نظرت إليها فانيسا من خلف باب العربة المفتوح، ثمّ أجابت دون تردّد يُذكر:
“احرقيها كلّها”.
“نعم؟ كلّها……؟”.
توقّفت رينيه مذهولة و سألت بصوتٍ لا يصدّق، فأطلقت فانيسا تنهيدة خفيفة و كرّرت:
“على أيّ حال، هي رسائل لا معنى لها. لا بأس بحرقها”.
“فـ-فهمت، يا صاحبة السموّ”
بدت رينيه و كأنّ لديها المزيد لتقوله، لكنّها رأت وجه فانيسا البارد فأغلقت فمها و انصرفت بطاعة.
طوت فانيسا رسالة أغنيس بعناية و وضعتها في جيب معطفها. قرارها بتجاهل رسائل نبلاء الإمبراطوريّة لم يكن نزوة طائشة. كانت تعلم أنّ تجاهلهم جميعًا لن يعود عليها بأيّ ضرر.
على أيّ حال، معظم هؤلاء لا يحملون نوايا طيّبة خالصة، بل يطمعون في قوّة فانيسا صاحبة بركة الحياة.
مشهد نبلاء الإمبراطوريّة و هم بحاولون التقرب من أميرة مملكة جنوبيّة صغيرة كانوا يحتقرونها دائمًا……
وجدت بافانيسا الموقف مضحكًا جدّا.
‘ماذا كان أبي سيقول لو رأى هذا؟’
[أحسنتِ يا فانيسا! لقد كسرتِ أنوف نبلاء الإمبراطورية المتغطرسين! هكذا تكونين ابنتي بالضبط. أنا فخور بكِ جدًّا].
كأنّها تسمع صوت أبيها المرح يرنّ في أذنيها من مكان ما. أطلقت فانيسا ضحكة صافية و نظرت خارج النافذة.
كانت سماء الشمال ممتلئة بغيوم سوداء كثيفة، كما لو أنّ المطر سيهطل في أيّ لحظة.
و في اليوم الذي يتوجّهون فيه شمالاً بالذات تكون السماء هكذا….كلّ ما تأمّله ألاّ تكون عاصفة مطر عنيفة.
* * *
قلعة كونت فالمبرغ في شمال الإمبراطوريّة.
تلقّى إيسكال، الذي يقيم هنا منذ أكثر من أسبوعين، اليوم رسالة غير متوقّعة.
مرسل الرسالة لم يكن سوى ديكلان لوينغرين.
“هاه……”
قرأ إيسكال الرسالة دفعة واحدة، ثمّ رسم على شفتيه ابتسامة قاتمة.
باختصار، كانت الرسالة اقتراح تحالف. دعوة للتعاون من أجل هدف مشترك.
‘إذًا حتى ملك لوينغرين يرى يورغن شوكة في حلقه’.
لكن يبدو أنّه يريد التخلّص من فانيسا أكثر من يورغن.
‘بما أنّ فانيسا حصلت على بركة الحياة، فمن الطبيعيّ أن ينزعج’.
عندما اعتلى ديكلان العرش، لم تكن هناك قوّة تدعم فانيسا. لكن الآن، بعد أن حصلت على البركة و ارتفع شأنها، قد تنقلب الأمور.
هذا هو ما يخشاه ديكلان على الأرجح.
قد لا تستطيع فانيسا المتزوّجة من يورغن أن تجلس على عرش لوينغرين، لكنّها قادرة على التأثير بشكلٍ غير مباشر.
مثلاً أن تنتقد ديكلان علنًا، أو تُظهر دعمها للعائلة التي تأتي بعد العائلة الملكيّة في ترتيب خلافة العرش……
‘في النهاية، ديكلان يريد إزالة فانيسا قبل أن يحدث ذلك’.
ابتسم إيسكال ابتسامة خفيفة، أزاح رسالة ديكلان جانبًا، و بدأ يكتب الردّ.
كان ردًّا مختصرًا يلمّح فيه إلى استعداده للتعاون.
لم يكن هناك داعٍ لإخباره بما يخطّط له أو بما سيحدث لاحقًا.
‘بعد قليل سيصل موكب يورغن إلى فالنسيا’.
و سيرى حينها. الهديّة التي أعددتها له خصّيصا.
رفع إيسكال زاوية فمه بابتسامة مائلة، وضع القلم جانباً، وتمتم لنفسه:
“أرجو أن تعجبكَ هديّتي…… أيّها الأخ الأكبر يورغن”
* * *
يوم واحد قبل الوصول إلى إقليم دوق دريك، فالنسيا.
كما بشّرت به الغيوم السوداء التي ملأت السماء، انهمر المطر الغزير أخيرا.
بدأ المطر الشديد في المساء، و ازداد شراسة مع حلول الليل، فأصبح السير في هذا الطريق الموحل مستحيلاً. اضطرّ الموكب إلى البحث عن مأوى قبل غروب الشمس.
التعليقات لهذا الفصل " 41"