كانت فانيسا تغمض عينيها و تفتحهما ببطء، مرّة تلوى الأخرى.
للحظة، تساءلتْ أين هي. لكنّها سرعان ما أدركتْ أنّ المناظر المحيطة مألوفة، و أنّها لا تزال في أرض البرد القارس.
و مع ذلك، كان المشهد الذي يقع أمام عينيها يبدو متناقضًا تمامًا مع تسمية “أرض البرد القارس”.
سماء زرقاء صافية، أرض طينيّة صفراء بدأ الثلج يذوب عنها.
لم يعد يُرى أثر للوحوش الجليديّة الزرقاء، و قد هبّ نسيم لطيف من مكان ما.
كأنّ الربيع قد حلّ فعلًا.
“……فانيسا؟”
سمعتْ صوتًا يناديها من الأعلى، فرفعتْ نظرها. كان يورغن ينحني نحوها و ينظر إليها من أعلى. عندها فقط أدركتْ فانيسا أنّها محتضنة في أحضانه.
“يورغن…..”
“فانيسا، هل أنتِ بخير؟ هل تعرفين مَنٔ أنا؟”
ردّتْ فانيسا بابتسامة خفيفة مطمئنة على سؤاله المتلهّف.
“بالطبع……”
يبدو أنّه كان قلقًا بسبب ظهور فينيا في جسدها. لكنّ فانيسا، على غير المتوقّع، كانت سليمة تمامًا. لم يتشتّت وعيها، و لم تغادر روحها جسدها.
ربّما اعتنتْ فينيا بها حتّى تبقى سالمة.
هي لا تعرف ما حدث على وجه الدقّة، لكنّ سلامتها الآن أمر يدعو للارتياح.
“الآخرون……”
“هناك بعض الجرحى، لكنّ الباقين بخير.”
“الجرحى…… يجب أن أعالجهم. أين ليروي و ساسكيا؟”
“هذان الاثنان……”
توقّف يورغن عن الكلام و رفع رأسه نحو اتّجاه ما. تبعته نظرة فانيسا تلقائيًّا.
هناك____
كان ليروي و ساسكيا محاطين بجنود يحملون أسلحة.
‘جسد ليروي….!’
كانت ساسكيا لا تزال تضخّ الطاقة السحريّة فيه باستمرار، لكنّ جسد ليروي كان ينهار كالطين الرطب.
وجه ساسكيا، الذي كان شاحبًا أصلًا، أصبح أزرق شاحبًا و هي تهمس في ذعر.
“لا، لا….. يا جلالة الملك….رجاءً… لا يمكنني أن أفقدك هكذا…..”
كان المشهد مؤلمًا. و مع ذلك، لم يكن هناك أحد يتعاطف معهما.
كان الجميع يراقب تحرّكات ساسكيا، الخطرة، بحذر شديد.
عبستْ فانيسا قليلًا، ثمّ وقفتْ بمساعدة يورغن و سارتْ نحوهما.
عندما وقفتْ أمام الاثنين الجالسين على الأرض، التفتتْ عينا ليروي فجأة نحوها.
استطاعتْ فانيسا قراءة العواطف المتدفّقة في عينيه البنّيتين المحمرّتين بسهولة.
الكراهية، الغضب، الهوس…… و اليأس.
كان ذلك اليأس يشبه لون الهزيمة المُرّة.
نظرتْ فانيسا إليه مباشرة و بدأتْ تتكلّم ببطء.
“لديّ كلام أخير أريد قوله لكَ، ليروي.”
كان لديها الكثير مما تريد قوله له.
في المرّة السابقة، مات ليروي فجأة جدًّا فلم تُتح لها فرصة صبّ كلّ ما في صدرها.
لكنّ الفرصة جاءت الآن مرّة أخرى. إن لم تكن الآن، فلن تحدث أبدًا.
سحق كبرياء ليروي المتغطرس و تحطيم أوهامه.
“أعرف تمامًا في أيّ وهم تعيش. تظنّ أنّني أتبع نزواتي. تظنّ أنّك إذا ضربتني عدّة مرّات ثمّ أعطيتني جزرة كأنني حيوان ما، فسأصبح في النهاية ملكك و مروّضة حسب رغبتك.”
“أنتِ، كـ، كغ……”
حاول ليروي فتح فمه ليقول شيئًا، لكنّ وجهه كان قد انهار تمامًا فلم يعد قادرًا حتّى على النطق.
رفعتْ فانيسا جانب شفتها بسخرية و واصلتْ.
“الآن سأخبركَ بوضوح، فاستمع جيّدًا أيّها الوغد.”
“كغ……!”
“في تيريفرون، كنتُ أتخيّل قتلكَ كلّ يوم. مجرّد رؤيتكَ كانت تجعلني أرتعد و تقشعرّ أنفاسي. أردتُ قتلك. أنتَ مقرف. أكرهك. أنتَ لا شيء بالنّسبة لي. مجرّد نفاية أحقر من الحشرات.”
“كغغغ……!”
“لذلك متْ سريعًا مرّة أخرى، و في حياتكَ القادمة لا تلتقِ بي أبدًا.”
برزتْ عروق الدم في عيني ليروي.
حاول الاقتراب من فانيسا و هو يتخبّط، لكنّ أطرافه ذابت فصارت حركاته تشبه حركات دودة بشعة تتلوّى.
ضحكتْ فانيسا بسخرية و بصوتٍ مسموع و تراجعتْ ببطء. رفعتْ ذقنها و نظرتْ إليه من أعلى بازدراء.
“كغآآآآآ……!”
أطلق ليروي صرخة لم تعد تشبه صوت إنسان، ثمّ انهار تمامًا. رغم كلّ جهود ساسكيا، تحول جسده إلى طين لزج ينتشر على الأرض.
“آه……”
خرج تنهّد خافت من فم ساسكيا المتجمّدة.
مدّتْ يدها المرتجفة نحو بقايا ليروي. لم يكن في نهاية نظرتها الخاوية سوى بركة طين قذرة.
سرعان ما انهمرتْ الدموع على وجه ساسكيا المشوّه بالألم. كانت الدموع تبدو حمراء شفّافة ممزوجة بالدم.
ارتجفتْ شفتاها الشاحبتان عدّة مرّات قبل أن تنفجر الكلمات اليائسة.
“س، سيدي ليروي، لا…. لا…. لا….لا، آ….آآآآآ!”
لم ترَ فانيسا ساسكيا تعبّر عن عواطف بهذه القوّة من قبل. شعرتْ بشعور سيّئ فتجمّد وجهها.
حاولتْ رفع قوّة الحياة داخلها لحماية الجميع، لكنّ تلك القوّة لم تتحرّك قيد أنملة.
‘ما هذا؟ لماذا؟ لماذا……’
هل بسبب ظهور فينيا في جسدها؟ لم يكن هناك سبب آخر يمكن تخيّله.
في هذه الأثناء، نهضتْ ساسكيا بتمايل. كانت عيناها السوداوان، اللتان كانتا دائمًا متجمدتين، مليئتين الآن بعاطفة مشتعلة.
“أيّها الخائنة……”
تمتمتْ و هي تبدو خارجة عن وعيها.
“أنتِ، ملكة تيريفرون… كيف تجرئين على خيانة الملك ليروي….! سيدي ليروي لم ينسَكِ حتّى بعد عودته… لن أغفر لكِ… لن أغفر…. لن أغفر أبدًا….!”
شعرتْ فانيسا بنية القتل المنبعثة منها فعبستْ و مدّتْ يدها خلف ظهرها دون وعي، لتمسك بالقوس المعلّق على ظهرها. لكنّ يدها لم تمسك بشيء.
‘هل أزاله أحد دون أن أشعر؟’
شعرتْ بعجز لم تشعر به منذُ زمن طويل فأطبقتْ على شفتيها بقوّة، لكنّ يورغن جذبها فجأة و أخفاها خلف ظهره.
يبدو أنّه اعتقد أنّ ساسكيا ستهاجمها فأراد حمايتها.
عند رؤية يورغن يتصرّف بهذه الطريقة، انفجرتْ ساسكيا فجأة في ضحك مجنون. كانت عيناها المحترقتان بالغضب و الكراهية سوداوين لامعتين. بدا أن ذلك الشعور الأسود و كأنّه سيتحوّل إلى شكل حادّ و يطعنهم ، فارتجفتْ فانيسا دون أن تشعر.
“فانيسا لوينغرين.”
نادَتها ساسكيا باسمها و ليس بـ”جلالة الملكة”.
تذكّرتْ فانيسا أنّ هذه المرة الأولى التي تناديها فيها بهذه الطّريقة.
تردّد صوت ساسكيا المليء بالحقد الشديد .
“بما أنّكِ آذيتِ الشخص الأثمن لديّ…… فمن العدل أن أنتزع الشيء الأثمن بالنسبة لكِ أيضًا…… أليس كذلك؟”
كانت نظرة ساسكيا موجّهة نحو يورغن.
في اللحظة التي أدركتْ فيها فانيسا ذلك، اخترقها شعور سيّئ كالصاعقة.
برد الدم في جسدها فجأة. كأنّ تدفّق الدم توقّف في كامل الجسم. اندفعتْ فانيسا إلى الأمام بسرعة محاولة احتضان يورغن. كان ذلك فعلًا غريزيًّا مدفوعًا برغبة حمايته.
لكنّ حركة ساسكيا كانت أسرع.
“لا……!”
قبل أن تتمكّن فانيسا من الوقوف أمامه، انطلقتْ طاقة سوداء من أطراف أصابع ساسكيا و أصابتْ يورغن مباشرة.
حتّى الدرع الذهبيّ الذي أظهره يورغن كرد فعل لم يمنعها.
بدأتْ قوّة الموت، على شكل أشواك سوداء كالكروم، تلتصق ببطنه و تمدّ تدريجيًّا.
“صاحب السموّ!”
“يا للمجنونة!”
“ههههههه!”
امتزجتْ صيحات الفرسان و الشتائم بضحك ساسكيا المجنون.
سمعتْ فانيسا كلّ تلك الأصوات كأنّها تأتي من بعيد. أعلى صوت كان يرنّ في أذنيها هو دقات قلبها المتسارعة.
لم تستطع فانيسا رفع عينيها عن يورغن. لذلك لم ترَ غارسيا و هو يغرز سيفه في صدر ساسكيا التي كانت تضحك بجنون.
“يورغن، لا، لا…… ماذا أفعل بهذا، كيف……؟”
بدأ التعفّن ينتشر من النقطة التي لامستْ فيها الأشواك السوداء. كانت القوّة التي أطلقتها ساسكيا نحو يورغن هي قوّة التعفّن.
حاولتْ فانيسا سحب قوّة الحياة من داخلها لوقف انتشار التعفّن، لكنّ تلك القوّة ظلّت صامتة.
التعليقات لهذا الفصل " 111"