ذهلتْ فانيسا عندما علمتْ أنّها نامتْ طوال هذه المدّة.
حسنًا، لقد توقّف نفسها مرّة واحدة…… حتّى مع بركة فينيا، كان من الطبيعيّ أن يستغرق جسدها وقتًا للتعافي.
“يورغن……؟”
شربتْ فانيسا رشفة من الماء الدافئ و سألتْ.
لقد منحت جسدها بركة الحيوية فور استيقاظها، فهو بخير بالتأكيد، لكنّ شرب كمّية كبيرة فجأة قد يصدم المعدة.
“الدوق…… لم يغادر جانبكِ طوال تسعة أيّام، لكنّ الطبيب أصرّ اليوم أن ينام قليلًا فذهب إلى غرفته. و أنا الآن معكِ، دوقة.”
إذن، يورغن ينام الآن في غرفته. أرادتْ الذهاب لرؤيته فورًا، لكنّها قرّرتْ عدم إزعاج راحته.
نظرتْ فانيسا إلى رينيه التي تفحص حالتها بدقّة و سألتْ مرّة أخرى:
“يورغن….. لم ينمْ تسعة أيّام متتالية، أليس كذلك؟”
“……”
من صمتها غير الطبيعيّ، بدا أنّه فعلًا عذّب نفسه تسعة أيّام دون نوم.
فتحتْ فانيسا فمها مذهولة ثمّ دارتْ بعينيها.
“غريب…..”
“لقد كان قلقًا للغاية عليكِ. حتّى بعد أن أكّدتْ فينيا أنّكِ ستكونين بخير.”
“فينيا قالتْ ذلك؟”
“نعم، حسب ما سمعه الدوق……”
“آه، إذن……”
شعرتْ فانيسا بالاختناق فشربتْ الماء دفعة واحدة.
زال العطش لكنّ الجوع حلّ محله، و مع ذلك لم تكن لديها أية شهية.
بالطبع، بسبب ما سمعته للتوّ.
“إذا كانت فينيا قد أعطت تأكيدًا، فلماذا لم ينتظر بهدوء، لماذا…..؟”
حقًّا……إنها تفهم شعور يورغن، لكنّ التفكير في جسده الذي أُرهق تسعة أيّام يؤلمها.
تنهّدتْ فانيسا بعمق و مدّتْ الكأس الفارغ إلى رينيه. ثمّ رفعتْ الغطاء و نزلتْ من السرير، واضعة قدميها على السجادة.
“أحتاج أن أستحمّ أوّلًا. الاستلقاء طويلًا جعلني أشعر باللزوجة.”
“حسنًا، سأعدّ كلّ شيء. آه، و بعد الاستحمام، من الأفضل أن يفحصكِ الطبيب للاحتياط.”
أومأتْ فانيسا برأسها موافقة لرينيه الجادّة.
بعد قليل، أُعدّ حوض الاستحمام، فغمرت فانيسا جسدها في الماء الدافئ و استمعتْ إلى ما حدث خلال غيابها من رينيه.
“غارسيا……فعل ذلك……”
عندما سمعتْ أنّ غلينا قلقتْ كثيرًا بسبب نومها الطويل لكنّها بخير عمومًا، شعرتْ بالارتياح. لكنّ معرفة أنّ غارسيا هو مَنٔ قتل ساسكيا جعلتها تشعر بالثقل في قلبها
‘غارسيا…… لقد عانى كثيرًا.’
رغم تحوّلها، كانت ساسكيا، فيني، أخته الحقيقيّة.
“لم أرَ غارسيا يبكي هكذا من قبل. فقـدَ آخر فرد من عائلته، ثمّ اختفى الدوق و الدّوقة فجأة، فمن الطبيعيّ أن يحدث ذلك.”
كان انتقالها مع يورغن إلى الملاذ المحظور بفعل فينيا، فمن وجهة نظر الذين كانوا يراقبون، كان الأمر كالصاعقة. فقد اختفى الدوق و الدّوقة فجأة.
“آه، و أيضًا…… ذلك التنين الصغير.”
بينما تغسل رينيه شعر فانيسا، تكلّمتْ بحذر.
عند سماع “التنين الصغير”، تذكّرتْ فانيسا فجأة أمرًا مهمًّا كانت قد نسيته تمامًا.
نظرتْ إلى رينيه و سألتْ بسرعة:
“يا إلهي، نسيتُ أمره تمامًا. أين التنين الصغير الآن؟”
“حسنًا….. كنا ننوي وضعه في الإسطبل أوّلًا.”
بدتْ رينيه محرجة قليلًا ثمّ واصلتْ:
“لكنّه كان يزعج الخيول دائمًا…… فنقلناه إلى الحديقة الخلفيّة.”
“إلى الحديقة الخلفيّة؟”
“نعم، بنى له حارس الإسطبل و البستانيّ منزلًا.”
منزل…..مثل بيت كلب؟
تخيّلتْ فانيسا التنين الصغير جالسًا في بيت صغير، فبدتْ الفكرة مضحكة و لطيفة.
رفعتْ زاوية شفتها قليلًا و سألتْ رينيه مرّةً أخرى:
“متى سيستيقظ يورغن تقريبًا؟”
“همم، لقد ذهب إلى غرفته في السابعة صباحًا، و الآن هي العاشرة…… ربّما ينام أربع ساعات أخرى على الأقلّ.”
“حسنًا، إذن……”
ستذهب أوّلًا لرؤية غلينا، ثمّ غارسيا، و أخيرًا التنين الصغير.
بحلول ذلك الوقت، سيكون يورغن قد استيقظ.
* * *
في الحقيقة، كانت فانيسا تشتاق إلى يورغن كثيرًا، حتّى أنّها فكّرتْ في التسلّل لرؤيته و هو نائم و لو للحظة.
لكنّها خشيتْ إيقاظه من نوم عميق. بعد تسعة أيّام دون نوم، يجب أن يرتاح اليوم على الأقلّ.
لذلك، كبحتْ رغبتها و قرّرتْ الالتزام بخطّتها.
“أختي….؟”
كانت غلينا ترسم في غرفة الرسم المخصّصة لها. عندما فتحتْ فانيسا الباب و دخلتْ، فتحتْ غلينا عينيها دهشة و أسقطتْ الفرشاة من يدها.
ثمّ خلعتْ المئزر بسرعة و قامتْ من الكرسي.
“أ، أختي، هل أنتِ حقًّا أختي؟”
“نعم، إنها أنا.”
“آه….! يا إلهي!”
ركضتْ غلينا و احتضنتْ فانيسا بقوّة. لكنّها حرصتْ على عدم لمسها بيديها الملطّختين بالألوان.
“أختي…. متى استيقظتِ؟ لم أسمع شيئًا عن ذلك.”
فكّتْ غلينا ذراعيها و فحصتْ وجه أختها بعناية. ردّتْ فانيسا بهدوء و هي تقيّم حال غلينا:
“هذا الصباح. طلبتُ عدم إخبار أحد لأنّني لا أحبّ الضجيج.”
“آه…. فهمت. لكنّ الخبر انتشر الآن بالتأكيد.”
“بالتأكيد.”
في طريقها إلى هنا، صادفتْ الكثير من التابعين الذين صاحوا فرحًا لرؤيتها.
ضحكتْ فانيسا بخفّة.
“كيف كنتِ خلال هذه الفترة، غلينا؟ هل كنتِ بخير؟”
“نعم، أنا……”
لو كانت لا تزال تعاني من كوابيس ديكلان، لكان ذلك مصدر قلق كبير، لكنّ غلينا بدتْ طبيعيّة.
تمنّتْ فانيسا أن تصغر ذكرى ديكلان داخل غلينا أكثر فأكثر، حتّى تصبح لا شيء، فتعيش غلينا سعيدة.
“سيكون من الجميل أن نتناول الغداء معًا بعد طول غياب، لكنّ لديّ أماكن أخرى لأذهب إليها. و يورغن لا أعرف متى قد يستيقظ ، لذا لنفعل ذلك لاحقًا.”
“نعم، حسنًا أختي. انا سعيدة جدًّا أنّكِ استيقظتِ سالمة. رؤيتكِ و أنتِ بصحّة جيدة تطمئن قلبي.”
تحدّثتا نحو ثلاثين دقيقة، ثمّ خرجتْ فانيسا من غرفة الرسم. الوجهة التالية كانت مقرّ فرقة الفرسان حيث يقيم غارسيا____
“سيدتي، يقولون أنّ الفارس غارسيا في الحديقة الخلفيّة و ليس في المقرّ.”
فوجئتْ بهذا الخبر، فغيّرتْ وجهتها نحو الحديقة الخلفيّة.
أثناء سيرها خارجًا إلى الحديقة، ذهلتْ فانيسا مرارًا بالمناظر المتغيّرة.
لم تتوقّع أبدًا أن ترى ربيعًا كاملًا في الشمال. كانت المنطقة مليئة بالخضرة و النضارة و الزهور المتفتحة.
“لم أرَ هذا الكمّ من زهور الربيع من قبل. ليس هنا فقط، بل أنحاء فالنسيا كلّها زهور. أرض البرد القارس أصبحتْ الآن خضراء تمامًا.”
كانت رينيه متحمّسة و وجهها مشرق كمن شهد معجزة. و لا عجب في ذلك، فهذا الربيع الأوّل من نوعه في الشمال.
بعد اختفاء الشتاء الأبديّ و الوحوش الجليديّة، أصبح المناخ أدفأ و الأرض خضراء.
انتشرتْ قصّة أنّ فانيسا هي مَنٔ أحدثتْ هذه المعجزة في كلّ أسترا.
بسببِ ظهور فينيا في جسدها، زاد عدد من يحترمونها أكثر بكثير ممّا كانوا يفعلون عندما كانت تُدعى “قدّيسة الحياة”.
أصبحتْ فانيسا الآن تُدعى “وكيلة فينيا”، متجاوزة “قدّيسة الحياة”.
بالنظر إلى أنّ وكلاء الحكام في هذه الأرض هما البابا و الإمبراطور فقط، فهذا لقب هائل.
رغمَ أنّ فانيسا لا تزال تشعر بالعبء من هذا الاهتمام، إلّا أنّها قبلتْ الأمر. فمكانتها العالية ستساعد يورغن في حكم الشمال، فهي ليستْ سيّئة على أيّ حال.
“آه، ها هو هناك.”
عندما وصلا إلى الحديقة الخلفيّة، أشارت رينيه إلى غارسيا.
توقّفتْ فانيسا لحظة عندما رأتْ المشهد.
كان غارسيا يلعب مع التنين الصغير بمهارة لافتة. كان يهزّ عصا صيد مزيّنة بسمكة خشبيّة.
كان منهمكًا جدًّا حتّى لم ينتبه لاقتراب رينيه و فانيسا.
ضحكتْ فانيسا بذهول و سألتْ رينيه:
“منذ متى و هو هكذا؟”
“ربّما منذ سبعة أيّام. منذُ أن انتقل التنين الصغير إلى الحديقة. قال إنّه يشعر بالوحدة بدون الخيول التي كان يزعجها، فبدأ يلعب معه كثيرًا. حسنًا…… بفضل ذلك، لم يظلّ غارسيا حزينًا لفترة طويلة، و هذا جيّد.”
“……نعم، صحيح.”
كانت عينا التنين الصغير الأبيض مزيجًا من الأزرق و الأخضر الخفيف. لون يشبه الربيع المحفوظ. نظرتْ فانيسا إلى التنين الذي كان ذات يوم أورغيلمير بشعور غريب و اقتربتْ منهما ببطء.
كأنّه شعر بها، ارتجف التنين الصغير بقوّة و أدار رأسه نحوها فجأة. التقتْ أعينهما. اتّسعتْ عيناه الزرقاوان ذات البؤبؤ الرأسيّ، ثمّ فتح التنين فمه واسعًا.
“بييك!”
انطلق صوت يشبه صياح طائر جبليّ من حلق التنين الصغير. في الوقت نفسه، التفتتْ نظرة غارسيا إليها.
تجمّد مذهولًا للحظة، ثمّ رمّش بعينيه وتمتم:
“سيدتي الدوقة……”
في تلك اللحظة، انزلق التنين الصغير من حضنه و رفرف بجناحيه الأبيضين نحو فانيسا. لا، بل اندفع تعبير أدقّ.
“آه….!”
أصيبتْ فانيسا فجأة في منتصف صدرها بجسم التنين الصلب فسقطتْ على ظهرها.
التعليقات لهذا الفصل " 114"