* * *
كان المكان ساحة فوضى عارمة.
“آه، اللّعنة!”
“عددهم كبير جدًّا!”
“و متى كان العدد قليلاً أصلًا؟!”
“تبًّا!”
لم يكن هناك تعبير آخر يمكن أن يصف ذلك المشهد.
فإلى جانب السهام التي كانت تتساقط من الخلف و من الجناحين، لم يكن من الممكن توقّع أيّ دعم يُذكر من القوّات النظاميّة.
كان عبيد القتال يقاتلون بيأسٍ فقط كي لا يموتوا.
لم تكن هناك أيّ مهمّة مقدّسة لحماية الشمال، و لا يمكن أن تكون.
فلا أحد جاء إلى هنا بإرادته.
وسط ذلك الاضطراب الهائل الذي يختبره لأوّل مرّة في حياته، كان يورغن يحرّك جسده بما يشبه الغريزة.
كلّ ما يفعله هو المراوغة، و الفرار، و الاختباء.
كان يعلم أنّ عليه أن يلوّح بما في يده، لكن جسده لم يكن يطيعه كما ينبغي.
لم يسبق له أن قتل كائنًا حيًّا من قبل، و لذلك كان الأمر صعبًا.
مع أنّه، في الحقيقة، لم يكن متأكّدًا من إمكانيّة وصف تلك الأشياء بأنّها “حيّة”.
غرااااخ!
غرررر……!
كانت وحوش الصقيع تمتلك أجهزة نطق تشبه البشر، و مع ذلك أطلقت أصواتًا حيوانيّة.
فهي مخلوقات بلا ثقافة و لا لغة، صُنعت فقط ليغمر الشتاء الأبديّ العالم، و كان ذلكَ أمرًا بديهيًّا.
“أنتَ! يا صاحب العينين الحمراوين! لا تقف كالأبله، اقتل واحدًا على الأقل!”
صرخ أحدهم على يورغن.
فالعبد الذي لا يفي بنصيبه من القتال لا يكون سوى عائق في المعركة.
‘هكذا سيموت.’
وصل همس أحدهم إلى أذنيه.
كانت نظرات العبيد الآخرين التي تتفحّصه مشبعة بالاستسلام، و باردة كريح الشمال.
شدّ يورغن قبضته على السيف.
كان قلبه يخفق بعنف، و رغم الطقس البارد كان العرق يتصبّب من جسده.
مشهد المذبحة الممتدّ أمام عينيه بدا و كأنّه لن يعتاد عليه أبدًا.
وحش صقيع هائل يفوق طول الرجل البالغ بكثير، طعن بطن أحد العبيد بمخالبه و انتزع أحشاءه.
حين شاهد يورغن ذلك المشهد، تجمّد في مكانه تمامًا، عاجزًا عن فعل أيّ شيء.
اندفع عبيد آخرون تباعًا نحو ذلك الوحش، لكنّهم لم ينالوا سوى الذبح.
بينما هو يقطر دم البشر من مخالبه المعقوفة، أخذ الوحش يتلفّت باحثًا عن فريسة أخرى.
و في تلك اللحظة، التقت عينا يورغن بعينيه.
كانت حدقتا عينيه، الحمراوين بالكامل بلا بياض، مشقوقتين طوليًّا.
لم يكن في تلك العينين أيّ أثر للذكاء أو المشاعر.
كان مجرّد أداة صُنعت للذبح.
و أدرك يورغن أنّه لا يملك أيّ وسيلة لهزيمته.
سيموت على يديه.
و حين وعى هذه الحقيقة، أخذ قلبه يركض بجنون.
“هاه، ها، ها…….”
تسارعت أنفاسه كما لو أنّه أصيب بنوبة هلع.
إن لم يستطع القتال، فعليه على الأقل أن يفرّ، لكنّ قدميه كانتا ملتصقتين بالأرض لا تتحرّكان.
كان شعوره بالخوف من الموت، الذي يختبره لأوّل مرّة، كأنّه يبتلعه بالكامل.
و أخيرًا، وصل وحش الصقيع أمام يورغن و رفع ذراعه.
سأمـوت.
سيُمزَّق جسدي إلى أشلاء بتلك المخالب الحادّة.
أغمض يورغن عينيه بإحكام.
و توقّع الألم الذي سيأتي.
“……؟”
لكن، لسببٍ ما، لم يشعر بأيّ شيء.
هل فارق الحياة بسرعةٍ شديدة لدرجة أنّه لم يشعر بالألم؟
……لا، كان قلبه ما يزال يخفق بعنف.
فتح يورغن عينيه ببطء.
كان هناك شخصٌ يقف أمامه، يصدّ وحش الصقيع و يقاتله.
استغلّ ذلك العبد لحظة تراجع الوحش، فالتفت إلى يورغن و صاح:
“لا تقف هكذا بلا فائدة! افعل أيّ شيء! اهرب على الأقل!”
تذكّر يورغن ذلك الصوت.
كان هو نفس الصوت الذي وبّخه قبل قليل مطالبًا إيّاه بقتل واحدٍ على الأقل.
“آه….”
تنفّس يورغن بحيرة، و في اللحظة التي تراجع فيها خطوة إلى الخلف، اندفع وحش الصقيع مجدّدًا نحو ذلك العبد.
تدحرج الرجل بمهارة متفاديًا الهجوم.
و بمجرّد أن نهض، لوّح بسيفه مستهدفًا كاحل الوحش.
غآآآخ!
أطلق وحش الصقيع صرخةً وهو يترنّح.
دقّ، دقّ―
كان يورغن يراقب القتال و يشعر بقلبه يخفق بسرعةٍ غير منتظمة.
ربّما يمكن الفوز.
ذلك الرجل، قد يتمكّن من هزيمة وحش الصقيع العملاق ذاك___
“……غخ!”
لكن، في ذلك اليوم، لم يكن الحظّ إلى جانبه.
لم يمضِ وقتٌ طويل حتّى أُصيب العبد في فخذه و ذراعه اليسرى و سقط جاثيًا على الأرض.
ثمّ___
الوحش، الذي وُلد للذبح فقط، لم يُفوّت تلك الفرصة.
ششاااك!
“…….”
ظنّ أنّه سمع صوت الهواء و هو يُشقّ.
امتدّ المخلب الطويل الحادّ، و مزّق جسد العبد من عنقه حتّى أسفل بطنه تمزيقًا طوليًّا.
سقط الجسد إلى الأمام مترنّحًا، لكنّ أنفاسه لم تنقطع بعد.
مدّ يده بصعوبة نحو يورغن و تمتم:
“اهـ ، ـرب…….”
كانت عيناه، اللتان كانتا تحدّقان في يورغن مباشرة، تفقدان تركيزهما شيئًا فشيئًا.
“…….”
“……الحمراء!”
“…….”
“يا صاحب العيون الحمراء! أنتَ!”
طنِين―
دوى طنين في أذنيه.
شعر و كأنّ عقله أصبح فارغًا تمامًا، عاجزًا عن التفكير بأيّ شيء.
كان أحدهم يواصل الصراخ عليه، لكنّ يورغن ظلّ واقفًا في مكانه.
تخطّى وحش الصقيع جثّة العبد الميّت و اقترب منه.
هذه المرّة ليقتله.
رغم تعثّره بسبب إصابة كاحله.
……سأموت.
هذه المرّة حقًّا سأموت.
مَنٔ ذا الذي يمكنه إنقاذي، و أنا لا أقدّم أيّ نفع في ساحة المعركة هذه؟
حتّى الشخص الذي حاول إنقاذي…… مات.
أنا من تسبّبتُ في موته.
دقّ، دقّ دقّ―
كان قلبه يقرع كطبلٍ صاخب.
و أخيرًا، وقف وحش الصقيع أمام يورغن و رفع ذراعه الملطّخة بالدم عاليًا.
و في تلك اللحظة القصيرة، أفرغ يورغن رأسه تمامًا.
مشاعر الخيانة و الاستياء ممّن تخلّوا عنه،
و الخوف، و الرعب، و الشعور بالذنب، و كلّ العواطف التي كانت تعصف بداخله.
تبخّرت كلّها.
كدميةٍ جوفاء، تحرّك جسده فقط بدافع الغريزة.
ششاااك!
تفادى الذراع المندفعة بصعوبة، و أعاد إحكام قبضته على السيف.
كانت راحته غارقة بالعرق البارد.
انفجرت جميع حواسّه دفعةً واحدة.
كان الأدرينالين يغلي في عروقه.
كان يعرف، بغريزته، أين يجب أن يضرب ليقتل الوحش.
استيقظ شيء بدائيٌّ عميق كان راسخًا داخله.
و ربّما كان ذلك هو الموهبة.
موهبة القتل.
شقّ السيف الهواء.
لمع النصل الأزرق تحت ضوء الشمس الخافت، و تجمّد دم وحش الصقيع الأزرق، الذي اندفع من جلده، كبلّوراتٍ جليديّة.
غآآآخ!
صرخ وحش الصقيع و سقط على ركبتيه بعدما قُطعت أوتاره.
كان يورغن قد أصبح خلفه دون أن يشعر.
و لوّح بالسيف مرّةً أخرى.
شااك―
تدحرج الرأس المقطوع من الجسد الضخم على الأرض بشكلٍ بائس.
و انفجر الدم الأزرق من موضع القطع كنافورةٍ قبل أن يتحوّل إلى بلّوراتٍ جليديّة.
“…….”
كان يسمع خفقان حياته يتردّد في أذنيه.
هدّأ يورغن أنفاسه المضطربة ببطء.
بدأ وعيه يعود تدريجيًّا.
عادت عجلات التفكير، التي كانت متوقّفة، إلى الدوران.
وقف شاخصًا يرمش ببطء، و مع دخول المشهد أمامه إلى مجال رؤيته___
أدرك أخيرًا ما الذي فعله.
كانت تلكَ المرّة الأولى التي يقتل فيها في حياته.
* * *
“يبدو أنّ لديك موهبة.”
قال غارسيا ذلك و هو يشرف على حرق جثث عبيد القتال الذين ماتوا في ساحة المعركة اليوم.
كانت جثث عبيد القتال الذين يموتون في الجبهة الشماليّة تُحرق أو تُقطع رؤوسها.
فإن لم تُعالَج بهذه الطريقة، تتأثّر بقوّة الشتاء الأبديّ و تتحوّل إلى موتى أحياء.
“لم أرَ شخصًا يتحرّك مثلك من قبل. حتّى إنّها كانت معركتك الأولى…”
“…….”
“واصِل النجاة هكذا في المستقبل.”
ربّت غارسيا على كتفه، لكنّ يورغن لم يُبدِ أيّ ردّ فعل.
كان نظره مثبتًا على إحدى الجثث العديدة التي كانت تُحرَق.
كانت جثّة العبد الذي أنقذه، و الذي مات بسببه تحديدًا.
لو أنّني لم أكن مثيرًا للشفقة إلى هذا الحدّ___
هل كان يمكن لذلك الرجل أن يعيش؟
ضغطت تلك الأفكار على قلبه بثقل.
شدّ يورغن قبضتيه بقوّة.
ظلّ الشعور بالدونيّة و الذنب ككتلة قاسية ملتصقة بقلبه.
كان أثرًا لن يزول طوال حياته.
منذ ذلك اليوم، بدأ يورغن يتأقلم مع الجبهة الشماليّة بسرعةٍ أدهشته هو نفسه.
كان القول بأنّ لديه موهبة صحيحًا.
في كلّ معركة، كان يبرز و يؤدّي دورًا حاسمًا.
و منذ انضمامه، ارتفعت نسبة انتصارات كتيبة عبيد القتال بشكلٍ هائل، و انخفض عدد الضحايا تبعًا لذلك.
و في غُضون ذلك، أصبح يورغن بطل عبيد القتال.
حتّى غارسيا، الذي كان يتباهى بكونه من المخضرمين، صار ينظر إليه بإجلال.
بالطبع، لم يكن يورغن يهتمّ بإعجاب الآخرين أو اعترافهم به إطلاقًا.
كان فقط يقتل وحوش الصقيع، و يقتلها، ثمّ يقتلها مجدّدًا.
و كأنّه وُلد لأجل ذلك.
كانت أيّامًا جوفاء.
“أنتَ حقًّا…… لا تبدو إنسانًا.”
قال له غارسيا ذلك في أحد الأيّام.
و في ذلك اليوم، أُصيب يورغن بإصابةٍ خطيرة لأوّل مرّة في الجبهة الشماليّة.
جرحه وحش صقيع سامّ، و شقّ ظهره شقًّا عميقًا.
من كتفه الأيسر حتّى خاصرته اليمنى، تمزّق الجسد بشكل طويل و عميق.
كانت إصابةً بالغة قد تودي بحياته في أيّ لحظة.
‘ربّما ينتهي كلّ شيء هنا…….’
فكّر يورغن بذلك بذهنٍ مشوّش قبل أن يفقد وعيه.
و عندما استعاد وعيه بصعوبة، لم يفتح عينيه في مقرّ عبيد القتال، بل في مكانٍ غريب لا يعرفه.
التعليقات لهذا الفصل " 117"