جدرانٌ رطبة نبت عليها العفن، و فئران وحشرات كانت تتجوّل فوق أرضيّةٍ قديمة و قذرة، و برد يتسرّب من شقوق الباب.
البرد، الجوع، الوحدة، و الحزن.
لم يكن يتذكّر جيدًا كيف انتهى به الأمرُ محبوسًا في مثل ذلك المكان، و ربّما كان السبب أنّ هذه الحادثة شكّلت صدمةً عنيفةً جعلتها أوّل ما ترسّخ في وعيه، إذ لم يكن قبلها يملك إدراكًا يُذكر.
كان ذلكَ المكان مخزنًا، لكنه لم يعرف هذه الحقيقة إلّا بعد أن كبر قليلًا. حين حُبس هناك، كان في حدود الخامسة من عمره على الأرجح.
بجسد طفلٍ ضعيف، ظلّ محبوسًا في ذلك المكان ثلاثة أيّامٍ كاملة، و لم يُنقَذ إلّا قبيل أن يُغمى عليه.
التي أنقذته كانت خادمةَ أعمالٍ تعمل في قلعة ريباديل. قالت إنها جاءت لإحضار أغراضٍ ضروريّة، فعثرت عليه مصادفةً.
كانت تلك الخادمة إنسانةً لطيفة. فقد قامت بغسله بعد أن صار قذرًا من احتجازه في مكانٍ متّسخ، و أطعمتْه حساءً خفيفًا و اعتنت به.
“الشخصُ الذي حبس السيّد الشاب الثاني هو الشابّ كاليوس، بلا شكّ. حقًّا إنّه سيّئُ الطبع إلى حدٍّ لا يُحتمل… آه، ليبقَ ما قلته الآن سرًّا.”
آنذاك، لم أفهم لماذا كانت تلك الخادمة تشتم أخي، فاكتفيتُ بالشعور بالحيرة. كنتُ ساذجًا و بريئًا إلى حدٍّ مؤلم. لم أكن أدرك حتى أنّني مكروه.
أخٌ لا تربطني به رابطةُ دم، و دوقةٌ لا يُسمح لي بمناداتها “أمّي”. و مع ذلك، كانا عائلتي.
كنتُ أدرك غريزيًّا أنّ والدي غيرُ مهتمٍّ بي، لكنّني لم أكن أفهم الأمر بوضوح.
فـ”يورغن دريك” ذو الخمس سنوات كان صغيرًا وجاهلًا.
لم أكن أعرف ما الذي يعنيه أن أكون ابنًا غير شرعيّ، و لا ما هو موقعي داخل بيت الدوق، و لا أيّ شيءٍ من ذلك.
“كنتُ أتمنّى أن تموتَ مع تلك اللعينة.”
يتذكّر يورغن نظرة الدوقة الباردة التي انصبّت عليه، و صوتَها المليءَ بالازدراء.
بدأتُ أتساءل: هل أنا مكروه؟ و كان ذلك حين بلغتُ السابعة تقريبًا.
“تلك اللعينة… هل تقصدين أمّي؟”
“من أين لكَ الجرأة على الردّ عليّ!”
كان خدّي يؤلمني و يلسع من شدّة الصفعة. لكن لو أنّ الأمر انتهى عند ذلك لكان أهون، إلّا أنّ العنف في ذلك اليوم لم يتوقّف هناك.
“أيّها الهجين الوقح، تولَّ أمرَه قليلًا. كيف يجرؤُ وضيعٌ مثله على الردّ عليّ.”
سحبتْني الدوقة بعدها مباشرةً و ألقتني أمام ابنها، كاليوس.
و كان كاليوس، الذي لم يكن يرغب في الدراسة و كان يشعر بالملل، سعيدًا بأنّ لعبةً مسلّيةً قد تدحرجت إلى قدميه.
أخذ يضرب أخاه غير الشقيق الأصغر سنًّا أمام الخدم، يطرحه أرضًا و يضربه بلا رحمة.
لم يجرؤ أحد على منعه.
بينما كنتُ أضمّ رأسي و أتكوّر على نفسي، أدركتُ و أنا أنظر إلى أولئك الذين يراقبون العنف دون أن يفعلوا شيئًا:
آه، ليس هناك أحد في صفي.
نشأ الطفل في جحيمٍ لا يقدّم له أحد فيه عزاءً. كبر فقط، بدافع العادة. كما تنمو الأعشاب البرّيّة فوق أرضٍ قاحلة، بلا انتظامٍ و لا رعاية.
* * *
“هذا هو الفتى الجديد. تعرّفوا عليه.”
كان المشرف على عبيد القتال شابًّا في الثانية و العشرين من عمره. ألقى غارسيا نظرةً جانبيّة على وجهه المقيت، ثمّ أخفَض نظره.
الصبيّ الذي جاء به المشرف بدا في مثل عمره. شعرٌ أسود، و عينان حمراوان قانيتان، و بشرةٌ شاحبة. بدا و كأنّه سيّدٌ مدلّلٌ نشأ في رخاء، لكنّه الآن ليس سوى عبدٍ قتاليّ.
ابتسم غارسيا بسخرية و مدّ يده لمصافحة “الفتى الجديد”.
“هاي، اعتنِ بنفسك هنا، حسنًا؟ أنا أقدم واحدٍ هنا، فاستمع إلى كلامي.”
“……”
لكنّ الصبيّ، الذي توقّع غارسيا أن يومئ برأسه بهدوء، رمقه بنظرةٍ باردةٍ ثمّ صفع يده بقسوة.
لم تكن طباعه سهلة.
ضحك غارسيا بخفّة و هو ينظر إلى مؤخرة رأسه السوداء و هو يمرّ بجانبه.
هذا الفتى أشدّ حدّةً ممّا يبدو.
“هاي، ما اسمك؟”
“……”
“ألا تستطيع الكلام؟ أم أنّ صوتك لا يخرج؟”
كان مسكن عبيد القتال يتّسع لثمانية أشخاصٍ معًا. الأسرة الضيّقة كانت متلاصقة، و كان الفتى الجديد بجوار غارسيا مباشرةً.
حاول غارسيا التحدّث إليه مرارًا، لكن لم يأتِه أيّ ردّ.
لم يذكر اسمه، و لم يجب عن أصله أيضًا.
إمّا أنّه لا يستطيع الكلام، أو فقد صوته، أو لديه إعاقةٌ خلقيّة، أو يعاني مشكلةً عقليّة. أحدُ هذه الاحتمالات الأربعة.
أو ربّما كان هناك احتمال آخر.
التجاهل التامّ.
ربّما كان هذا الوغد يتجاهله عمدًا.
‘يا لوقاحتِه.’
و رغمَ أنّ غارسيا نظر إليه باستياء، إلّا أنّه حرص على إعطائه حصّته من الطعام الذي وصل لتوّه.
كان الطعام كالمعتاد: عصيدةَ شوفانٍ بلا طعمٍ مع مخلّل الملفوف. أحيانًا كانوا يحصلون على لحمٍ مجفّف، لكن ليس اليوم.
ربّت غارسيا على كتف الفتى الذي كان يحدّق في صحنه فقط و قال:
“ما بك؟ كُـل.”
“……”
“إن لم تأكل فلن تستطيع القتال، و ستسقط و تموت.”
كان هناك الكثيرون الذين يشبهونه. أولئك الذين أنّ بيعهم إلى الجبهة الشماليّة، فلم يقدروا على النوم أو الأكل من شدّة الحزن.
كانوا مثيرين للشفقة، لكنّهم غالبًا ما يموتون بسرعة. فمن المستحيل الصمود في ساحة المعركة بمعدةٍ فارغة.
مهما كانت الحياة حقيرةً و تشبه مستنقع، لا بدّ من التهام الطعام كي تعيش أطول قليلًا.
و كان غارسيا يعتقد أنّ عليه البقاء حيًّا، بأيّ طريقة.
“أتعرف؟ الرغبة في العيش و عدم الرغبة في الموت أمران متشابهان لكنّهما مختلفان. فكّر جيّدًا. حتّى لو لم ترغب في الحياة، قد لا ترغب في الموت.”
“……”
أخبره غارسيا هذه النصيحة الثقيلة و هو يتناول حصّته من عصيدة الشوفان.
كانت مقزّزة الطعم.
و حين ألقى نظرةً جانبيّة، رأى العينين الحمراوين لا تزالان تحدّقان في الطبق بصمت.
يا له من أحمق.
تخيّل أنّ فتى آخر سيموت وسط الضباب الأحمر جعله يشعر بمرارةٍ في فمه.
* * *
لم يستطع يورغن النوم فتقلّب في فراشه. كان السرير قاسيًا و غير مريح. و فوق ذلك، كان البرد شديدًا.
الفراش الذي يُوزَّع على عبيد القتال لم يكن سوى وسادةٍ محشوّةٍ بالقشّ، و غطاءٍ رقيق، و بطّانيّةٍ واحدة، و هي غير كافيةٍ لتحمّل برد الشتاء في الشمال.
و فوق هذا، كانت عاداتُ نوم الفتى الذي بجانبه سيّئة.
كان يضع ساقه فوق فخذ يورغن بين الحين و الآخر، أو يتمتم بشيءٍ و هو يلعق شفتيه.
كان يورغن معتادًا على النوم وحده، لذا كان العيش الجماعيّ هذا مزعجًا له إلى أقصى حدّ.
“هاه…”
أطلق تنهيدةً أخرى، ثمّ فتح عينيه و حدّق في السقف.
كان السقف منخفضًا جدًّا. بدا هذا المسكن و كأنّه حظيرةٌ لحبس الماشية.
استحضر يورغن غرفته في قلعة ريباديل، المتواضعة لكن الدافئة.
الغرفة المخصّصة لابنٍ غير شرعيّ خارج اهتمام سيّد الأسرة لم تكن جيّدةً بأيّ معيار، و مع ذلك كان يحبّها.
كانت ضيّقةً و مظلمة، لكنّها لم تكن باردة، و كان يشعر بالراحة حين يتكوّر فيها وحده.
لم يكن يملك الكثير من الأغراض.
ملابس قديمة، زوجان من الأحذية، خزانة مكسور بابها، درج غيرُ متوازن، مكتب خشبيٌّ صغير و كرسيّ بلا مسند، سريرٌ يصرّ، و لحاف مليءٌ بالوبر.
و مع ذلك، كان يورغِن يعتزّ بهذه الأشياء البالية. إذ لم يكن لديه عائلةٌ تحبّه و لا أصدقاء، فكان لا بدّ أن يتعلّق بشيءٍ ما كي يستطيع الاستمرار في العيش.
لقد أدرك مبكّرًا جدًّا أنّ الإنسان يحتاج في الحياة إلى أمرٍ آخر غير الأكل و اللباس و النوم.
و كان يؤلمه أنّ هذا الشيء المهمّ مفقودٌ لديه.
و ربّما لمحاولة ملء هذا الفراغ، نشأت لديه هوايةُ جمع الحجارة الجميلة.
الصخور اللامعة أو تلك المرصّعة ببلّوراتٍ براقة كانت تمنحه عزاءً غريبًا.
ليست حجرًا عاديًّا، و لا جوهرةً ثمينة.
بل شيء يشبهه هو.
“……”
أغمض يورغن عينيه ببطء.
و تمنّى لو ينام إلى الأبد.
لقد أنكر الواقع طوال الطريق إلى هنا، لكن لم يعد أمامه سوى الاعتراف بالحقيقة.
أنّه قد تمّ التخلّي عنه.
* * *
في الفجر الباكر، تمّ إرسال الفتيان الجنود إلى الجبهة الشماليّة. بدا الجميع هادئين و هم يرتدون ملابس القتال و يحملون أسلحتهم، و كأنّ الأمر معتاد، لكنّ جوًّا قاتمًا خيّم أثناء الاستعداد.
و لأنّ الشمس كانت بالكاد قد أشرقت، كان البرد في الجبهة الشماليّة أشدّ من النهار. كان هناك جيشٌ نظاميّ و فرسان متجمّعون هناك، لكن كالعادة، كان عبيد القتال هم من يُدفَعون إلى المقدّمة ليكونوا دروعًا من لحمٍ حيّ.
بينما يعتقد أنّه قد يموت هنا، عبث يورغن بمقبض سيفه البالي.
كلّ ما يُعطى للعبيد القتاليّين كان رديئًا، حتّى الأسلحة.
لم تكن هذه ساحةَ معركةٍ أُرسلوا إليها ليبقوا أحياء. بل كان دورهم أن يكونوا جدارًا حيًّا يصدّ زحف وحوش الصقيع.
و بينما يموت العبيد في المقدّمة واحدًا تلو الآخر، كان الجنود النظاميّون يقضون على الوحوش بسهولةٍ بالسهام أو البارود. و حتّى لو أصابوا حلفاءهم بالخطأً، لن يُحاسَب أحد.
“إنّه أمر مقزّز.”
تمتم غارسيا بصوتٍ منخفض و هو يقف بجانبه.
“نحن بشر مثلهم، لكنّهم لا يروننا بشرًا. يا لهم من أوغادٍ قذرين.”
كان صوته مشبعًا بالكراهية و الغضب. لم يجبه يورغن، و اكتفى بنظرةٍ عابرة.
هل انكسر شيء في قلبه؟
لم يشعر حتّى بالغضب.
ربّما لأنّه كان قد تُرك خلفه، ثمّ قبِل تلك الحقيقة.
لم يكن يريد أن يعيش.
لم يكن لهذا العالم مكان له.
لم يكن لهذه الحياة أيّ معنى.
“استعدّوا بالدروع!”
مع صوت البوق العالي، صاح القائد. رفع يورغن رأسه بعد أن كان مطأطئًا. و عندما نظر إلى الأمام، رأى موجةً زرقاء شاحبة تتدفّق من بعيد.
بدت كموجةٍ عاتيةٍ ستمحو كلّ شيءٍ في طريقها.
“هاي، تذكّر ما قلتُه لك.”
قال غارسيا و هو يشدّ قبضته على سلاحه، بنبرةٍ متوتّرة.
“أنّ عدم رغبتك في العيش لا تعني بالضرورة أنّكَ تريد الموت.”
التعليقات لهذا الفصل " 116"