إذا تجسّد حاكم ما ، فمن الطبيعيّ أن يتوقّع الجميع أن يتجسّد فيوس في جسد يورغن كوعاء.
لذلك كان هذا الوضع خارج توقّعات الجميع.
حتّى الإمبراطور بدا مصدومًا.
مع الطاقة الهائلة المنبعثة من فانيسا التي تجسّدت فيها فينيا، انتفض أورغيلمير بقوّة ثمّ طوى جناحيه و نظر إليها من الأعلى.
في الصمت الذي لم يقطعه سوى عواء الأموات الغريب و صوت انهيار الجليد، التقت نظراتهما.
لامست الطاقة البيضاء التنّين الأزرق بلطف.
كانت بركة فينيا تمتلك قوّة تهدّئ كلّ شيء في العالم. استجاب أورغيلمير لذلك، فهدأت طاقته الثائرة تدريجيًّا.
رمش ببطء، ثمّ انحنى و استلقى على الأرض تمامًا. وضع ذقنه على الأرض في وضعيّة تجعل فانيسا قادرة على مداعبته بسهولة، و نظر إليها.
ظهرت ابتسامة هادئة على شفتيّ فانيسا.
فانيسا – أو بالأحرى فينيا التي سيطرت على جسدها – اقتربت أكثر من التنين و داعبت أنفه ببطء.
[هل هدأتَ الآن؟]
استطاعت فينيا، التي استخدمت فانيسا كوعاء، التكلم كالبشر.
كان صوت فانيسا، لكنّه يحمل رنينًا هائلًا يبدو مختلفًا. لم يكن صوتًا يُسمع بالأذن فقط، بل يتغلغل في الدماغ و الجسد كلّه.
“…….”
نظر يورغن إليها مذهولًا. أكثر شيء انساب في جسده لم يكن الدهشة من قداسة الحاكمة التي أمامه، بل كان شعور الخوف.
الخوف من فقدان فانيسا.
الإنسان الذي يصبح وعاءً للحاكم يُمحى ذاته تمامًا و تُنتزع روحه ليصبح قشرة فارغة. لم يستطع يورغن تصديق أنّ فانيسا ستصبح هكذا.
ظهور فينيا هو أفضل حلّ لإنقاذ العالم بلا شكّ، لكنّه لم يشعر بالسعادة.
رأسه كان مليئًا بفانيسا فقط.
إذا فقدتكِ هكذا، فكيف سأعيش؟
عند تخيّل مستقبل بدون فانيسا، لم يظهر أمامه سوى الظلام الدامس.
ضاق صدره و اختنق نفسه.
حتّى عندما أساء فهمها و شعر أنّها تخلّت عنه، لم يشعر بهذا الضعف.
الآن ، هو يشعر أنّه سيموت حقًّا.
إذا فقـدَ كلّ شيء ، إذا فقدها هي___
[في الحقيقة، كانت هناك طريقة لإعادتكَ إلى السبات أو قتلكَ دون الحاجة إلى هذا، و كانت متاحة لنا جميعًا.]
تحدّثت فينيا إلى أورغيلمير بنبرة لطيفة.
“نحن” تعني الحكام السبعة بالتأكيد.
[لكنّ الجميع كانوا يشعرون بالاشمئزاز منكَ لأنّكَ ولدتَ من الفوضى، فلم يحاول أحد المساعدة. أنا أيضًا…..]
كان في صوتها شعور بالمرارة.
[رأيتُ وحدتكَ فأشفقتُ عليكَ، لكنّني لم أمدّ يد المساعدة إليك. نحن المنتمون إلى النظام نرفض الفوضى بشكلٍ طبيعيّ.]
[…..]
[لكنّني الآن قرّرتُ. إذا لم يرغب الآخرون في ذلك، فسأفعل أنا]
[..…]
[أورغيلمير ، هل تريد أن تصبح تابعي؟]
“آه”
أصدر الإمبراطور صوتًا خفيفًا كأنّه فهم شيئًا.
راقب الباقون المشهد بصمت.
الرهبة و الخوف من الحاكمة التي تدخلت فجأة. الشعور بالغربة الشديدة ___
لم يختلف الأمر بالنّسبة لساسكيا وليروي.
حتّى هما لا يجرؤان على مهاجمة أحد الحكام.
مع ظهور فينيا غير المتوقّع، انهارت خططهما تمامًا، و لم يبقَ لهما سوى المشاهدة بعجز.
[.…..]
ابتسمت فينيا المحاطة بهالة بيضاء ناصعة كتاج. أجاب أورغيلمير بالموافقة. داعبته بلطف و قالت بهدوء:
[حسنًا، إذن لن تكون وحيدًا بعد الآن]
ثمّ انبعث نور أبيض مبهر منها.
غطّى الجميع عيونهم بأيديهم أو أذرعهم و فتحوا عيونهم قليلًا.
غطى اللون الأبيض كلّ شيء و لم يُرَ شيء.
لكنّهم شعروا بوضوح. دفء هذا النور، هذه الطاقة التي تحيط بالهواء.
شعر كلّ مَنٔ لديه روح في المكان أنّهم ينتمون إلى هذه القوّة. حتّى الأموات الذين أعيدوا إلى الحياة و خالفوا النظام ، لذلك لم يستطيعوا الحركة.
بعد قليل تلاشى النور.
رمش يورغن بعينيه ليعدّل رؤيته. سرعان ما رأى فانيسا.
كانت فينيا لا تزال في جسدها.
اختفى أورغيلمير لسبب ما، و في حضن فينيا كان هناك تنّين صغير بقشور بيضاء كالثلج نائمًا بعمق.
“……؟”
ضيّق يورغن حاجبيه و حدّق فيه.
كان حجم التنّين الصغير بحجم قطّة كبيرة. عيناه مغمضتان بينما هو نائم بهدوء، لذلك لم يرَ لون حدقتيه. لكنّه أدرك أنّ عينيه لم تعودا حمراوتين.
[هذا التنّين الصغير هو أورغيلمير. لا، كان أورغيلمير… لكنه الآن يحتاج إلى اسم جديد]
اقتربت فينيا من يورغن و سلمته التنّين الصغير. أمسكه يورغن مذهولًا. كان الصغير يغطّ في نوم عميق دون أن يعي شيئًا.
[هل ستختاران الاسم أنتما الاثنان؟]
أدرك يورغن بسرعة أنّ “أنتما الاثنان” تعني هو و فانيسا. في الوقت نفسه، نبـت الأمل في قلبه.
[اعتنيا به جيّدًا.]
عكست فينيا قوّة أورغيلمير. من الشتاء إلى الربيع، من الموت إلى الحياة، من الفوضى إلى النظام.
و هكذا وُلد الكائن الذي كان يسمى أورغيلمير من جديد. ارتدى قشرة جديدة معكوسة و أصبح كائنًا مختلفًا تمامًا..
[قوّة الشتاء عُكست، لذا سينهار العشّ قريبًا. اخرجوا قبل ذلك.]
بدأ العشّ يهتزّ مجدّدًا، ليس بسبب ثورة التنين هذه المرّة، بل لأنّه على وشكِ الانهيار فعلًا.
[إذن… سأذهب الآن.]
ودّعته فينيا بنبرة أسف. ثمّ بدأ النور المنبعث من جسد فانيسا و الهالة فوق رأسها يتلاشى تدريجيًّا، و عادت حدقتاها الزرقاوان.
ثمّ أغمضت عينيها ببطء و فقدت الوعي.
امتدّت ذراع يورغن بسرعة و أمسك جسدها المتهاوي. في ذراعه الأخرى كان التنّين الصغير.
“غارسيا، احمل هذا.”
سلّم يورغن التنّين الصغير إلى غارسيا. تلقاه غارسيا مذهولًا و هو يصدر صوت “آه”.
لكنّ يورغن لم يهتمّ بالتنّين الصغير. رفع فانيسا بحذر بذراع واحدة. ثمّ نظر إلى الإمبراطور.
“من الأفضل أن نخرج من هنا أوّلًا.”
“نعم، و قد اختفى المتطفّلون أيضًا.”
عند التفكير في ذلك، لقد اختفى كل من ساسكيا و ليروي. منذ متى؟ هل هربا مجدّدًا؟
لكن هذه المرّة، حتّى لو هربا___
“مع عكس قوّة الشتاء، لن يستطيع الأموات الذين أُعيدوا إلى الحياة بها الحفاظ على شكلهم. ليروي تيريفرون في نفس الوضع.”
أشار الإمبراطور بذقنه كأنّه يقول انظر. كان يورغن ينظر بالفعل إلى هناك. كان الأموات الذين سدوا الممرّ المؤدّي إلى المخرج يذوبون كالطين.
“غرر… آآ….”
“غرر….”
“لا، لا….”
“لا أريد الموت….”
كانوا قد أُعيدوا إلى الحياة قسرًا من قِبل ساسكيا، و ها هم يموتون مجدّدًا في هذه الأرض الشماليّة البعيدة عن موطنهم.
نظر يورغن إليهم بصمت، ثمّ أمر الجنود:
“اسرعوا في الخروج من العشّ. احذروا الانهيارات و اتبعوني.”
“نعم، صاحب السموّ!”
أجاب الجنود بحماس. تحرّكوا بسرعة للخروج من العشّ. لم يكن عبور الأموات الذائبين صعبًا.
“ساعدوني، ساعدوني….”
“لا تذهبوا….”
تأفّف غارسيا و هو ينظر إلى الأموات البعيدين. لم يستطع تصديق أنّ ساسكيا….. فيني فعلت هذا، لكنّ الواقع القاسي لا يمكن إنكاره، فأحسّ بألم في صدره.
‘إذا لم يكن هناك أمل في عودتكِ إلى ما كنتِ عليه….’
…فسأقتلكِ بيديّ لأمنحكِ الراحة.
تحمّل غارسيا ألمًا يحرق قلبه و هو يقسم بذلك في داخله.
* * *
[……]
سمعت صوتًا يناديها.
صوت أصبح مألوفًا نوعًا ما، لطيف و حنون.
طافت فانيسا في عالم الوعي و سألت بذهول:
‘هل مـتُّ؟’
أجاب الصوت بالنفي. و قال إنّها ستستيقظ قريبًا.
‘هل يورغن و الآخرون بخير؟’
أجاب بالإيجاب. و أضاف بلطف أنّ كلّ شيء سيكون على ما يرام فلا تقلق.
‘لم أتوقّع أن تتجسدي في جسدي.’
ضحكت فينيا بخفّة ثمّ شرحت بهدوء و لطف:
[……]
‘تمكّنتُ من الظهور في جسدكِ لأنّكِ شعرتِ بالشفقة على أورغيلمير.’
[……]
‘بهذا الشعور، توافقت روحكِ و روحي، فاكتملت الشروط لتجسّدي في جسدكِ.’
[……]
‘اختياري كان صائبًا. أنتِ تملكين قلبًا يشفق حتّى على كائن مرعب كهذا.’
[……]
‘حان وقت الاستيقاظ.’
[……]
‘كوني شجاعة، فانيسا. الشجاعة هي ما يمكّن دائمًا من تجاوز المصير.’
تلاشى الوجود القويّ الذي كان بجانبها تدريجيًّا. ثمّ بدأت الأصوات التي تخترق رأسها – أو أذنيها – تأتِ من العالم الحقيقيّ.
شعرت فانيسا فجأة بدفء الشمس على خدّها، ففتحت عينيها.
كان أوّل ما رأته سماء زرقاء صافية، لم تكن موجودة أبدًا في أرض الجليد المتعمّدة بالغيوم الثلجيّة طوال العام.
التعليقات لهذا الفصل " 110"