنهم، فلم يكن هناك الكثير ليأمر به يورغن سوى قراءة كومة التقارير الهائلة.
ثمّ قام من كرسيّه متوجّهًا للقاء الساحرة التابعة لعائلة دريك، جينيلي.
تدخّلت فانيسا فجأة عندما فتح باب مكتبه للتوّ ليخرج.
“دوق، أريد أن أذهب معكَ”
كانت شفتاها زرقاوين، يبدو أنّها انتظرت طويلاً في الممرّ البارد. تنهّد يورغن تنهيدة خفيفة و قال كأنّه يطردها:
“لا داعي لتدخلكِ. سبق أن أصدرت أوامر صارمة بمنع أيّ أحمق يقول إنّ هذا الوباء حدثَ بسبب سوء حظك، فلا تقلقي”
التعليقات لهذا الفصل " 43"