كما أنّ حرارة الشاي لم تكن فاترةً و لا ساخنة، بل مناسبة تمامًا.
ارتسم قوس ابتسامةٍ على شفتي فانيسا دون وعي.
جلست فانيسا تتبادل الأحاديث مع يورغن بهدوء، تحتسي الشاي أو تتناول بعض الوجبات الخفيفة.
كانت شطيرة الفاكهة التي قضمت منها بلا توقّع ألذّ ممّا ظنّت، فراحَت تُلحّ عليه ليجرّبها بسرعة.
و بعد الأكل و الشرب لوقتٍ لا بأس به، شعرت بالشبع.
طرحت فانيسا أيّ اعتبارٍ للّباقة، و استلقت ممدّدةً على البطّانيّة تحدّق في السماء.
في القبة الزرقاء الصافية، كانت هناك غيومٌ بيضاء كزغب القطن تطفو ببطء.
و بدا من بعيدٍ و كأنّ سحبًا داكنةً تزحف سريعًا.
غالبًا ما تجلب مثل هذه السحب المفاجئة عاصفة مطريّة___
لن تمطر، أليس كذلك؟
بطنها ممتلئ، و ظهرها دافئ، و نسيمٌ لطيف يهبّ، كل هذه الأجواء جعلت النعاس يغلبها.
كانت ترمش بذهولٍ حين خطرت لها فكرة، فأفلتت الكلمات من فمها فجأة.
“إغنيس تقول إنّها ستقيم عرضًا مسرحيًّا مشتركًا في يوليو، و الموضوع هو الرومانسيّة.”
“لا تفعلي. ستتعبين وحدكِ.”
“لقد طلبت منّي كتابة النصّ… لكنّني لا أعرف ماذا أكتب.”
حين رأى يورغن تعبير فانيسا المتجهّم، أطلق ضحكةً خفيفة.
مدّ يده و رتّب خصلات شعرها المتناثرة قليلًا و قال.
“إن أردتِ حقًّا، هل أكتبه بدلًا منكِ؟”
“……؟”
نهضت فانيسا فجأةً من مكانها و قد فوجئت بما سمعت.
كان يورغن يحدّق فيها بابتسامةٍ هادئة لا أكثر.
“أتجيد كتابة النصوص أيضًا؟”
“تُقام العروض المسرحيّة هنا بين حينٍ و آخر.”
“إذًا، في كلّ مرّة كنتَ تكتب النصّ؟”
“ليس في كلّ مرّة. فقط عندما يحلو لي.”
“هاه…….”
كم موهبة يمتلك ؟
بدا أنّ شريكها متفوّق زيادةً عن اللزوم.
“لا عجب أنّك محبوب بلا داعٍ…….”
“ما هذا الكلام فجأة؟”
تجاهلت فانيسا اعتراض يورغن، و استعادت ما حدث في أبريل الماضي.
من العاشر إلى السادس عشر من أبريل، و على مدى نحو سبعة أيّام، تُقام في العاصمة فعاليّات متعدّدة بمناسبة موسم العلاقات الاجتماعيّة الربيعي.
في اليوم الأوّل تُقام مأدبة، و في اليوم الثاني تُنظّم مسابقة فروسية.
في مسابقة الفروسيّة، كان يحقّ للسيّدات أو الآنِسات تقديم مناديل للمشاركين اللواتي يرغبن بتشجيعهم، و غالبًا ما يُقدَّم المنديل للزوج أو الخطيب أو الحبيب.
لكن في تلك المناسبة تحديدًا، كان هناك عُرفٌ غير مكتوب يسمح بإعطاء المنديل لمَن يكنّ له إعجابًا، حتّى لو كان متزوّجًا.
و كان ذلك تقليدًا خاصًّا بكارتيس لا وجود له في بلدانٍ أخرى، و قد أشعر فانيسا بقدرٍ غير قليل من الانزعاج.
و السّبب أنّ أكثر من عشرين سيّدة و نبيلة تنافسن على تقديم المناديل ليورغن____
[ستتخلّص منها كلّها، صحيح؟]
[……]
سألت فانيسا و عيناها تقدحان شررًا و هي تمسك بكومة المناديل التي تلقّاها يورغن.
حدّق بها يورغن لحظةً، ثمّ جذبها فجأةً و قبّلها.
و بفضل ذلك، تساقطت كومة المناديل على الأرض، و لم يلتفت يورغن إليها.
شدّ على ذراعه منديلًا واحدًا فقط و دخل المسابقة.
كان المنديل الدانتيل الذي أعطته إيّاه فانيسا.
سمعت فانيسا لاحقًا من إغنيس أنّ السيّدات و النبيلات اللواتي أُعجبن بيورغن تحطّمت قلوبهنّ بسبب ذلك، لكنها لم تقم بشيء غير السخرية باستهزاء.
بالطبع، مَنٔ طلب منكنّ التودّد لرجلٍ متزوّج؟
“أنتِ تغارين بلا داعٍ.”
علّق يورغن بسخريةٍ كأنّه قرأ أفكارها.
لم يكن يحبّ غيرتها، إذ كان يرى أنّ الغيرة دليل على نقص الثقة به.
و المفارقة أنّه هو نفسه كان تجسيدًا للغيرة أكثر منها.
حين قدّم الفارس الفائز في مسابقة الفروسيّة وردةً لفانيسا، سحقه يورغن في المباراة التالية سحقًا.
و لم يكتفِ بذلك.
في الحفل الراقص في اليوم الأخير، منع الجميع من دعوة فانيسا للرقص.
حتّى الإمبراطور نفسه لم يجرؤ على طلب رقصةٍ منها خوفًا من يورغن.
كانت فانيسا ترى أنّ غيرتها، مقارنةً به، لطيفة و صغيرة.
فعلى الأقل، لم تكن لتنتقم جسديًّا من امرأةٍ مختلّة ترسل رسائل حبّ إلى رجلٍ متزوّج.
“عندما تبلغ الخمسين تقريبًا، لن تصلكَ رسائل حبّ بعد الآن، أليس كذلك؟”
“لا أدري…….”
“ما معنى ‘لا أدري’؟ من الآن فصاعدًا، إذا وصلتك رسالة كهذه، مزّقها فورًا. و أمام صاحبتها.”
نظر يورغن مطوّلًا إلى عينيّ فانيسا المتّقدتين غضبًا، ثمّ ضحك بخفّة.
كان على وشكِ أن يفتح فمه ليقول شيئًا مهمًّا.
“فانيسا، أنا…….”
طَق.
ضربت قطرة ماءٍ صغيرة أرنبة أنفه، و انزلقت على جلده.
توقّف يورغن و رفع بصره إلى السماء.
كانت السحب الداكنة قد خيّمت فوق رؤوسهم.
“يبدو أنّ المطر سيهطل.”
“هاه؟”
نهضت فانيسا و مسحت وجهها بيدها بعدما أصابتها بضع قطرات.
في تلك الأثناء، جاءت رينيه مسرعةً و بدأت تجمع البطّانيّة و الوجبات، فيما توجّه غارسيا على ظهر حصانه إلى القلعة لإحضار العربة.
بعد قليل، انهمر المطر بغزارة.
كان مطرًا مفاجئًا غزيرًا.
أسرع يورغن و فانيسا إلى الاحتماء تحت شجرة كبيرة.
لكنّ الأوراق الكثيفة لم تستطع صدّ المطر المتدفّق كلّه.
و سرعان ما ابتلّ الاثنان تمامًا.
تساقطت أزهار الدردار البيضاء المتفتّحة حديثًا بفعل المطر، ناشرةً عبيرًا خفيفًا في الأرجاء.
امتزجت رائحة المطر المائيّة، و رائحة التراب، و رائحة العشب الأخضر، بعطر الأزهار في فوضى لطيفة.
نظر يورغن و فانيسا إلى بعضهما بصمتٍ، كلٌّ منهما يبدو كفأرٍ مبلّل، ثمّ انفجرا بالضحك في آنٍ واحد.
امتزج صدى الضحكات بصوت المطر، و هزّت فانيسا رأسها و هي تتمتم.
“جنون.”
تلاقى نظرهما من جديد.
لم يكن الوضع مناسبًا، لكنّهما شعرا بانجذابٍ غامض في اللحظة التي تلاقت فيها أعينهما.
تحرّكت الأجساد قبل العقول.
التصقت شفاههما كالمغناطيس.
“آه، هاا، العربة، يبدو أنّها وصلت…….”
و ما إن ابتعدت شفتيها لتقول ذلك بعد سماع وقع الحوافر و العجلات، حتّى حملها فجأةً بين ذراعيه.
واصل تقبيلها و هو يتّجه نحو العربة دون أن يتعثّر أو يخطئ خطوةً واحدة.
“انتظر…….”
ما إن دخلا العربة و أغلق الباب، حتّى انقضّ عليها يورغن.
حاولت فانيسا منعه و هي تفكّر أنّ هذا المكان غير مناسب، لكنها استسلمت.
سارت العربة التي تقلّهما ببطءٍ على الطريق الموحل، و وصلت إلى قلعة ريباديل متأخّرةً عن المعتاد.
قام يورغن بلف فانيسا المبللة من المطر ببطّانيّةٍ كبيرة كانت في العربة، من رأسها حتّى قدميها، و أنزلها.
حين رأى الخدم الذين كانوا ينتظرون عودة السيّدين ذلك المشهد، أخفضوا أبصارهم على عجل.
فرفع الرأس و لو عن طريق الخطأ قد يجلب مشكلة كبيرة.
ما إن وصلا إلى الغرفة، حتّى وضعها يورغن على السرير و عاد يندفع نحوها.
و بعد وقتٍ طويل من ذلك، انتهى بها الأمر منهكةً تمامًا.
“……أريد أن أستحمّ.”
تمتمت فانيسا و هي تمدّ ذراعيها نحوه.
كانت تعني أنّها متعبة حتّى الموت، و عليه أن يتولّى الأمر.
ابتسم يورغن ابتسامةً خفيفة، و حملها بين ذراعيه.
في الحمّام، ملأ الحوض بالماء بمهارة و قام بغسلها.
شعر برضاٍ عظيم لا يوصف.
“أتعلم…….”
“نعم.”
كانت فانيسا تعبث بالماء بيدها حين فتحت فمها فجأة.
كان صوتها جادًّا على غير العادة.
“هل ننجب طفلًا؟”
“…….”
حدّق بها يورغن بصمتٍ بنظرةٍ غامضة، ثمّ أجاب بوقاحةٍ صريحة.
“أنا أفكّر في ذلك منذُ زمن.”
“ح، حقًّا؟”
حين شدّ خدّها مازحًا، تذمّرت فانيسا بنبرةٍ حادّة.
مال يورغن و قبّل خدّها .
قفزت فانيسا و راحت تضرب ذراعه بعنف.
فتمتم ساخرًا من شدّة خجلها، ثمّ طبع قبلة على عنقها.
بعد الاستحمام، تناولا وجبةً خفيفة.
عندما نامت فانيسا إلى جانبه، جلس يورغن على حافّة السرير و راح يرتشف الشراب.
“أغغ…… إغنيس…….”
لكنّ فانيسا تمتمت أثناء نومها بصوتٍ متألّم، كأنّها ترى كابوسًا.
يبدو أنّها كانت تتعرّض للتعذيب على يد إغنيس تورنيا في حلمها.
ضحك يورغن بخفّة، و وضع الكأس جانبًا و ربّت عليها.
و بعد أن تقلّبت قليلًا، هدأت من جديد و غرقت في نومٍ عميق.
قبّل يورغن جبينها، ثمّ نهض و اتّجه إلى المكتب.
أخرج ورقا من الدرج، و فتح غطاء الحبر.
غمس رأس الريشة و كتب كلمةً واحدة بلا تردّد.
“رومانسيّة.”
كان يعلم أنّها لا تناسبه إطلاقًا، لكنّه رأى أنّ حياته مرتبطة بذلك الموضوع ارتباطًا وثيقًا.
لذلك استطاع كتابة النصّ الذي استعصى على فانيسا دون عناء.
بعد نحو ثلاثين دقيقة أمام المكتب، وضع يورغن القلم و نهض.
غسل يده الملطّخة بالحبر بالماء، ثمّ عاد إلى جانب فانيسا و استلقى قربها.
أضاء ضوء الشمعة الخافت الغرفة، و انعكس على وجهها النائم بسلام.
أنفاسها المنتظمة، و خدّاها المتورّدان.
فجأةً، لم يصدّق يورغن أنّها حيّة، فقرّب وجهه من صدرها و أصغى إلى نبض قلبها.
دق، دق.
حين سمع النبض المنتظم، شعر براحةٍ لا سبب لها، و ابتسم بسخريةٍ خفيفة.
كان من المضحك أن يشعر بالاشتياق و القلق، و هي قريبةٌ منه إلى هذا الحدّ.
كان حبًّـا مَرضيًّا.
كان هناك وقت لم يكن للحياة فيه أيّ دافعٍ عنده.
حياة خاوية، لا يفعل فيها شيئًا سوى قتل وحوش الصقيع التي كانت تزحف بلا نهاية إلى الجبهة الشماليّة.
و كان دخول فانيسا إلى تلك الحياة معجزةً لا شكّ فيها.
هديّةً عظيمة من القدر.
الآن، و بعد أن أصبح حبّه الرومانسي حيًّـا يتنفّس هنا، بات قادرًا على العيش.
ليس مجرّد وجودٍ فحسب، بل بمعناه الحقيقي.
نظر يورغن إلى رومانسيته المتجسّدة في هيئة المرأة التي يحـبّ بعينين شاردتين، ثمّ انحنى ببطء و طبع قبلة خفيفة على شفتيها هامسًا.
التعليقات لهذا الفصل " 120"