كان فضاءً مظلمًا كالليل، أسود تمامًا. يبدو أنّ هناك أرضًا يمكن الوقوف عليها، لكنّ كلّ الجهات سوداء فلا يُرى شيء.
نظرتْ فانيسا حولها، و عندما أدركتْ أنّها لن تجد شيئًا، بدأتْ تمشي بلا هدف.
هل مـتُّ؟
خطر لها أنّها قد تلتقي بوالدها و والدتها. و ربّما تلتقي أيضًا بديكلان و ليروي و غيرهم من الأعداء….لكنّها لم تشعر بالخوف. كانت تنوي أن تصبّ عليهم المزيد من الشتائم.
‘هل يورغن بخير؟’
كانت تشعر بالقلق تجاه الذين تركتهم خلفها، و خاصّة يورغن.
غارسيا و غلينا و الآخرون ربّما يتعافون مع الوقت، لكن يورغن….. لا يستطيع العيش بدونها.
‘لكنّ تضحيتي كانت الأفضل.’
رغم ألم قلبها، شعرتْ فانيسا حقًّا بالارتياح لأنّها استطاعتْ إنقاذه.
…..ربّما يمكنها مقابلة موريسينا و طلب شيء منها. أن تطلب منها ألّا تعيد تجسيد روحها فورًا، بل تنتظر حتّى يموت يورغن و يلتقيا.
لا تعرف إن كانت موريسينا ستستجيب لطلب شخصيّ كهذا، لكنّ لا ضير من المحاولة.
لن تخسر شيئًا في التجربة.
‘على أيّ حال….. متى ينتهي هذا الفضاء؟’
بينما كانت تمشي بلا توقّف ، شعرتْ ببعض التعب و توقّفتْ للحظة.
في الجهة المقابلة، كان هناك شيء يقترب.
لم يكن يمشي على قدمين….. بل ينزلق كأنّه يتزلّج.
‘ما هذا…… بالضبط؟’
شعرتْ بشعور غريب فتراجعتْ خطوتين. لكنّها أدركتْ عدم وجود مكان للهروب، فاختارتْ أن تكون حذرة بدل الفرار.
أصبح شكل الكائن الغريب أوضح تدريجيًّا.
أوّلًا، يبدو بشريّ الشكل.
حجاب أسود طويل يصل إلى قدميه، ثوب بسيط مكشوف الكتفين أيضًا أسود. و قدمان حافيتان.
كانت بشرتها شاحبة إلى درجة الزرقة، و أظافر يديها و قدميها و شفتاها كذلك. و شعرها الأبيض كالثلج…. طويل إلى درجة أنّه يجَرّ على الأرض.
و الأكثر إثارة للانتباه……كانت الفراشات ذات اللون الأسود اللامع التي تحوم حولها.
في اللّحظة التي رأتْ فيها تلك الفراشات، أدركتْ فانيسا.
إنّها موريسينا ، حاكمة الموت.
[مرحبًا]
‘……!’
توقّفتْ موريسينا أخيرًا على بعد ثلاث خطوات من فانيسا. تفاجأتْ فانيسا من التحيّة الهادئة جدًّا و ارتجفتْ.
[هل تفاجأتِ لأنّني تكلّمتُ بلغة البشر؟]
‘……’
أومأتْ فانيسا برأسها بهدوء. لا يمكن للحكام مخاطبة البشر مباشرة دون وسيط.
لذلك، يصل صوتهم إلى الرأس أو الروح كهزّة كاملة.
لكن موريسينا…… تتكلّم بلغة بشريّة رغمَ أنّها لم تتجسّد في جسد بشريّ و لا تستخدم وسيطًا.
[هذا الشكل هو جسدي الحقيقيّ. أنا أكبح قوتي حتّى لا تفزعي. أنا الوحيدة التي تستطيع التواصل بجسدها الحقيقيّ.]
شرحتْ موريسينا بلطف.
لاحظتْ فانيسا أنّ أسلوب كلامها يشبه تمامًا أسلوب فينيا.
يقال أنّهما توأمان، فربّما يتشابهان في هذه النقطة أيضًا.
[الآن، أنتِ قد واجهتِ موت الجسد، و جئتِ إلى هنا بروحك فقط.]
‘……فهمتُ.’
كانت تعرف ذلك، لكنّ تأكيد موريسينا جعل اليأس و العجز يغمرها.
[لكن….. حسنًا، ماذا عن هذا؟…..يبدو أنّ فينيا لم تكن تنوي قتلكِ من الأساس.]
‘……؟’
فتحتْ فانيسا عينيها و هي مندهشة من هذا الكلام غير المتوقّع و نظرتْ إلى موريسينا.
ابتسمت حاكمة الموت بلطف. كان الحجاب يغطّي عينيها فلم يُرَ منها سوى الأنف و الشفتين، لكنّ الشعور وصل.
[اختياركِ التضحية بنفسكِ لإنقاذ رفيقكِ كان خارج مسار المصير. لذلك، أُعطيتما فرصة لتجاوز المصير……]
هزّتْ موريسينا يدها الشاحبة قليلًا، فطارتْ فراشة واحدة من حولها نحو فانيسا. مدّتْ فانيسا يدها تلقائيًّا و جلست الفراشة على طرف إصبعها.
بشكلٍ غريب، شعرت فانيسا بألفة غريبة من هذه الفراشة السوداء.
[إنّها واحدة من الأرواح التي تعرفينها. لم تُوجّه بعد إلى حياتها التالية. قولي لها الوداع أخيرًا.]
عند سماع كلام موريسينا، تمتمتْ فانيسا
‘هل هي…..؟’
و تحرّكتْ شفتاها.
رفرفت الفراشة ببطء على إصبعها، كأنّها تحاول قول شيءٍ ما.
‘أمّي، أنا….. بخير. لست نادمة على ما حدث. ربّما كانت حياتي قصيرة، لكنّني عشتُها بكلّ جهدي. و حتّى النهاية لم تكن سيّئة، لذلك فهي حياة جيّدة إلى حدّ ما…..’
‘……’
‘لكنّني أشعر أنّني أخطأتُ بحقّكِ. أنا آسفة. أخبرتني لي أن أعيش مهما حدث…..’
‘……’
‘أردتُ أن يعيش الشخص الذي أحبّـه. و حدث ذلك….لهذا، فأنا حقًّا سعيدة من كلّ قلبي.’
سالتْ الدموع على خدّيها.
بما أنّها الآن روح، فهذه الدموع ربّما ظاهرة ذهنيّة. و مع ذلك، شعرتْ بها حيّة جدًّا.
طارتْ الفراشة من طرف إصبع فانيسا و لمستْ خدّها بلطف ثمّ ابتعدتْ. كأنّها تمسح دموعها. أو ربّما تعزّيها.
دارتْ الفراشة حول فانيسا عدّة مرّات ثمّ عادتْ إلى موريسينا و امتزجتْ بالفراشات السوداء الأخرى.
لم تعد فانيسا قادرة على تمييز أيّها روح أفيلين.
نظرتْ فانيسا طويلًا إلى الفراشات السوداء و هي تحلّق، ثمّ تذكّرت شيئًا ما فجأة و تكلّمتْ بحذر.
‘شكرًا لكِ. لقد جعلتِني ألتقي بروح أمّي……’
ابتسمتْ موريسينا بلطف مرّةً أخرى.
[يمكن للبشر تجاوز المصير.]
تكلّمتْ موريسينا بصوت منخفض.
استمعتْ فانيسا بصمت إلى الصوت الذي يهزّ روحها، محاولة فهم معنى هذه الكلمات الغامضة.
[فينيا تصنع الجسد و تضع فيه الحياة، و أنا مسؤولة عن الروح. سومنيونيل يمنح الخوف و الأحلام معًا. و فيوس يزرع الجنون. ]
‘……’
[في البداية، كان البشر دون هدف. لذلك، نسج هوراي خيوط المصير و أعطى لكلّ منهم خيطًا.]
‘……’
[أعطى المصير تدفّقًا لحياة البشر، فحصل العالم على نظام و استقرار……]
‘……’
[لكنّ حقيقة أنّكم وُلدتم في البداية دون هدف، لم تتغيّر. كان ذلك نوعًا من الإمكانيّة. حرّية لقطع خيوط المصير التي نسجها هوراي، و صنع مستقبلكم بأنفسكم.]
‘……’
[بما أنّ تلك الحرّية مُعطاة لكلّ البشر، فإنّ مَنٔ يتجاوزون المصير يظهرون بينكم من حين لآخر. مثل فيراتير بارباروك، على سبيل المثال.]
‘آه……’
كانت فانيسا تعرف قصّة الإمبراطور الذي كان من المفترض أن يكون تجسيدًا لفيوس، لكنّه تجاوز مصيره.
أومأتْ برأسها كأنّها فهمتْ، فضحكتْ موريسينا قليلًا و واصلتْ.
[صحيح أنه تم إعطائكم المصير…… لكنْ، ربّما لا حاجة له. تلك الحرّية التي تملكونها، تلك الإمكانيّات اللامتناهية…… هي جوهر وجود البشر]
‘……’
[لقد تجاوزتِ ذلك بالفعل، و أنتِ الآن صاحبة حياتكِ الكاملة. بما أنّ لفينيا نية لجعلكِ تعودين إلى الحياة، فأنتِ لن تموتي الآن…… هيّا، اذهبي الآن و استمتعي بالربيع الذي استدعيتِه.]
مع كلمات موريسينا الأخيرة، بدأ شكلها و شكل الفضاء الأسود يبتعدان تدريجيًّا.
في اللّحظة التالية، شعرتْ فانيسا بضربة قويّة كأنّها أُلقيتْ على الأرض، فاستعادتْ وعيها.
عندما عادت، شعرتْ بحواسها تعود بوضوح.
نبضات قلبها ، ألم خفيف في الحلق الجافّ، عطش شديد يبدأ من أسفل الصدر.
كانت فانيسا حيّـة.
دفء أشعّة الشمس التي تسقط على جفنيها أكّد أنّ كلّ هذا واقع حقيقيّ.
“…. دوقة! لقد استعدتِ وعيكِ!”
ركضت رينيه نحوها بسرعة.
يبدو أنّها كانت قريبة.
أخذت تتفحص وجه فانيسا.
رفعتْ فانيسا جسدها المتيبّس كأنّها كانت مستلقية لأيّام بصعوبة.
عندما جلستْ و أدارتْ رأسها إلى الجانب، وقعتْ عيناها فورًا على المنظر خلف النافذة الزجاجيّة، فذهلتْ.
“الزهور……”
في الحديقة الخضراء الكثيفة، كانت أشجار الزهور البيضاء و الورديّة تتفتّح ببهاء.
نظرتْ فانيسا إلى ذلك المشهد و هي مذهولة، ثمّ أدركتْ بشكل طبيعيّ.
التعليقات لهذا الفصل " 113"