رفع الغطاء المنسدل و ربّت عليها، لكنّ فانيسا هزّت رأسها و تثاءبت.
“لا…… سأستيقظ.”
كشفت الغطاء و جلست من مكانها.
وحين همّت بالنهوض عن السرير، عانقها يورغن من الخلف بإحكام.
لامس شفتيه قفا عنقها الأبيض، فانبثقت رائحة جسدها، و شعر بالسكينة تتسلّل إليه تلقائيًّا.
أسند يورغن ذقنه على كتف فانيسا و سألها.
“هل أساعدك؟”
“أمم…..”
كان يعلم أنّها ستوافق، لذا حمل فانيسا بين ذراعيه بخفّة قبل أن يسمع الجواب.
اتّكأت فانيسا بخدّها على صدره و أطلقت ضحكةً خافتة، و بدا ضحكها مترنّحًا من شدّة النعاس.
بينما كان يحمل جسدها الصغير مقارنةً به متّجهًا إلى الحمّام، قالت فانيسا بصوتٍ كسول.
“أنا…… رأيتُ حلمًا قديمًا.”
“……حلمًا قديمًا؟”
“نعم، عندما كنّا صغارًا أنتَ و أنا…… آه، كان رودي لطيفًا جدًّا حينها.”
تذمّرت فانيسا قائلةً متى كبر جسدك إلى هذا الحدّ، حتّى صار كالنمر، و كأنّها غير راضية.
لم يجد يورغن ما يفعله سوى أن يطلق سخرية بابتسامةٍ قصيرة.
“لكن، لكونك كبرتَ فائدةٌ جيّدة أيضًا.”
“و ما هي.”
“ذلك الجرح على ظهركَ….”
“…….”
“ذاك…… ما زال يبدو مؤلمًا حتّى الآن، لكنّه اصبح أصغر، أليس كذلك؟ لهذا أشعر بالارتياح….”
كانت فانيسا لا تزال نصف نائمة، فأغمضت عينيها و تمتمت.
حملها يورغن بذراعٍ واحدة، و بالأخرى ملأ حوض الاستحمام بالماء و ضبط حرارته.
حين أنزلها في الماء الدافئ على نحوٍ مناسب، رمقته بعينين مثقلتين بالنعاس و هي ترمش بهدوء.
“آه، لماذا صرتُ أشعر بالنعاس هكذا هذه الأيّام….”
“…….”
هل ربّما هي حامل؟
خطرت هذه الفكرة فجأةً على بال يورغن، فتماسك و صنع تعبيرًا هادئًا.
“لعلّ ذلكَ بسبب أن الطقس أصبح دافئًا. مَن كان ليتخيّل أنّ الشمال سيصبح بهذا الاعتدال.”
نظر يورغن إلى فانيسا و هي تشدّد نبرتها على كلمة “يا إلهي”، فضحك بخفّة.
ثم قالت و هي تحدّق فيه بصمت.
“أنتَ…… لا، سموّك هل ستغتسل؟”
“…….”
كانت الألقاب التي تنادي بها فانيسا يورغن مختلطة بين “أنتَ”، و”سموّك”، و”يا عزيزي”.
في العادة كانت تناديه بـ”أنتَ” بعفويّة، لكن أمام الآخرين تتصنّع الوقار و تقول “سموّكَ”.
و أحيانًا، حتّى عندما يكونان وحدهما كما الآن، تناديه “سموّكَ”، و غالبًا ما تفعل ذلك حين ترغب بشيء أو تريد إغواءه.
أمّا مناداته بـ”يا عزيزي” فكانت نادرة جدًّا.
لا تفعل ذلك إلّا عندما تكون في مزاجٍ جيد جدًّا، أو حين ترغب بشيءٍ بإلحاح.
ابتسم يورغن لفانيسا ابتسامةً نقيّة.
“لو دخلتُ هناك، هل تعتقدين أنّني سأكتفي بغسلكِ بهدوء؟”
“…….”
ضيّقت فانيسا عينيها و نظرت إليه بحدّة، ثمّ لم تكتفِ بذلك، قامت رشّ الماء عليه بقوّة.
كان بإمكانه تفاديه بسهولة، لكنّ يورغن تلقّى الماء دون مقاومة.
كان صباحًا هادئًا كالمعتاد.
* * *
“واو، هذا مدهش فعلًا. هذا المكان ليس مناخًا تنمو فيه أشجار الليلك أصلًا.”
كانت غارسيا يبدي دهشته بلا توقّف و هو ينظر إلى أزهار الليلك المتفتّحة على مصراعيها.
شهر مايو و قد اقترب من طقس أوائل الصيف.
في حديقة قلعة ريباديل، كانت أشجار الليلك التي زُرعت حديثًا هذا العام تتفاخر بأزهارها البنفسجيّة الفاتحة الجذّابة.
و لم يكن ذلك فقط، بل كانت أحواض الزهور مليئةً بمختلف الأزهار.
الورد، و الفاوانيا، و الكوبية، و التوليب…. و في الدفيئة كانت زنابق الوادي تنمو.
قال كل من رينيه و غارسيا إنّهما يريان هذا الكمّ من الزهور في الشمال للمرّة الأولى.
“إذا كانت النباتات تنمو بهذا الشكل الجيّد، فسيكون حصاد هذا العام وفيرًا للغاية. أراضينا أصلًا قليلة الغلّة…… لكن ابتداءًا من هذا العام يمكننا تجربة محاصيل جديدة.”
قالت رينيه بصوتٍ متحمّس.
بصفتها ابنة الشمال الأصيلة التي نشأت هناك، كانت سعيدةً جدًّا بالتغيّرات التي طرأت على الشمال.
فقد شهدت منذُ صغرها معاناة المزارعين المستأجرين بسبب المناخ البارد و البيئة القاحلة.
و بفضل كون لوينغرين دولةً زراعيّة، امتلكت فانيسا معرفةً زراعيّة كافية لتطبيقها عمليًّا.
لذلك كانت في الآونة الأخيرة تساعد مزارعي الإقطاعيّة اعتمادًا على ما تعرفه.
“من الآن فصاعدًا سيكون الطقس دافئًا هكذا كلّ عام ، أليس كذلك؟ لم تعد هناك برودةٌ قادمة من أرض الصقيع….”
“بالطبع سيكون كذلك.”
أجابت فانيسا بثقة على سؤال رينيه.
لم تكن ثقةً بلا أساس.
حين أُعيدت تسمية الأرض التي كانت تُعرف قديمًا بأرض الصقيع إلى “أرض التناسق” ، أدركت فانيسا أنّ امتلاء هذا الشمال بالحياة هو ما كانت فينيا تريده حقًّا.
و الدليل على ذلك أنّ ألبي، الذي كان تنّين الصقيع و الموت، اكتسب خصائص معاكسة تمامًا.
و في تلك اللحظة، دخل مشهد ألبي و هو يلهو في الحديقة ضمن مجال رؤيتها.
في كلّ موضعٍ يمرّ به التنّين الصغير، كانت الأزهار البرّيّة تتفتّح بغزارة.
“يا هذا! أيّها المشاغب!”
صرخ غارسيا مناديًا إيّاه، فالتفت التنّين الصغير فجأة و فتح فمه الواسع مطلقًا صوتًا يشبه الضحك.
و في الوقت نفسه، نبتت نبتةٌ ضخمة قرب الموضع الذي وطئه ألبي، ثمّ أزهرت زهرةً كبيرة في لحظة.
كان هذا يحدث كثيرًا كلّما شعر ألبي بالسعادة.
“أوه!”
اندفع ألبي بقوّة و اصطدم بغارسيا.
رغم كونه تنّينًا صغيرًا، إلّا أنّ وزنه لم يكن هيّنًا، ففقد غارسيا توازنه و سقط على ظهره.
جلس ألبي على صدره، ثمّ أخرج لسانه كما لو كان يستفزّه.
“هاه، أيّها الزاحف الوقح…….”
“بييي.”
“أنا ألعب معكَ كلّ يوم و أطعمكَ أيضًا.”
“بييك!”
كان ألبي يستخفّ بجميع الناس عدا فانيسا، و كان يتعامل بخشونةٍ خاصّة مع غارسيا.
أمّا غارسيا، و كأنّه لا يشعر بالإهانة، فقد ضمّ ألبي إليه محاولًا تقبيله و هو يقول إنّه لطيف.
“بيك!”
“آخ!”
فشل فشلًا ذريعًا قبل أن تلامسه الشفاه.
ضرب ألبي شفتيّ غارسيا بمخالبه الأماميّة بقوّة، ثمّ قفز بسرعةٍ من فوق صدره.
بعدها توجّه نحو فانيسا و بدأ يدور حولها.
و حين تلاقى نظرهما، توقّف و أمال رأسه، متدلّلًا.
“واو، مقرف.”
تمتم غارسيا و هو يفرك ذراعيه و كأنّ القشعريرة سرت فيه.
تجاهله ألبي، و أطلق صوت “بيي” لطيفًا موجّهًا إلى فانيسا.
ضحكت فانيسا بخفّة و حملته بحذر.
“هل نلعب معًا هذا المساء؟”
“بي!”
“سأزور المزارع، هل تريد المجيء معي؟”
“بيي!”
أومأ ألبي موافقًا و هو يرمش بعينيه.
كان التنّين الصغير ذكيًّا للغاية.
و بما أنّ جوهره كان أورغيلمير، فذلك أمرٌ طبيعيّ.
كان نموّ ألبي بطيئًا جدًّا، و وفقًا لرأي جينيلي، و بسبب كونه كائنًا مختلفًا عن الكائنات العاديّة، فلن يبلغ مرحلة البلوغ إلّا بعد نحو مئة عام.
بمعنى آخر، سيبقى ألبي طفلًا طوال حياة فانيسا.
و في الآونة الأخيرة، كانت فانيسا تفكّر أحيانًا: ‘ماذا سيحدث لألبي عندما أموت؟’.
بعد أن عادت فانيسا من زيارة المزارع برفقة ألبي، تناولت العشاء ثمّ حبست نفسها في الغرفة لمراجعة عدّة مستندات.
و كان أكثر ما أولته اهتمامًا قائمة شتلات المحاصيل التي ستُجلب من الجنوب هذا الشهر.
‘طماطم، خيار، سبانخ، فراولة، قرع….’
السبانخ و الفراولة محاصيل محبّة للبرودة، لذا ستنمو جيّدًا في مناخ الشمال المعتدل.
لكن الطماطم، و الخيار، و القرع…… هل سيكون الأمر على ما يرام؟
صحيح أنّ الطقس صار دافئًا، لكن ذلك لا يجعل الشمال مماثلًا للجنوب في اعتداله.
‘حسنًا…… لنجرّب كميّةً قليلة أوّلًا.’
حين تذكّرت وجوه المزارعين المتطلّعة التي قابلتهم اليوم، شدّت فانيسا كتفيها و هي تضع الخطط.
لم تكن تريد أن تُخيّب آمال مَنْ وثقوا بها.
واصلت فانيسا العمل بتركيزٍ لنحو ساعتين.
‘آه…… متعبة.’
نظرت إلى الساعة، فكان وقت النوم قد اقترب.
عليها أن تغتسل بسرعة و تتّجه إلى غرفة النوم.
فإن لم تفعل ذلك، سيقتحم يورغن جناحها بحثًا عنها.
و بينما هي تفكّر، تذكّرت أنّ الغد هو يوم عطلة يورغن النادر، و قد خطّطا للذهاب في نزهةٍ إلى ضفّة النهر خارج المدينة.
اقتربت فانيسا من النافذة، و نظرت إلى سماء الليل الصافية بلونها الأزرق الداكن، و فكّرت.
‘أتمنّى أن يكون الطقس جميلًا.’
و انساب من شفتيها لحنٌ خفيف دون وعي.
* * *
في اليوم التالي، توجّه يورغن وفانيسا إلى خارج المدينة على ظهور الخيل.
انطلقا بعد الإفطار مباشرة، فكان الوقت قرابة التاسعة صباحًا.
في ذلك اليوم، لم ترتدِ فانيسا فستانًا، بل زيّ ركوبٍ مريح، و راحت تعدو بالحصان.
في السهل الأخضر، اندفعت رائحة العشب بقوّة، و استنشقت الهواء المنعش البارد بعمق، ثمّ توقّفت عند ضفّة النهر.
كان ذلك قرب شجرة دردار قديمة.
“هذا المكان مناسب. لنفرش البطّانيّة هناك.”
أشارت فانيسا بطرف إصبعها إلى مساحةٍ واسعة بجوار النهر مباشرةً، فأومأ يورغن موافقًا دون تردّد.
كانت مساحةً مفتوحة بلا ظلّ، لكنّ أشعّة الشمس لم تكن قويّة، لذا بدا الاستلقاء للاستمتاع بالشمس أمرًا مناسبًا.
التعليقات لهذا الفصل " 119"