“يورغن…. افتح عينيك قليلًا…. هذا كذب….أليس كذلك؟ أرجوك، لا……”
لم يعد يورغن المغمض العينين يردّ بأيّ شيء.
وضعتْ فانيسا يدها المرتجفة على نبضه. شعرتْ بنبض خافت.
كان لا يزال حيًّا.
إنه حيّ، لكنّ حياته كانت على وشك الانطفاء، كانت هشّة جدًّا.
‘أرجوكِ، فينيا…… أرجوكِ ساعديني. أنقذي هذا الرجل. سأفعل أيّ شيء. خذي حياتي، أو روحي، خذي أي شيء لا يهمّ ما هو. أرجوكِ……’
احتضنتْ فانيسا جسد يورغن الذي يموت تدريجيًّا و توسّلتْ.
كان قلبها ممزّقًا.
حتّى لو كانت هذه الحياة الأخيرة، كانت مستعدّة لتقديم كلّ شيء لإنقاذه.
ربّما وصلتْ تلك الرغبة الملحّة أخيرًا.
فجأة، ظهرتْ مجموعة من الفراشات البيضاء النقيّة و أحاطتْ بهما. نظرتْ فانيسا مذهولة إلى رفرفة أجنحتها.
‘هذه الفراشات……’
الفراشات السوداء ترسل من طرف موريسينا.
إذن، الفراشات البيضاء___
“……!”
تكاثرت الفراشات البيضاء بسرعة حتّى غطّتْ كلّ شيء بالأبيض. أصبحتْ رؤيتها بيضاء تمامًا، كأنّ العالم صار من ورق أبيض فقط.
و مع ذلك، لم تشعرْ بالخوف أو الرعب. بل على العكس___
‘شعور دافئ…..’
كأنّها مدفونة في ريش دافئ ناعم، شعرت بالراحة.
نظرتْ فانيسا مذهولة إلى ما يحدث. ثمّ انسحبتْ الفراشات البيضاء كحجاب، و انكشف أمامها مشهد غريب.
‘غابة…..؟’
دون أن تدري كيف حدث ذلك، وجدتْ فانيسا نفسها قد انتقلتْ إلى هنا و هي تحتضن يورغن.
ضمّته أكثر إليها و نظرتْ حولها.
كان مشهد الغابة غريبًا.
في أسترا، كان الشتاء على وشكِ الانتهاء، لكنّ الجوّ في هذا المكان كان يبدو كصيف كامل : أخضر من كلّ جانب، و الهواء دافئ جدًّا.
‘حارّ قليلًا……’
خلعتْ فانيسا القبعة و الوشاح و رمتهما جانبًا.
بينما تفكّر فيما يجب فعله و أين هي بالضبط، ظهرتْ فراشة بيضاء في الهواء كالمعتاد.
هبطتْ الفراشة برفق على كتف فانيسا، و نقلتْ إليها رسالة من فينيا على غير المتوقّع.
[لقد التقينا هنا مرّة أخرى]
مرّة أخرى……؟
رمشتْ فانيسا ببطء ثمّ أعادتْ النظر حولها.
عندها فقط أدركتْ أنّ مشهد الغابة مألوف. كان هذا المكان الذي جاءتْ إليه عندما تلقّتْ البركة.
‘أين…… هذا المكان؟’
[إنّه الملاذ المحظور]
‘……!’
الملاذ المحظور.
غابة سماويّة في شمال أسترا، مجاورة لمملكة لافينسيا المقدّسة.
غابة مقدّسة تحرسها مملكة لافينسيا، يُقال إنّ قوّة فينيا تتواجد فيها.
بفضل بركة الحياة، ترتفع كثافة الطاقة المقدّسة في الغابة بأكملها، و توجد فيها أعشاب و ثمار تُحدث معجزات متنوّعة. لكنّ جمعها محظور.
ليس فقط الجمع، بل حتّى الدخول إليها صعب.
مملكة لافينسيا تحرسها بشدّة حتّى لا يدخلها أحد دون إذن.
لأنّ في هذا المكان ___
‘ينبوع الخلود’.
ماء يمنح من يشرب منه الخلود، ينبوع فينيا.
لو، لو فقط…..استطاعتْ إعطاء ذلك الماء ليورغن―
نبض ، نبض ، نبض.
كان قلب فانيسا ينبض بسرعة.
‘ف، فينيا، هل….؟’
[هل تريدين إنقاذ رفيقكِ؟]
ارتجفتْ فانيسا عند سماع السؤال الهادئ و رفعتْ رأسها بسرعة.
رغمَ أنّ ما تراه هو مشهد الغابة فقط، إلّا أنّها بدأتْ تبحث حولها كأنّ فينيا موجودة في مكان ما.
‘نعم، نعم، أرجوكِ، دعيني أنقذ يورغن. سأفعل أيّ شيء. أرجوكِ…..’
[حتّى لو كان ذلك مقابل حياتكِ؟]
أجابتْ فانيسا دون تردّد أبدًا.
‘نعم، حتّى لو كان مقابل حياتي.’
[…….]
‘ليس حياتي فقط، خذي روحي أيضًا إن أردتِ. أرجوكِ أنقذي يورغن. هذا الرجل…. لا يمكن أن يموت هنا هكذا.’
كان دوق دريك. حاكم فالنسيا. هناك الكثير من الناس في العالم يحتاجونه حقًّا.
إذا ماتتْ هي، فسيتألّم غارسيا، و رينيه، و الآخرون…… و غلينا أيضًا، لكنّ حزنهم لن يدوم طويلًا.
ستشعر بالقلق على غلينا التي ستبقى وحيدة، لكنّها تثـق أنّ يورغن سيعتني بها جيّدًا.
لذلك، إذا كان لا بدّ من موت أحدٍ هنا، فمن الأفضل أن تموت هي و ليس هو. و فوق كلّ شيء، لم تكن تريد العيش في عالم بدون يورغن.
كيف يمكنني العيش بقلب ناقص، نصفه مفقود؟
هي تعرف أنّ الأمر نفسه ينطبق على يورغن إذا فقدها، لكنّها مع ذلك تريده أن يعيش. إذا كان لا بدّ من إنقاذ أحدهما، فيجب أن يكون هو.
[أنا آسفة. لا يمكنني منحكِ ماء ينبوع الخلود.]
‘آه……’
[إعطاء الخلود للبشر محظور. لقد وقع حادث كهذا مرّة واحدة، و لا يجوز أن يتكرّر.]
أنزلتْ فانيسا كتفيها بخيبة أمل.
كانت تتوقّع ذلك في داخلها، لكنّ تحطّم أملها جعل الرؤية تسود أمام عينيها.
‘إذن، ماذا يجب أن أفعل…..؟’
[يمكنني تلبية رغبتكِ.]
‘……!’
[يمكنني إنقاذ يورغن دريك مقابل حياتك.]
ارتجفتْ الذراعان اللتان تحتضنان يورغن.
كان تنفّسه لا يزال ضعيفًا جدًّا.
لذا يجب الإسراع.
قبل أن تأتي فراشة الموت و يموت.
‘افعلي ذلك. أنقذيه مقابل حياتي، أرجوكِ!’
توسّلتْ فانيسا بكلّ قلبها. لكنّ فينيا لم تردّ فورًا بالموافقة. جاء صوت هادئ يحاول إقناعها.
[انظري، يا فانيسا. هذا هو المصير الصحيح الذي يجب أن تسيري فيه.]
هبطتْ فراشة بيضاء على جبين فانيسا. فجأة، انبثقتْ مشاهد متحرّكة في ذهنها كصور.
[سيدتي الدوقة، هل يمكنكِ النظر في هذه الأوراق قليلًا….]
[كميّة المحصول هذا العام أقلّ من العام الماضي….]
[هل ستحضرين الحفلة الإمبراطوريّة السنويّة في العاصمة؟]
مرتْ المشاهد بسرعة كأنّ أحدًا يقلب صفحات كتاب.
في تلك المشاهد، كانت تعيش حياة مزدحمة و معقّدة.
أدركتْ فانيسا بسرعة أنّ هذا مستقبلها إذا أصبحتْ دوقة فالنسيا بدلًا من يورغن.
[هل تريدين حقًّا إنقاذه حتّى لو خالفتِ مصيرك المحدّد؟ الحياة بدونه لن تكون سيّئة إلى هذا الحدّ كما تظنّين.]
‘….مصيري هو أن يموت يورغن و أصبح أنا دوقة فالنسيا بدلًا منه….’
لم يكن ذلك سؤالًا، بل تمتمة مذهولة.
كلام خرج منها بسبب الصدمة.
إذا كان هذا هو مصيرها، فهي لا تريد الخضوع له.
منذُ البداية كان الأمر سيكون هكذا……أن يموت يورغن. كم كرهت حدوث هذا الأمر
[نحن نراقب البشر منذُ زمن طويل]
‘……’
[من الصعب جدًّا على الإنسان أن يصبح نبيلًا. خصوصًا أن يضحّي بحياته لإنقاذ شخص آخر….]
‘……’
[هل لديكِ فعلًا هذا الاستعداد لذلك؟ هل قلبكِ صادق؟ يجب أن يكون صادقًا. إن لم يكن صادقًا، فلن تتحقّق رغبتكِ.]
لا يوجد شخص حي العالم يريد الموت حقًّا. جوهر الحياة متّصل بخوف الموت.
حتّى مَنْ يحاول الانتحار، أو مَنٔ يضحّي بنفسه لأجل الآخرين، في قرارة نفسه يريد العيش.
لذلك، امتلاك إرادة خالصة تمامًا للتضحية بنفسك أمر بعيد المنال. حتّى لو كان الإنسان أكثر الناس إيثارًا.
لكن.
‘بالطبع……’
بالنّسبة لفانيسا، يورغن ليس شخصًا آخر.
‘أستطيع الموت من أجله.’
هو جزء آخر منها.
حبّها له هو تعاطف ذاتيّ، لا يمكن فصله عنها. لذلك، إذا ضحّتْ بحياتها لإنقاذه، فهذا يعني أنّها تعيش أيضًا بطريقةٍ ما.
كانت فانيسا مستعدّة تمامًا للتضحية من أجل يورغن.
[…..إن كانت إرادتكِ هكذا فعلًا.]
سمعتْ صوت فينيا كأنّها استسلمتْ، ثمّ شعرتْ فانيسا بقوّة الحياة تنبثق من أعماق داخلها.
القوّة التي لم تتحرّك حتّى الآن بدأتْ تمدّ أطرافها أخيرًا.
أدركتْ غريزيًّا أنّ صبّ هذه الطاقة النقيّة المكثّفة على يورغن سيطرد قوّة التعفّن و ينقذه.
لكنّ هذه القوّة التي ستُستنزف حتّى الجذور تحتوي أيضًا على حياتها الخاصّة.
لذلك….. إذا أنقذته، فهي ستموت.
لكنّ هذا بالضبط ما تتمنّاه فانيسا.
“يورغن…… رودي.”
رفعتْ قوّة الحياة و قبّلتْ جبينه.
همستْ و هي تحمل عواطفها الثقيلة، بكلّ ما تملك.
“أحبّـكَ حقًّا.”
لا شيء في العالم يضاهيه. لذلك كان فريدًا لا مثيل له.
أنـتَ صديقـي ، حبيبـي ، رفيقـي الوحيـد.
حتّى لو التقينا بعد سنوات من الابتعاد و الضياع ، كان مصيرنا أن نرتبط معًا في النهاية.
لكن إذا كان هذا المصير يتطلّب موتـكَ، فقد قرّرتْ أن أحطّم المصير نفسه بتقديم حياتي قربانًا.
“أنا آسفة.”
سالتْ الدموع على خدّيها.
تدفّقتْ الطاقة المكثّفة منها و تسرّبتْ إلى جسده. امتصّها كإسفنجة جافّة تمتصّ الماء بسرعة.
“آه……”
ثمّ فتح عينيه الذهبيّتين، المليئتين بحيوية لامعة، و نظر إليها.
نظرتْ فانيسا في عينيه و ابتسمتْ. ابتسامة مشرقة كطفلة تتلقّى هديّة عيد ميلاد.
ثمّ شعرتْ بقلبها يتوقّف فجأة، و فقدتْ الوعي.
أظلمت الرؤية أمامها تمامًا.
التعليقات لهذا الفصل " 112"