توقّف غارسيا، الذي ركض لاهثًا، أمام الطبيب العسكري و أخذ يلهث بأنفاسٍ متقطّعة.
كان هذا الطبيب، الذي اعتاد أن يشفق على عبيد القتال، قد انتظر بهدوء دون أن يُظهر انزعاجًا رغم أنّ غارسيا أوقفه فجأة.
كان لديه إحساسٌ تقريبيّ بالسؤال الذي سيُطرَح.
و كما توقّع، خرج السؤال المنتظر من فم غارسيا.
“آه، ذاك الفتى صاحب العينين الحمراوين. لم أره في المشفى، فهل تعرف إلى أين ذهب؟”
كان القلق واضحًا على وجهه، خشية أن يكون قد مات و نُقل إلى المحرقة.
كان غارسيا يتظاهر بغير ذلك، لكنّه كان فتى طيّب القلب.
أطلق الطبيب العسكري زفرةً ثقيلة و ربّت على كتف الصبيّ.
“جاء أحد النبلاء الأجانب و أخذه معه. يبدو أنّه ينوي إبقاءه حيًّا لاستخدامه كخادم.”
“ماذا…؟ نبيل…؟ عبد قتالٍ يحتضر؟”
ارتسمت الدهشة جليّة على وجه غارسيا.
و كانت مشاعر الطبيب العسكري لا تختلف كثيرًا، فابتسم بمرارة وهو يجيب.
“و من يدري ما أذواق السادة النبلاء الغريبة. على أيّ حال، فهو أمرٌ جيّد لذلك الفتى. فلو بقي هنا، لمات دون أن يتلقّى علاجًا مناسبًا.”
“…….”
“نحن نعاني أصلًا من نقصٍ في أعشاب إيقاف النزيف، و أدوية تهدئة الالتهابات… و دوق دريك لا يفعل شيئًا سوى دفع عبيد القتال إلى الجبهة الشماليّة دون أيّ دعم يُذكر….”
كان صوت الطبيب، و هو يتمتم بشيءٍ من المرارة، مثقلًا بالهمّ.
فأن يرى جنودًا يمكن إنقاذهم يموتون فقط لعدم توفّر الدواء، كان واقعًا لا يُحتمل لطبيب.
“حاول ألّا تُصاب، قدر الإمكان. هل فهمت؟ لم أعد أحتمل رؤية فتيانٍ في عمركَ…… أصغر منّي بكثير، يموتون.”
قال الطبيب ذلك و هو يربّت على كتف غارسيا.
رفع غارسيا بصره إليه شاردًا، ثمّ أومأ برأسه مجيبًا.
“نعم، سأحاول.”
كان وعدًا قد لا يستطيع الوفاء به.
بعد أن افترق عن الطبيب العسكري و عاد إلى السكن، جلس غارسيا على حافّة السرير و حدّق في السقف بذهول.
سأله الآخرون أين ذهب صاحب العينين الحمراوين، لكنّه كان غارقًا في أفكاره فلم يجد وقتًا للردّ.
نبيل أجنبي أخذه معه___
مهما يكن، فلا بدّ أنّه نبيل مجنون.
إمّا أنه ذو ميول طفوليّة، أو شيء من هذا القبيل.
‘و مع ذلك….’
أينما ذهب، فلا بدّ أنّه أفضل من البقاء هنا.
تخيّل غارسيا فجأةً ماذا لو تلقّى ذلك الفتى الوحشيّ دعمًا من أحد النبلاء، و أصبح فارسًا محترمًا.
ثمّ أطلق ضحكةً جافّة و هو يهزّ رأسه.
* * *
“…….”
كان السقف الذي دخل مجال رؤيته غريبًا.
أدرك يورغن بحدسه أنّ المكان الذي يرقد فيه ليس مشفى عبيد القتال.
‘أين أنا…؟’
كان جسده متيبّسًا كأنّ عضلاته متشنّجة، و كان الجرح في ظهره ينبض بالألم.
ذلك الإحساس الواضح بالحياة أخبره أنّه لم يمت.
أن ينجو بعد إصابةٍ خطيرة كهذه، يبدو أنّ حبل حياته كان أصلب ممّا ظنّ.
طق.
انفتح الباب فجأة.
حوّل يورغن نظره بكسلٍ نحو الصوت و هو ما يزال ممدّدًا.
و الشخص الذي دخل لم يكن بالغًا كما توقّع، بل فتاةً في مثل عمره تقريبًا.
“آه! لقد استيقظت!”
“…….”
كانت عيناها، اللتان اتّسعتا فور رؤيته، بلونٍ أزرق داكن كثيف.
ركضت الفتاة نحوه بخفّة.
كان شعرها الأشقر المائل إلى الكتّان، المربوط نصفه و المنسدل طبيعيًّا، يتمايل كالأمواج.
حدّق يورغن في وجه الفتاة لوهلة، ثمّ عقد حاجبيه قليلًا.
كانت جميلةً إلى حدٍّ يبعث على الضيق.
“كنت قلقة لأنّك لم تستيقظ…قالوا إنّ جرحك أصبح بخير الآن! لكن عليكَ أن تكون حذرًا حتّى تُشفى تمامًا.”
“…….”
“أنت جائع، أليس كذلك؟ يجب أن تأكل شيئًا…. همم…يُفترض أن يكون طعامًا سهل الهضم، صحيح؟ انتظر قليلًا فقط!”
تحدّثت الفتاة مع نفسها، ثمّ هرولت خارج الغرفة. و بقي يورغن وحده، فجلس متحمّلًا الألم النابض في ظهره.
يبدو أنّ المشي مستحيل الآن، فظلّ جالسًا على السرير و اكتفى بتفقّد المكان.
كانت غرفةً واسعة و جيّدة.
في مدينة القلعة التابعة لدوقية دريك، كانت هناك عدّة نُزُل فاخرة كهذه، و يبدو أنّ هذا أحدها.
‘مَن تكون هذه الفتاة؟ نبيلة؟ أم هي ابنة تاجرٍ ثريّ؟’
و لماذا أحضروني إلى هنا أصلًا؟
و بينما كان يورغن يغرق في تخميناته، انفتح الباب من جديد.
دخلت الفتاة، و برفقتها هذه المرّة رجل في منتصف العمر يرتدي ثيابًا بيضاء.
توقّف الرجل عند رؤية يورغن جالسًا على السرير، و رفع حاجبه بدهشة.
“يا للعجب، لقد استيقظ حقًّا. كانت حالته خطرة لدرجة أنه لم يكن من الغريب لو مات ببساطة…”
“أسرع و افحصه!”
“آه، نعم، صاحبة السموّ الملكيّة.”
‘صاحبة السموّ الملكيّة؟’
بدا الرجل طبيبًا.
و عند سماع اللقب الذي ناداها به، ضيّق يورغن عينيه قليلًا.
صاحبة السموّ الملكيّة___
أيعقل أنّها من العائلة المالكة؟
‘و لماذا يأخذني أحد أفراد العائلة المالكة؟’
“همم، نبضه ضعيف قليلًا، لكنّه أفضل ممّا كان عليه عندما كان فاقد الوعي. إذا اعتنى بالجرح جيّدًا، و تجنّب العدوى، و أكل و ارتاح كما ينبغي، فلن تكون هناك مشكلة.”
قال الطبيب ذلك بنبرةٍ هادئة بعد فحصٍ دقيق.
تنفّست الفتاة الصعداء، ثمّ سألت بصوتٍ جادّ لا يليق بعمرها.
“كم سيستغرق حتّى يشفى تمامًا؟”
“الجرح عميق…عليكِ أن تتوقّعي أن يستغرق أسبوعين على الأقل. و أربعة أسابيع ستكون مدّة مريحة.”
“حسنًا، فهمت. لقد تعبت، يمكنكَ الانصراف.”
“نعم، صاحبة السموّ الملكيّة.”
بعد خروج الطبيب، لم يبقَ في الغرفة سوى الفتاة و يورغن.
حملت الفتاة صينيّةً كانت موضوعة على الطاولة، و اقتربت منه بخطواتٍ سريعة، ثمّ جلست إلى جانبه.
“هذا حساء. قالوا إنّه مصنوع من لحم الروبيان. لا أدري كيف سيكون طعمه، لكن فلنأكل أوّلًا. هل أطعمكَ بنفسي؟”
“…….”
حدّق يورغن فيها بذهولٍ صريح.
أيّ فردٍ من العائلة المالكة يفعل أمورًا كهذه؟
بل و يخدم عبدًا بنفسه؟
هل لقب ‘صاحبة السموّ الملكيّة’ مجرّد كنية؟
“هيا، افتح فمك― آآه.”
قالت ذلك و هي ترفع الملعقة نحو فمه.
نظر الصبيّ إلى الملعقة الممدودة أمام شفتيه، ثمّ استجاب على نحوٍ لا إراديّ للجوع الذي شعر به فجأة، ففتح فمه.
انتهزت الفرصة و أدخلت الملعقة في فمه ثمّ سحبتها.
ابتلع يورغن الحساء، لكنّه لم يستطع إخفاء ارتباكه.
سواء أدركت حيرته أم لا، ابتسمت الفتاة بلطف و هي ترفع ملعقةً أخرى.
“اسمي فانيسا.”
“…….”
“فانيسا لوينغرين. ما اسمك؟”
“……لا أعرف.”
“ماذا؟ ألا تعرف اسمك؟”
“لا أعرف. ليس لديّ اسم.”
فتحت فانيسا فمها بدهشة، و مع ذلك واصلت إطعامه دون توقّف.
“إذًا……كيف كان الآخرون ينادونك؟”
“……صاحب العينين الحمراوين.”
“ما هذا…؟”
يبدو كاسمٍ يُطلق على حيوان.
تمتمت فانيسا بتذمّر، ثمّ وضعت الملعقة و قدّمت له كوب ماء.
كان يورغن عطشانًا، فتناوله و شربه دون اعتراض.
“نادِني فانيسا فقط. بلا تكلّف.”
“لكنّه قال أنكِ صاحبة السموّ الملكيّة.”
“أنتَ لست مضطرًّا لمناداتي هكذا.”
“…….”
نظر يورغن إلى فانيسا بعينٍ حذرة، إذ بدت و كأنّها تعاملُه معاملةً خاصّة على نحوٍ مريب.
بعد حياةٍ مليئة بالإساءة و التخلّي، لم يعد ساذجًا كما كان في طفولته.
فمن ذا الذي يمنح لطفًا بلا مقابل؟
خصوصًا لعبد.
لا بدّ أنّ لهذه الفتاة دافعًا خفيًّا.
كان يورغن مقتنعًا بذلك، فلم يُرخِ حذره لحظة.
لكن، و على غير ما توقّع، لم يستطع أن يجد لدى فانيسا أيّ نيّةٍ خفيّة، رغم مرور عدّة من المراقبة الحذرة.
‘هل هي ساذجة؟’
خطر له ذلك أحيانًا.
فقد كانت فانيسا لطيفةً بلا قيد أو شرط.
يبدو أنّها أحبّت يورغن كثيرًا، بل و شعرت تجاهه بنوعٍ من المسؤوليّة.
كما يفعل الناس عادةً حين يلتقطون كلبًا ضالًّا من الطريق.
و بسبب ودّ فانيسا الصريح و الدافئ، لم يكن أمام يورغن سوى أن يخفّف حذره تدريجيًّا.
قضيا وقتًا طويلًا معًا، و أصبحا اقرب طبيعيًّا، حتّى أصبحا، في وقتٍ ما، صديقين.
و كان ذلك تقريبًا حين حصل يورغن على اسمه.
“رودي”
“……؟”
“بما أنّك تكرّر أنّك بلا اسم، فكّرت أن أبتكر لكَ واحدًا! اسمكَ الخاص! لأنّ لون عينيكَ أحمر جميل―ما رأيك؟ هل يعجبك؟”
“……اسم مقزز.”
“ماذااا؟!”
حين رآها تبتسم بسعادةٍ لأنّها أطلقت عليه اسمًا، شعر بشيءٍ يَحكّ صدره على نحوٍ غريب.
لذلك تظاهر بالخشونة بلا سبب، لكنّ الحقيقة أنّ مشاعره اضطربت فجأة، و خفق قلبه بعنفٍ لا يُحتمل.
جلست فانيسا إلى جانبه تثرثر بلا توقّف، غير آبهةٍ ببروده.
تحدّثت عمّا أكلته صباحًا، و عن الكتاب الذي قرأته قبل النوم، وعن ما سيفعلانه لاحقًا___
كان صوتها، و هي تسرد أحاديث لا قيمة لها، غير مزعجٍ على الإطلاق.
“عندما تشفى، لنذهب إلى مكانٍ آخر غير الشمال. هنا المكان بارد جدًّا.”
“……حسنًا.”
“ابقَ إلى جانبي دائمًا، يا رودي.”
ابتسمت فانيسا له ابتسامةً مشرقة و هي تنظر إليه.
لم يستطع يورغن أن يشيح ببصره عن الدفء الصادق و الودّ النقيّ في عينيها.
أن يبقى إلى جانبها دائمًا.
كانت تلك الكلمات تجعل وجوده يبدو و كأنّه يتجذّر في حياتها.
حتّى و هو يتقلّب في ساحات الموت، لم يفكّر يومًا في أنّه يريد أن يعيش.
التعليقات لهذا الفصل " 118"