كان يورغن الذي استيقظ لتوّه في حالة من الضباب الذهنيّ. تجمدت فانيسا من الهجوم المفاجئ، لكنّها سرعان ما هدّأت نفسها و فتحت فمها.
“دوق”.
“…..”
“يورغن”.
عندما نادته بـ”دوق” بقي صامتًا، أمّا عندما نادته باسمه، تغيّر تعبيره تغييرا خفيفًا و ردّ.
كان لا يزال نصف نائم، لكنّ فانيسا لم ترَه يوما بهذه الحالة العزلاء من الدفاع، فخفق قلبها دون سبب واضح.
ربّما الآن، الآن فقط، تستطيع أن تحلّ كلّ الأسئلة التي تراكمت داخلها.
شعرت و كأنّها ترتكب جريمة، لكنّها لم تستطع تفويت هذه الفرصة. بلّلت فانيسا شفتيها الجافّتين بلسانها، ثمّ أخرجت السؤال:
“اسمع، لديّ شيء أريد معرفته…..”
“…..”
“قلتَ من قبل إنّ سوء حظي هو لعنة”
بعد أن حصلت على بركة الحاكم، بدأت فانيسا تشعر أنّ سوء حظها قد خـفّ فعلاً.
الحوادث الصغيرة التي كانت تحدث يوميًّا اختفت تقريبًا في الآونة الأخيرة، و هذا ليس مجرّد وهم منها؛ فقد أقـرّ الآخرون بذلك أيضا.
على سبيل المثال، قال غارسيا و هو يحكّ رأسه: “كنتُ أتوقّع أن تتعرض صاحبة السموّ لخمس حوادث على الأقلّ في الرحلة، لكن لم يحدث شيء، أمر عجيب حقًّا”.
لم تعجب فانيسا بأسلوبه في الكلام، لكنّها وافقت على رأيه.
لم تنكسر عجلة عربة، و لم تصادف جثّة حيوان على الطريق، و لم تعلق العجلات في الوحل، ولم ترفض الخيول السير فجأة، و لم تتعثّر فانيسا بحجر عندما خرجت لاستنشاق الهواء، و لم يقع عليها روث طائر، لم يحدث شيء من هذا كلّه في هذه الرحلة ولو لمرّة واحدة.
اعتقدت فانيسا أنّ السبب هو بركة الحاكم. فالبركة تحمي صاحبها من كلّ أنواع السموم و العقاقير الضارّة و السحر المحرّم…… و اللعنات.
إذا كان سوء حظها السابق ناتجا عن لعنة، فإنّ اختفاء الحوادث بعد البركة يصبح منطقيًّا.
لذلك خمّنت فانيسا بعد قول يورغن إنّها «ملعونة بسوء حظ».
بدا و كأنّه يعرف تلك اللعنة جيّدًا، و فوق ذلك هو الوحيد الذي يحمل ضغينة قويّة بما يكفي ليلعنها.
إذًا.
ابتلعت فانيسا ريقها بصعوبة، ثمّ نطقت بالسؤال الأهمّ:
“…..هل أنتَ مَنٔ وضع لعنة سوء الحظ عليّ؟”
“……”
لم يجب يورغن طويلاً. ظلّ ينظر إليها مذهولاً، كأنّه لم يفهم السؤال أصلاً.
مرت لحظات طويلة قبل أن يفتح فمه. لكنّ ما قاله لم يكن جوابًا، بل سؤالاً:
“……و لماذا قد أفعل ذلك؟”
أدركت فانيسا أنّ شيئًا غير طبيعيّ فيه.
عيناه شاردتان، تعبيره مختلف عن المعتاد، صوته دافئ.
ابتسم ابتسامة كسولة و ودودة لم تظهر على وجهه يومًا.
“أنتِ تتفوهين بأشياء غريبة، يا فانيسا”.
حتى طريقة كلامه تغيّرت، أصبح ألطف بكثير.
بل نادى باسمها بلطف حتّى.
شعرت فانيسا بقشعريرة ففركت ذراعيها.
“دوق، أنتَ غير واعٍ الآن”.
على الأرجح ، هو يخلط بين الحلم و الواقع الآن.
هل هو لا يكرهها في أحلامه؟
‘ربما……’
خطر لها افتراض مفاجئ، فجرّبت و نادته:
“رودي؟”
“……نعم؟”
جاء الجواب فورًا، عندها أدركت فانيسا فجأة: يورغن الآن في حلم من الماضي!
قبل أن يبدأ بكرهها، في تلك السنة التي لا تتذكّرها فانيسا. لقد عاد إلى شخصيّة الفتى «رودي».
خفق قلب فانيسا بعنف. اختلط داخلها توقّع خبيث بأن ترى يورغن الذي لا يعرفه أحد، مع ذنب لأنّها تستغلّ شخصًا نصف نائم.
لكنّ الفضول الشرّير انتصر في النهاية.
اختفى صوت ضميرها كصدى بعيد.
اقتربت فانيسا منه أكثر، و نظرت مباشرةً في عينيه.
انحنت عيناه الذهبيّتان كقمر بدر نحوها بلطف، كأنّه ينظر إلى شيء ثمين جدًّا لا يطيق فراقه.
في تلك اللحظة ارتفع داخل فانيسا شعور لا تستطيع وصفه. شعرت أنّه مألوف بشكلٍ غريب.
شيء يراوغ الذاكرة، يقترب من الظهور ثمّ يبتعد.
تحرّكت شفتاها دون تفكير و سألت:
“رودي، أنا بالنّسبة إليكَ ماذا اكون؟”
عندها ارتسمت على شفتيّ «رودي» ابتسامة خفيفة. لم تكن سخرية، بل ابتسامة مرحة مليئة بالمودّة.
أجاب رودي:
“أنا ملكـكِ ، يا فانيسا”.
“ماذا؟”.
لم تتوقّع هذا الجواب أبدًا، فارتبكت فانيسا للحظة، ثمّ بدأت الابتسامة تتلاشى ببطء من وجهه.
استعاد وعيه فجأة، و صارت عيناه صافيتين في لحظة.
أدركت فانيسا ذلك، فحاولت الابتعاد فورًا .لكنّ يورغن الذي استيقظ كليّا كان أسرع، فأمسك بها.
أضاءت عيناه الذهبيّتان ببريق حادّ. مرّت فيهما مشاعر لا تُحصى.
إهانة، غضب، ارتباك…… مستنقع من المشاعر لا يمكن وصفها بالكلمات، كان يتموّج داخل حدقتيه.
“….أنتِ…..”
تسرّب صوته المغلي من بين أسنانه.
شعرت فانيسا بنية قتل وشيكة، فانكمشت و حاولت التملّص، لكنّه كان يمسك ذراعها بقوّة، فاستحال عليها الهروب.
بعد أن تبدّدت الإثارة الغريبة، بقي شعور الذنب وحده واضحًا .
عضّت فانيسا شفتيها، فكّرت بسرعة، ثمّ اختارت أفضل خيار ممكن:
“أنا آسفة”.
الاعتذار أوّلاً مهما كلّف الأمر.
لقد تصرّفت لتوّها…… بوقاحة كبيرة. لم يكن يجوز أن تفعل ذلك بشخصٍ نائم.
“كنتُ فضوليّة…… لذلك فعلتُ ذلكَ. أنا آسفة حقًّا”.
“…..”
ظلّ يورغن يحدّق بها طويلاً دون كلمة، ثمّ فجأة أفلت ذراعها بعنف و قام من الكرسيّ.
مرّر يده في شعره المبلّل قليلاً، زفر تنهيدة بغضب، رمقها بنظرة حادّة، ثمّ خرج من الغرفة دون رجعة.
بقيت فانيسا تحدّق في الباب مذهولة بينما مشاعر الذنب و الظلم الخفيف و الحرج كانت تختلط داخلها، ثمّ اتجهت إلى السرير و انهارت عليه.
عندما دفنت وجهها في كفّيها، عادت تلكَ الابتسامة تطفو في الظلام.
ابتسامة بدت ثمينة و فريدة إلى درجة لا توصف، تشعرك بفقدان شيء عندما تتذكّرها، تجعل ركنًا من القلب خاليًا.
أمر غريب، لكنّها شعرت برغبة في البكاء.
* * *
لم يعد يورغن إلى الغرفة بعد أن خرج تلك الليلة.
قضت فانيسا الليل ساهرة، ثمّ جلست على حافّة السرير و أطلقت تنهيدة عميقة.
كان وجهها يعكس شدّة الإرهاق.
كانت تنوي فقط أن تقول له: “وضعيّتكَ تبدو غير مريحة، نـم على السرير براحة”.
كيف وصل الأمر إلى هذا؟
شعرت بضيق لم تتوقّع يومًا أن تشعر به تجاه يورغن، يملأ صدرها حتى الاختناق.
“صاحبة السمو السموّ الملكيّ، هل سعلتِ؟”
كان صوت رينيه.
رتّبت فانيسا شكلها بسرعة و قالت: تفضّلي.
دخلت رينيه بعد قليل، و كعادتها وضعت ابتسامة مهذّبة جامدة، ثمّ أخبرتها:
“يبدو أنّ سموّ الدوق قضى الليل كلّه خارج الغرفة. مهما كان قويا، فالنوم ضروريّ……”
ربّما قالت رينيه ذلك دون قصد، لكنّ فانيسا شعرت و كأنّها تُلام.
لأنّ يورغن اضطرّ لقضاء الليل في البرد بسببها هي.
‘يبدو أنّ التصرف بوقاحة بلا خجل سيحتاج موهبة خاصّة……’
للأسف، فانيسا لم تكن من هذا النوع من البشر القادرين على التصرف الوقاحة بعد أن تجسّست على ماضٍ يريد إخفاءه و أزعجت نومه.
بقيت على أعصابها طوال الوقت الذي ساعدتها فيه رينيه على الإغتسال و تمشيط الشعر وتغيير الثياب. كانت تخشى أن تعرف رينيه الحقيقة فتحتقرها.
على أيّ حال، كان عليها النزول لتناول الفطور كي لا تتأخّر عن موعد الانطلاق، فأسرعت في التزيّن.
نزلت إلى الطابق الأوّل بعد أن رتّبت شعرها و ثيابها، فوجدت الجميع ما عداها هي و رينيه يتناولون الإفطار في جوّ صاخب.
لم تكن فانيسا مستعدّة بعد لمواجهة يورغن، فجالت بنظرها سريعًا في بهو النزل المزدوج مع الصالة.
لحسن الحظّ لم تـرَ يورغن.
هل أنهى فطوره و خرج؟ ….ماذا لو كان مزاجه معكّرًا بسببي فتخطّى الإفطار كلّه؟
“آه! صاحبة السموّ!”
رآها غارسيا في تلك اللحظة، فرفع يديه و لوّح بحماس.
في الأيّام العاديّة كانت فانيسا ستضحك مندهشة، لكنّها اليوم كانت منشغلة التفكير بيورغن، فاكتفت بهزّة رأس فقط.
نظر إليها غارسيا باستغراب و رفع حاجبه، ثمّ اقترب منها دون دعوة و بدأ يقودها إلى مقعد بارتباك:
“تفضّلي، تفضّلي، اجلسي هنا. طعام هذا النزل ألذّ بكثير من النزل السابق الذي أقمنا فيه”.
يقصد «السابق» تلك الفترة القصيرة بعد سقوط تيريفرون مباشرة. أدركت بافانيسا كم تغيّر كلّ شيء مقارنة بتلك الأيّام.
كان غارسيا آنذاك كالكلب البرّيّ في الجبل، يشهر أنيابه، و كذلك بقيّة الفرسان كانوا يحرسون أنفسهم منها.
أمّا الآن فالجميع دون استثناء ينظرون إليها بإجلال، بل و بعضهم بحبّ أيضًا.
يا له من تطوّر هائل حقًّا……
‘لكن ذلك لم يحدث بفضل قوّتي وحدي’.
لو لم تحصل على بركة الحاكم، لكان معظمهم، باستثناء قلّة، لا يزالون يعاملونها كالسابق.
فانيسا لوينغرين الجميلة المشؤومة، كما كانت دائمًا.
جلست فانيسا في المقعد الذي دلّها عليه غارسيا و ارتشفت رشفة ماء لترطّب حلقها.
أمر غريب، لكن طعم الماء كان مرًّا.
التعليقات لهذا الفصل " 42"